- الحياة في عزبة الهجانة تحت الضغط العالي

- الكونيسة.. العيش في أحضان أسلاك الكهرباء

- السرطان والقلب وتشوُّه الأجنة.. مصير الأهالي

- د. عبد الفتاح: سمعة مصر "في الحضيض"

- مختار: المواطن آخر شيء في اهتمامات الحكومة

 

تحقيق: إيمان إسماعيل

"أغيثونا أغيثونا.. الموت يحاصرنا من كل جانب.. ننشر غسيلنا ونحن نتلفظ الشهادة في كل لحظة.. أطفالنا لا يذهبون إلى مدارسهم وحدهم خوفًا من أسلاك الموت.. الجثث المحترقة صعقًا بالكهرباء أصبحت مشاهد آلفتها أذهاننا".. هذه هي صرخات آلاف المصريين الذين يعيشون تحت أسلاك الكهرباء المكشوفة، وتقع بيوتهم تحت أسلاك الضغط العالي.

 

فـ"الموت صعقًا بالكهرباء" أصبح من الأخبار شبه اليومية التي تطالعنا بها صفحات الحوادث بالصحف ووسائل الإعلام المختلفة، فلا يكاد يمر يومًا إلا ونسمع أو نقرأ أخبارًا تفيد بأن طفلاً هناك قُتل نتيجة غفلة أمه عنه لحظات فلامس أسلاك الكهرباء فمات في الحال!، ومانشيت آخر مفاده أن هناك أسرةً بأكملها توفيت داخل جدران منازلها؛ نتيجة لسقوط أحد أسلاك الضغط العالي على سقف المنزل فاحترق بمن داخله في الحال!.

 

الغريب أن أسلاك الموت هذه تهدد المصريين في مناطق حيوية بقلب محافظة القاهرة وليست مناطق عشوائية فقط كما قد يتبادر إلى الأذهان، ويأتي ذلك في الوقت الذي ينشغل فيه العالم أجمع بتحقيق النهضة للمجتمعات، والتقدم التكنولوجي والتوصل لجميع سبل الارتقاء بالروح البشرية وتهيئة سبل الحياة لها للعيش في رغد وهناء، على نقيض حال الحكومة المصرية التي تتفنن في كيفية تصيُّد أرواح المواطنين والقضاء عليها!.

 

 الصورة غير متاحة

هكذا يكون الخطر المروع على رءوس المواطنين

(إخوان أون لاين) قام بجولة في مناطق مختلفة من أنحاء القاهرة الكبرى؛ لينقل معاناة مواطنين مصريين يعيشون جنبًا إلى جنب مع أسلاك الموت.. فإلى التفاصيل..

 

دقائق عشناها مع أهالي عزبة الهجانة تحديدًا بمنطقة الضغط العالي، إلا أنها كانت لحظات رعب وقلق وارتباك؛ خوفًا من أن نلقى حتفنا في لحظة، زاد من تأصيل ذلك الشعور القصص التي يرويها لنا الأهالي!!؛ حيث يعيشون تحت أسلاك الضغط العالي للكهرباء ما يفوق الـ50 عامًا؛ فما أن تتحرك يمينًا أو يسارًا إلا وتلامس أسلاك الكهرباء رأسك وكتفك، ومنها ما هو متدلٍ لأسفل فتتعثر بها قدمك، ذلك فضلاً عن صوت أزيز أسلاك الكهرباء الذي يخترق أذنك باستمرار طوال فترة تواجدك بالمنطقة!!.

 

فبمجرد أن خطت أقدامنا المنطقة حتى دفعنا جميع أهالي المنطقة للذهاب إلى منزل فتحي (أبو محسن)؛ لأنه من أشد من عانوا من أسلاك الضغط بتلك المنطقة؛ حيث توفي طفلاه خلال الـ6 سنوات الماضية، فضلاً عن إصابة ابنه محسن بحروق بالغة، أما زوجته فمصابة بحالة هستيرية من الحسرة والألم على وفاة طفليها وإصابة الثالث!!.

 

مأساة "عم" فتحي!

وصلنا إلى منزل "عم" فتحي الذي أخذ يروي لنا قائلاً: "رغم وفاة اثنين من أطفالي وإصابة الثالث بحروق بالغة؛ نتيجة أسلاك الضغط العالي، إلا أننا لا نمتلك قوت يومنا حتى نتمكن من الانتقال من منطقة الموت تلك إلى أي منطقة آدمية آخرى، فابني الصغير تُوفي عندما غفلت أمه عنه لحظات؛ لتنشر غسيلها على سطح المنزل إلا أنها لم تلبث لحظات حتى سمعت الأهالي ينادونها من أسفل: الحقي ابنك اتحرق بمجرد ما لامس سلك كهرباء متدلٍ من إحدى الحوائط!".

 

ويستطرد في حزن بالغ قائلاً: "وابني الآخر تُوفي داخل منزلنا عندما تركته أمه خوفًا عليه من أن تصطحبه معها إلى السوق فيلاقي مصير أخيه، إلا أن إرادة الله شاءت أن يسقط أحد أسلاك الضغط العالي على سطح المنزل فتحرقه بالكامل، وتتفحم جثة ابني في الحال"!.

 

أما أم هدير "أم لـ7 أطفال" فتقول: "ما أكثر شكوانا مما نعاني منه ولكننا نؤذن في مالطة!!، فمنذ أكثر من 35 سنةً ونحن نعيش على ما نحن عليه، ولا يلتفت لنا أي مسئول سوى بوعود وأماني زائفة"!!.

 

وفاة 7 أشخاص!

 الصورة غير متاحة

أهالي الهجانة يعيشون تحت الضغط العالي

وقاطعت حديثها أم صادق قائلة: "منذ أقل من شهرين فوجئنا بصوت دويِّ شديد وضوء غير عادي، فهرولنا إلى مكان الضوء، فوجدنا أن أسلاك الضغط العالي التي فوق رؤوسنا تلك احترقت، وهبطت على رؤس 7 من الأهالي فقتلتهم في الحال، وذلك المشهد ليس غريبًا فهو يتكرر كل 6 أشهر أو أقل ويتم التكتم عليه، ويعدنا المسئولون بنقلنا فورًا أو إزالة الأسلاك خلال أيام، وبعدها لا يحدث أي شيء"!.

 

"العيش" في جحيم!

نفس المشاهد الكارثية يؤكد عليها سامي علي "نجار" خلال حديثه معنا والذي يقول: "زوجتي تُوفيت منذ 4 سنوات ولدي منها طفلتان، إحداهما في المرحلة الابتدائية والأخرى تبلغ 5 سنوات، فأخاف أن أتركها في المنزل مع إحدى أقاربها حتى لا يغفلوا عنها لحظات وتلامس خلالها الأسلاك وأعود لأجدها جثة هامدة، فاضطر إلى أن أذهب بالكبرى إلى المدرسة وأصطحب الصغرى معي إلى العمل، وهو ما يؤثر على سير الشغل كثيرًا ويحمِّلني أعباء لا طاقة لي بها!!".

 

شارع "خيشة"!

الأوضاع بمنطقة "الكونيسة" بالهرم، تختلف قليلاً عما سبق، إلا أن النتيجة النهائية واحدة وهي الموت صعقًا بالكهرباء!، فأهالي شارع "خيشة" تحديدًا تمر أسلاك الكهرباء من النوافذ وتتدلى من الشرفات؛ ليصطدم بها المارة، فالحاجة "أم محمد" تروي لنا أنها لا تترك أبناءها يذهبون لمدارسهم منفردين لوجود سلك كهرباء متدلٍ من إحدى الشرفات في أول شارعهم يصطدم به الأطفال في ذهابهم وإيابهم، وأنهم تقدَّموا بالعديد من الشكاوى للحي، ولكن دون استجابة، واختتمت حديثها قائلة: "مش هسيب عيالي يموتوا علشان خاطر مزاج الحي مش رايق"!.

 

الغريب أن الأهالي أكدوا لنا أنهم منذ ما يقل عن 5 أيام كانوا يعانون من وجود سلك كهرباء مكشوف بطول 300 متر مُلقى على الأرض وكثيرًا ما شكوا ذلك للمسئولين، ولكنهم لم يحركوا ساكنًا، وبمجرد عرض الأهالي مأساتهم في إحدى وسائل الإعلام حتى هرول الحي بعدها بلحظات لدفن السلك في أعماق التربة، وعندما طالبوهم بوضع حل للأسلاك الأخرى بين العمائر قالوا لهم "معندناش تعليمات بيها!!".

 

الموت لا الفضيحة!

 الصورة غير متاحة

أسلاك الكهرباء تغطي رءوس المواطنين!

ويقول سيد "صاحب محل بقالة على ناصية الشارع": "كل ما نحب نشتكي من حاجه بقى نكلم الإعلام علشان الحي يختشي على دمه ولا إيه المطلوب"!، مستنكرًا خوف الحي من فضيحته في وسائل الإعلام، وعدم خوفه على أرواح أهالي المنطقة!.

 

وتعرض أم حمادة مأساتها قائلة: "لا نستطيع أن ننشر الغسيل كغيرنا من الأهالي في الشرفات فنُجبر على نشره داخل منازلنا، وهو ما يطيل من فترة "نشيره"، فضلاً عن المآسي التي نعانيها كنتيجة لوجود أسلاك الكهرباء "معراة" وعابرة داخل منازلنا، بالإضافة إلى وجود كابلات مكشوفة فوق رؤوسنا.

 

سمة "التخلف"!

تلك المشاهد والقصص المؤلمة التي رواها لنا الأهالي دفعتنا لمعرفة رؤية الخبراء والمسئولين فيها، فالدكتور سمير عبد الفتاح أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة المنيا يقول: إن هؤلاء المواطنين يحيون حياة غير آدمية؛ حيث لا يتوافر بها أدنى مقومات إقامة مجتمع آدمي صالح لأن يعيش فيه أفراد، مستنكرًا عشوائية الحكومة التي أعطت تراخيص البناء، وأدخلت المرافق في منطقة خطرة مثل "عزبة الهجانة"!.

 

ويرى أن تلك النماذج تعمل على تشويه صورة ساكني تلك المناطق، بالإضافة إلى تشويه صورة المجتمع المصري بأكمله، الذي لا يقدَّر ولا يحترم أفراده؛ ما سيؤثر بدوره على جميع العلاقات التجارية والاجتماعية والسياسية بين مصر وجميع دول المنطقة.

 

ويتساءل: كيف نستطيع التحدث عن ثقل مصر السياسي في منطقة الشرق الأوسط؟، وكيف نتحدث عن انتعاش اقتصادي، وتقدم ونهضة، ونحن لدينا نماذج غير لائقة كهذه؟!.

 

ويؤكد أن انتشار مثل تلك النماذج في المجتمع المصري وتعمد الحكومة إغفالها وإصلاح أوضاعها يخلق صورةً إدراكيةً للآخرين أن التخلف هي سمة أساسية لدى المجتمع المصري لا يستطيع الاستغناء عنها!

 

المصري.. مهمش!

 الصورة غير متاحة

أسلاك الكهرباء + الغسيل المنقط= الخطر والدمار 

من جانبه يوضح عصام مختار عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن دائرة مدينة نصر والهجانة أن مثل تلك المناطق نشأت نتيجة الزحف العشوائي لفئة فقيرة وبسيطة لم توفِّر لها الحكومة مأوى فقامت هي بإنشاء أي مأوى يضمها دون علم منها بمدى خطورة الأوضاع.

 

ويؤكد على أن تلك المأساة مسئولية الحكومة في المقام الأول، والتي يجب عليها توفير منازل مناسبة، لأن هؤلاء الناس يحيون حياة أقل من الكريمة، متسائلاً: أين البرنامج الانتخابي للحزب الوطني الذي "صدَّع" به أذهاننا دون أي تطبيق على أرض الواقع!

 

ويوضح أن حل تلك المشاكل بسيط وغير مكلف، مقارنة بمليارات تهدر في لا شيء، ولكنها تتوقف على إرادة سياسية للإصلاح وتحقيق نهضة وتقدم حقيقيين!.

 

ويلفت النظر إلى أنهم تقدَّموا في المجلس بالعديد من الأدوات الرقابية المتاحة لهم من استجوابات وطلبات إحاطة لانتشال هؤلاء الأهالي من وحل ما يعانون إلا أن المجلس نحاهم جانبًا ولم يقم بمناقشة أي منهم!.

 

ويضيف قائلاً: "الحكومة ممثلة في الحزب الوطني أثبتت بجدارة أن حياة المواطن المصري آخر ما يمكن أن تلتفت إليه أو يرقى له تفكيرها!".

 

أمراض بالجملة!

ويؤكد الدكتور حسام إبراهيم استشاري أمراض المخ والأعصاب على أن أسلاك الضغط العالي، وأسلاك الكهرباء المكشوفة تتسبب في العديد من الأمراض التي حذَّرت منها العديد من الدراسات الطبية في علوم الطب الوبائي، أقلها الإرهاق النفسي والعصبي، مشيرًا إلى أنها من أقل المخاطر التي تنتاب المعرَضين لأسلاك ومحطات الضغط الكهربائي العالي، والتي يليها السهر والأرق المرضي، لما يقوم به من زيادة في إيقاع العمل بالمخ، ويحول دون استرخاء الجسم، ويحرم الفرد من النوم، وبالتالي استرداد قواه ونشاطه.

 

ويضيف قائلاً: إن تلك الأسلاك تصيب بسرطان الدم، خاصةً لدى الأطفال الذين تقع منازلهم ملاصقة من أبراج وخطوط الضغط العالي، بالإضافة إلى بعض الأورام وسرطانات الدم والدماغ، فضلاً عن احتمالية الإصابة بسرطان الدم الليمفاوي.

 

 الصورة غير متاحة

أهالي الهجانة يواجهون الموت في أي لحظة

ويوضح قائلاً: إن خطوط الضغط العالي للكهرباء تؤدي إلى جملة من الأمراض الخطيرة، على رأسها أمراض القلب، وتشوِّه الأجنة، وسرطان الثدي، إضافة إلى تدمير البناء الكيميائي لخلايا الجسم، وتعطيل وظائف الخلايا، واضطراب إفراز الأنزيمات في الجسم، واضطراب الدماغ، والخمول والكسل وعدم الرغبة في العمل، واضطراب معدلات الكالسيوم، والشرود، والهذيان المستمر.

 

ويشير إلى أن مصدر تلك الأمراض هو زيادة المجالات الكهرومغناطيسية؛ حيث تصدر تلك المجالات الكهربائية جهدًا كهربائيًّا على الأسلاك؛ ما يجعلها تشكل خطورةً بالغةً بمجرد مرور التيار في الأسلاك، موضحًا أن حد الأمان للموجات الكهرومغناطيسية التي يتعرض لها الإنسان هي200 ميكر وات، وهذا هو الحد الأقصى المسموح به، وهي تفوق ذلك بكثير في منطقة الضغط العالي بالهجانة!.

 

ويلفت النظر إلى أن تلك الأمراض تداهم الإنسان مع ارتفاع نسبة الرطوبة في الجو، وزيادة درجة حرارة الجو، كما يزداد تأثير الإشعاع في الأعضاء أو الأنسجة التي تقل فيها كمية الدم بصفة عامة، مثل العين، مضيفًا أنه كلما قل عمر الشخص زاد امتصاص جسمه للإشعاع، فالكمية التي يمتصها الطفل أكبر من التي يمتصها البالغ بمعدلات كبيرة.

 

ويرى أن علاج تلك الكارثة لا بد أن يتم عن طريق نقل الناس نهائيًّا من تلك الأماكن، أو دفن خطوط الضغط العالي تحت الأرض وتغطيتها بالمطاط أو البلاستيك إذا ما كانت منتشرة أرضيًّا، مستبعدًا الحل الأخير؛ لأنه مرتفع التكلفة ويستغرق تنفيذه وقتًا كبيرًا ولن يتناسب مع حكومتنا التي تأبى علاج المشكلة بالأموال الضئيلة.