د. جابر قميحة
من حق مصر أن تفرح؛ لأنها رزقت (بل رُزئت) بحكام يملكون رصيدًا ضخمًا من التفسير والتبرير، فإذا قدَّموا للشعب مشروعًا معينًا، وظهر في المشروع الفشل الذريع قالوا: "إن هذا المشروع لم نقمه لجيلنا هذا، ولكن للأجيال القادمة، فنحن في حاضرنا إنما نبني لمستقبل هذه الأمة".

كما رزقت مصر (بل رزئت) بمجموعة من الصحفيين مثل: أسامة سرايا، وممتاز القط، وأحمد إبراهيم، ومجدي الدقاق الذين يتربعون على عروش (الأهرام)، و(أخبار اليوم)، و(الجمهورية)، ومجلة (أكتوبر).. أولئك الذين أسميهم "أعضاء مدرسة المستنقع"، وجعلوا مهمتهم المقدسة الهجوم البشع على المعارضة بغير حق، وتبرير أخطاء الرئيس، ووريثه، ووزرائه.
****
وفي (أهرام) الجمعة 24/ 9/2010 خرج علينا أسامة سرايا بتحقيق صحفي مع رئيس الوزراء المصري "الدكتور أحمد نظيف جدًّا"، وهو تحقيق طويل استغرق من (الأهرام) صفحتين، وبعد أن قرأته قلت في نفسي: من حق مصر أن تفرح لأنها أغنى شعوب العالم بالفقر والتخلف والفساد والرشوة.
فالسيد أسامة سرايا يجعل من أحمد نظيف شخصية تتسم بالقوة في التصدي والتحدي لأنه يملك قدرة كبرى على التفاؤل، فيقول سرايا في مطلع مقاله:
"أدهشني أن أجد الدكتور أحمد نظيف متفائلاً وسط هذه الأنواء، التفاؤل قوة، والرجل يمتلك الكثير منها، إن قدرته على أن يرى الغد بلا التباس، ومهما تكن الرؤية غائمة هي سر قوته لقد ذهبت إليه وفي رأسي هموم البسطاء، رغيف الخبز والستر.
قلت له: الناس متشائمون وقلقون من المستقبل وأنا سأتحدث بلسانهم, لا تنتظر مني أن أكون محامي الشيطان, أقصد حكومته!.
فقال, بابتسامة واثقة, تفضل.
أحمد نظيف من أطول رؤساء الوزارات بقاءً على المقعد الشائك, أذكر الهجوم الذي رماه به أناس لم يكونوا قد اختبروا معدنه بعد, من بعيد كنت أتعاطف مع الرجل وأنتظر, متمنيًا ألا تخذله التجربة, لأننا جميعًا في مركب واحد، إن لديه قدرة عجيبة على امتصاص الغضب.. غضب الصحافة وغضب الشارع, وأحيانًا غضب الرئيس، أذكر المرات التي أجريت فيها حوارات معه, لكن هذه المرة كنت على استعداد أكثر للتعاطف, لأنني أشاركه التفاؤل.. فمن رحم الأزمة يولد الحل, وأشارك الناس التساؤل, مؤمنًا, عن يقين, بأن علامة الاستفهام هي أول الغيث. وقد بدأت, قلت للدكتور نظيف: أظن أن حكومتك, بنظرة موضوعية, هي الأنجح في العقود الثلاثة الماضية, لكن اسمح لي. نحن في ظرف حرج, تتفاقم فيه الأزمات، وهي أزمات مفصلية تؤشِّر باتجاه حل جذري أو أفق مسدود. وأنا آتٍ إليك كنت أسأل نفسي, وألح علي السؤال, هل حكومة الدكتور نظيف, بعد 6 سنوات وصلت إلى نهاية الطريق, وستسلم الراية لحكومة جديدة؟, أم أنه ما زال لديها ما تفعله؟
قد يكون سؤالي قاسيًا, لكنَّ رجلاً مثلك, يستطيع الإجابة حتى عن الأسئلة القاسية, ولذلك أكلِّمك بقلب مفتوح، نريد أن نطل معك على مستقبل مصر، ما شكل الحكومة, هل يتملكك, وأنت تبدأ عامك السابع, شعور بأنك وصلت إلى حائط سد؟".
****
والذي يقرأ العناوين الداخلية يؤمن بأن سرايا لم يكن محاورًا لأحمد نظيف جدًّا، بقدر ما كان "مُـلـمِّـعـًـا"، ومسايرًا لمنطق رئيس الوزراء، ومبررًا لمنهجه ومسلكه. ومن هذه العناوين الجانبية في وسط الموضوع:
- أعداء التغيير يتناسون أن للتحولات آثارًا جانبية.
- مصر من دول قليلة لم تتأثر بالأزمة المالية العالمية، لكن لا أحد يتكلم عما فعلته الحكومة.
- سنبقى متهمين قبل أن تبدأ الانتخابات وهذا شيء بديهي.
- وجود الأزمات اختبار لقدرة الحكومة، ونحن لا نخلق الأزمات، ولكننا نتعامل معها.
- طبقنا فكرًا اقتصاديًّا جديدًا، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك.
- متوسط عمر المصريين زاد 10 سنين، هذا هو ردي على من يقولون إن حياتنا ملوثة.
- سيكون لدينا نظام للأراضي مع نهاية العام بتشريع خاص من مجلس الشعب.
- أقول بوضوح: الحكم ببطلان عقد مدينتي له آثار سلبية وعلى الحكومة أن تتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
- لن يضار عامل أو حاجز أو مستثمر واحد من الحكم ببطلان عقد مدينتي.
****
وأقول: "إن المشكلات لا تحل بأطباق التفاؤل، ولكن بالقضاء الجذري عليها، أو- على الأقل- بتخطيط علمي دقيق لحلها. ورحم الله أحمد شوقي إذ قال:
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
- وهل قام نظيف بإحصائية شاملة حتى يحكم بزيادة عمر المصريين 10 سنين؟ أم أنها إحصائية كإحصائيات طويلة العمر، مشيرة خطاب؟ إن هذا يذكرني كذلك بما قاله أحمد عز- على ما أذكر- من أن الشعب المصري يعيش في رفاهية بدليل أن في القاهرة 250 ألف سيارة ملاكي تجري في شوارعها. ونسأله، فكم في القاهرة من الحفاة العراة الذين يسكنون في أماكن يأنف الحيوان أن يعيش فيها؟
- أغلب كلام النظيف جدًّا عن المستقبل، والشعب الذي لا يعيش حاضره يعجز عن صنع مستقبله وحاضرنا يا نظيف- كما بينتُ- في انحدار شامل في كل المجالات، أم أنك تؤمن ببيت أبي نواس الذي يضربون به المثل في "السريالزم"؟:
أسكر بالأمس إن نويت على الـ شـرب غدًا، إن ذا من العجبِ
****
وفي عدد (الأهرام) نفسه يشير الأستاذ فاروق جويدة إلى بعض مظاهر الفساد والسقوط في عهد رئيس الوزراء "أحمد نظيف جدًّا"؟، ومن مقال الأستاذ جويدة نقتطف العبارات الآتية:
"إن قضية نواب العلاج على نفقة الدولة لا تخص هؤلاء النواب وحدهم ولكن هناك قرارات علاج صدرت من مجلس الوزراء في حالات لعلاج الأسنان وحمامات الأوزون والعدسات اللاصقة وبعضها يخص السادة الوزراء، وهي مسئولية رئيس الحكومة؛ لأنه لا يعقل أن يذهب أعضاء مجلس الشعب المتهمون إلى النيابة، بينما يبقى المسئولون المتورطون في منتجعاتهم..
والأخطر من ذلك هو ما جاء في ملف العلاج على نفقه الدولة حول 3.5 ملايين جنيه نفقات لعلاج د. يوسف بطرس غالي وزير المالية في أمريكا.. إن وزير المالية رجل ثري ويعيش في قصر منيف في الزمالك وهو ليس في حاجة لأن تعالجه الدولة من أموال الفقراء.. وإذا كان قد رضي ذلك فلا يعقل أن تتحمل الدولة مليون جنيه ثمنـًا لتذاكر السفر..
وأمام رئيس مجلس الوزراء منذ شهور تقرير كامل عن هذه التجاوزات أعدته أعلى جهة رقابية في الدولة وهي الجهاز المركزي للمحاسبات ويقع في 170 صفحةً ولم يلتفت إليه أحد..
* لم يكن غياب د. أحمد نظيف في هذه القضايا فقط، ولكن الحكومة غائبة تمامًا في قضايا الأسعار وما يحدث في الشارع المصري, وكأن مصر بلا رقابة وبلا مسئولين، حين يصل سعر كيلو اللحم إلى أكثر من مائة جنيه ينبغي أن يتحرك رئيس الحكومة، وحين تملأ الأسواق السلع الصينية ينبغي أن نسأل رئيس الحكومة، وحين تحدث كارثة القمح ونجد أنفسنا أمام ظرف تاريخي يمكن أن يهدد حياة المصريين يجب أن نسمع رئيس الحكومة.. ارتفعت أسعار كل شيء، وظهرت بوادر أزمة خطيرة في محصول القمح إنتاجًا واستيرادًا, وحدثت أزمة الكتب المدرسية وهذا الصراع الدامي بين وزير التربية والتعليم وأصحاب المكتبات والمؤلفين وأصحاب السبيل, هذه القضايا كلها تؤدي إلى شحن الشارع المصري ما بين ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف المعيشة ومشاكل الأبناء في المدارس وأزمات الكهرباء والمرور ومياه الشرب، ينبغي ألا يختفي رئيس مجلس الوزراء أمام كل هذه الظواهر الخطيرة؛ لأنها تهدد استقرار الشارع ويمكن أن تصل إلى درجة من الغليان لا نعرف مداها أو نتائجها.
أمام هذه الصورة القاتمة يزداد حجم الأزمات والمشاكل ويشعر المواطن بأنه أمام مسئولية غائبة وخطايا بدون حساب وحاضر مؤلم ومستقبل غامض وهذه كلها مؤشرات خطيرة.
لا أعتقد أن من مسئوليات رئيس الدولة أن يجد نفسه مطالبًا أمام مشاكل المواطنين بأن يناقش قضايا الكهرباء أو الأراضي أو الكتب المدرسية، وأن تلقي الحكومة كل يوم عشرات الأزمات والمشاكل في الشارع المصري دون حلول, إن مسئولية الحكومات أن تواجه المشاكل لا أن تخلقها، ونحن أمام حكومة تجيد تصدير وصناعة الأزمات.
.. حينما أشاهد المسئولين في الخارج، وهم بين الناس ووسط الجماهير أسأل نفسي: لماذا يفضل المسئولون عندنا الحياة في أبراج عاجية برغم أنهم كانوا مثلنا بسطاء وخرجوا من طين هذه الأرض كما خرجنا منها يومًا، يبدو أنه تراث فرعوني قديم..".
****
وأقول كذلك: إن من حق مصر أن تفخر؛ لأن حكامها الأشاوس- وعلى رأسهم- "أحمد نظيف جدًّا" قد نجحوا نجاحًا باهرًا في أن جعلوا القاهرة أملأ عواصم العالم بالزبالة التي أصبحت تغنينا عن علامات الطرق، فلا يأخذك الاستغراب إذا سألت أحد مواطني القاهرة والجيزة عن عنوان مبنى أو مصلحة حكومية فجاءك جوابه: "موقعه بعد ثالث كوم زبالة بشارعين".
وأقسم بالله إننا في عهد "أحمد نظيف جدًّا" نؤدي صلاة الجمعة في مسجد بالدقي تحيط به أكوام الزبالة من كل الجهات، عدا جهة واحدة، ويعاني المصلون من "أبابيل" الذباب التي تـُطير الخشوع من قلوب المصلين.
شفاك الله، يا نظيف.. أنت وسراياك.
-------------