- د. رضا حجاج: الهدف تقسيم البلاد إلى خمس دويلات
- د. مصطفى بكر: حلقة جديدة في مسلسل الفشل الحكومي
- د. الزعفراني: "شو إعلامي" أعطى المشروع أكبر من حجمه
تحقيق: أحمد الجندي
كعادتها لا تبالي الحكومة المصرية بتحذيرات الخبراء، بشأن فشل مشروعاتها المختلفة، فبالرغم من تحذيرات الخبراء من فشل مشروع توشكى الذي أنفقت الحكومة عليه 10 مليارات جنيه في 12 سنة، ولم يتحقق من أهدافه سوى 0.5%؛ حيث كان يستهدف استصلاح 600 ألف فدان وزراعة جنوب غرب السد العالي، ثم توقف العمل فيه فجأة، ولم يزرع فيه سوى 3000 فدان فقط.
وبالرغم أيضًا من تحذيرات الخبراء من إنشاء مدينة مليونية في منطقة العلمين بالساحل الشمالي، التي حذر خبراء المناخ من تعرضها للغرق بفعل الاحتباس الحراري، وينطبق الوضع نفسه على أراضي الضبعة المخصصة لإنشاء المحطات النووية، ومحافظة الوادي الجديد الذي زعمت الحكومة بأنه سوف يستوعب 10 ملايين نسمة، ولم يتعد تعداد الوادي الجديد في الوقت الحالي 200 ألف نسمة، وغيرها من المشروعات التي أنشأتها الحكومة بالفعل أو تعتزم إنشاءها، بالرغم من تحذيرات الخبراء من فشل هذه المشروعات.
وأخيرًا يأتي مشروع المدينة المليونية بشرق بورسعيد؛ ليدلل على أن الحكومة تسير في وادٍ والخبراء بل والشعب كله يسيرون في وادٍ آخر، فبعد أن كشفت دراسة حكومية أعدها خبراء في التخطيط العمراني أن الأرض المخصصة لإنشاء المدينة غير صالح، وأن المشروع سيكلف مصر خسائر كبيرة، إلا أنه صدر قرار جمهوري بعد ذلك بإقامة المدينة في نفس المكان، في تجاهل تام لما خلص إليه التقرير.
وأكد الخبراء في دراستهم أن الموقع الحالي لا يصلح لإقامة المدينة؛ بسبب عدم صلاحية الموقع من ناحية التربة والبيئة والطبيعة، ولزيادة التكلفة الاقتصادية 3 أضعاف عن التكلفة الطبيعية، فضلاً عن أن المكان لا يصلح للتوطين؛ بسبب نحر البحر واحتمالات غرق المنطقة نتيجة للاحتباس الحراري، ونوعية التربة الرطبة، وزيادة التكلفة الاقتصادية عند البناء وتنفيذ أعمال البنية الأساسية، بالإضافة إلى إهدار الثروات الطبيعية بالمنطقة من رمال سوداء، تحتوي على العديد من المعادن النادرة التي قدرت هيئة المساحة الجيولوجية، وفقًا للدراسة، الكميات المتاحة منها بحوالي 44 مليون طن في طبقة بعمق 1 متر تقريبًا، وقدرت قيمة إنتاجها من المعادن النادرة بـ196 مليار دولار سنويًّا.
كما يوجد على هذه الأرض أكبر ملاحتين في مصر، هما "بور فؤاد، والمكس" اللتان تنتجان 2,7 مليون طن من الملح سنويًّا، يصدر منها حوالي مليون طن، بما يعادل 85% من صادرات الملح المصرية، بالإضافة إلى أن إنشاء المدينة سوف يقضي على مئات المزارع السمكية التي تشغل مساحة قدرها 2300 فدان، تنتج العديد من أنواع السمك والزريعة، كما أن الهيئة العامة للثروة السمكية لها مشروعات مقترحة بالمنطقة تصل استثماراتها إلى 800 مليون جنيه، ومن المتوقع أن تدر عائدًا سنويًّا قدره 2,8 مليار جنيه، وتوفر 20 ألف فرصة عمل للشباب.
وبالرغم من هذه الأسباب التي ساقها الخبراء في تقريرهم، إلا أن الحكومة ما زالت مصرة على تنفيذ المشروع في نفس المكان؛ وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة أمام موقف الحكومة، ويدفع إلى التساؤل لماذا تصر الحكومة دائمًا على تنفيذ رؤيتها حتى لو كانت خاطئة؟ ولماذا دائمًا تتجاهل الحكومة تحذيرات الخبراء؟ ولماذا تصر على تكرار فشلها؟
(إخوان أون لاين) يجيب عن هذه التساؤلات في سطور التحقيق التالي:
تقسيم مصر
بدايةً، ينتقد الدكتور رضا حجاج أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة تكرار الفشل الحكومي في مشروعاتها القومية، متمثلاً بفشل مشروع ترعة السلام، وترعة شرق التفريعة، ومشروعات المدن المليونية التي تعتزم الحكومة تنفيذها، وخاصة المدينة المليونية بشرق بورسعيد، معتبرًا أنها تعد ضربًا من "التهريج"، على حد تعبيره.
ويتساءل: على أي أساس اختارت الحكومة هذا المكان؟ وما مقومات الإنتاج المتوفرة فيه؟ مؤكدًا عدم وجود أي مقومات اقتصادية ولا اجتماعية للمشروع؛ لأن المحافظات المجاورة للمشروع مثل الشرقية والإسماعيلية وشمال سيناء ليست محافظات طاردة للسكان، حتى يتم تسكينها بمليون نسمة كما هو معلن، مضيفًا أنه كان من المفترض أن تقام هذه المدن على حدود القاهرة، وليس في الأماكن النائية التي يرفض المواطنون الذهاب إليها.
ويؤكد أن الحكومة تفكر بمنطق رجال الأعمال الذين يجلسون مع بعضهم البعض في لجنة السياسات، وكل واحد منهم يفكر "هيكسب إيه"، بغض النظر عن مصلحة المواطنين، وبالتالي أصبح همهم الوحيد هو الحصول على الأراضي وبيعها أو إقامة مشروعات عليها تخدم مصالحهم فقط.
ويفند ادعاءات الحكومة بأن مصر ستصل للتوازن السكاني عام 2048م من خلال هذه المدن المليونية، المتوقع أن يبلغ عدد سكان مصر فيه حوالى 140 مليون نسمة، أي بزيادة قدرها حوالي 60 مليون نسمة، قائلاً: "لو نفذت الحكومة الـ10 مدن المليونية التي تزعم إقامتها، ستستوعب 10 ملايين نسمة فقط، فأين ستذهب الزيادة الباقية؟.
وينتقد التجاهل الحكومي لتقارير الخبراء بشأن الأرض المخصصة لإقامة المدينة المليونية في شرق بورسعيد، قائلاً: إن "الرأي العلمي لا يمارس في مصر، والخبراء قد يؤتى بمثلهم، ويقولون إن الأرض صالحة والمشروع متميز!"، مشيرًا إلى أن أعضاء لجنة السياسات والوزراء، يتعاملون بمنطق "اكسب مليار ويخسر البلد مليار".
ويكشف عن أن المدن المليونية الجديدة هي جزء من مخطط أمريكي، يهدف إلى تقسيم مصر إلى 5 دويلات طبقًا لمشروع الشرق الأوسط الجديد، موضحًا أن صانعي القرار بأمريكا وتابعيهم في لجنة السياسات اختاروا مواقع المدن المليونية؛ لتتناسب مع تقسيم مصر إلى دويلات خمس هي (دولة الجنوب في الصعيد، دولة العوينات، بالإضافة إلى جزء من ليبيا وجزء من تشاد، دولة في سيناء تضم شمال سيناء وجنوبها، ودولة في الشمال الغربي، ودولة في القلب)، مؤكدًا أن اللا مركزية التي تتبناها الحكومة الآن هي مستهدف لتقسيم المحافظات وعدم ربطها بالقلب، وليس بالمفهوم الدارج للامركزية.
ويوضح أن أمريكا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وضعت مخططًا للسيطرة على العالم، فساندت حركات التحرر لاستبعاد إنجلترا وفرنسا، ثم اتجهت إلى جنوب شرق آسيا؛ ولكنها بعد سقوطها في فيتنام، توجهت إلى الشرق الأوسط، بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى تقسيم الدول العربية إلى دويلات صغيرة، من خلال إنشاء أسر حاكمة صغيرة، تعمل على استمرارها في الحكم، في هذه الدويلات.
ويضيف بعد تقسيم العراق والسودان إلى دويلات يأتي الدور على مصر، من خلال إضعاف الدور المصري في المنطقة، وتقييدها بالتبعية للأمريكان، كما في الوضع الحالي، موضحًا أنه بعد انتهاء كامب ديفيد في عام (2001- 2002م) وتحرر مصر من قيودها، فكر الأمريكان في السيطرة على السياسة في مصر من خلال إنشاء لجنة تسمى (لجنة السياسات)، يوضع فيها بعض الشخصيات من رجال الأعمال وأصحاب المصالح، يعدونهم ويمنونهم باستخدام سياسة (العصا والجزرة)؛ ليسيروا وفق الأجندة الأمريكية، وينفذوا مخططاتها.
كذب حكومي
ويقول الدكتور مصطفى بكر أستاذ الهندسة الإنشائية: إن السياسات الحكومية الخاطئة أدت إلى فشل العديد من المشروعات قبل ذلك؛ وهو ما أدَّى إلى إهدار المليارات على هذه المشروعات، وبالرغم من ذلك هناك مشروعات تم البدء فيها منذ أكثر من 20 سنة، ولم يتم إنشاؤها حتى الآن، ضاربًا المثل بمشروع توشكى.
ويؤكد د. بكر صحة كل ما ورد في تقرير الخبراء بشأن الأرض المخصصة للمدينة المليونية في شرق بورسعيد، مكذبًا ادعاءات الحكومة بأن تربة أرض شرق بورسعيد هي نفس تربة بورسعيد، موضحًا أن أرض بورسعيد رملية وليست (سبخة) كالأرض المخصصة للمدينة المليونية، كما تزعم الحكومة، مؤكدًا أن المشروع لو تم إبعاده عن المكان المحدد 40 كيلومترًا فقط، سيكون المكان الجديد ملائمًا جدًّا لإنشاء المدينة.
ويضيف أن الحكومة تتعمد إهدار موارد البلد، سواء من خلال الإنفاق على مشروعات فاشلة؛ حيث إن تكلفة البناء ستتضاعف بسبب التربة، كما أن البنية التحتية ستتضاعف أيضًا، مؤكدًا أن متر الأسفلت ستتضاعف تكلفته ضعفين.
ويطلب من الحكومة أن تقدم أدلة علمية واضحة عن تصريحاتها التي تقول فيها إن "موقع المدينة عبقري"، وأن ترد بطريقة علمية على ما جاء في التقرير، ولا تلقي الأكاذيب بأن مميزات المكان أكثر من سلبياته، قائلاً إن "هذه ليست أول كذبة للحكومة".
شو إعلامي
ويرى الدكتور عباس الزعفراني أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، أن الحكومة تعطي لمشروع المدينة المليونية بشرق بورسعيد أكثر من حجمه، بأنها سوف تكون مدينة مليونية خلال 10 سنوات، وهذا يعد ضربًا من ضروب الخيال، لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع؛ لأن مشروعات التعمير تحتاج إلى عقود عديدة بل إلى قرون لتحقق أهدافها، منتقدًا الشو الإعلامي الضخم التي تثيره الحكومة حول مشروعاتها، بأنها ستحقق كذا وكذا أهداف في فترة زمنية قصيرة.
ويضيف أن الحكم على مدى إمكانية نجاح أو فشل المدينة المزمع إنشاؤها في شرق بورسعيد، يعتمد على المفاضلة بين المميزات والعيوب للموقع، وأن يعتبر فيه رأي الخبراء كل في مجال تخصصه، وليس خبيرًا واحدًا بل مجموعة من الخبراء، ولا تنفرد الحكومة برأيها وتترك الآراء الأخرى.
ويرى أن المشروع سيكون خطوة نحو تعمير شمال سيناء وربطها بالعريش، ومن ثم يحمي البلاد من أي تفكير أحمق للصهاينة، في شبه جزيرة سيناء.
ويؤكد أن الأرض المخصصة لإقامة المدينة شرق بورسعيد أرض سبخية طينية تكلفة الإنشاءات والبنية التحتية عليها ستكون مضاعفة؛ لأن هذا المكان امتداد طبيعي للدلتا، فهو يقع مكان مصب قديم لفرع من النيل يسمى الفرع "البليوزي" الذي ينتهي عند "بالوزة"، فضلاً عن أن أرضها منخفضة يركبها البحر، ومالحة، مشيرًا إلى تراجع المدينة عن مكانها الحالي 10 كيلومترات أفضل من إقامتها في المكان الحالي.