- مطالبات بتدخل حكومي لضبط الأسواق
- تحذيرات من تداعيات اجتماعية خطيرة
تحقيق: أحمد الجندي
ما بين مطرقة النظام وسندان الأسعار المشتعلة يعيش المواطن المصري والذي لا يجد متنفسًا ليصرخ من شدة الجوع، أذله الخوف وأرهقه المرض، وهو رغم هذا لا يزال ينتظر من يخلصه من قيده، ولا يملك ما يفعله إذا ارتفعت أسعار سلعة معينة سوى مقاطعتها أو تقليل استهلاكه منها!.
وكانت أسعار اللحوم واصلت ارتفاعها لتسجل ما يقرب من 66 جنيهًا للكيلو للمستهلك النهائي، كما ارتفعت أسعار البتلو؛ لتصل إلى أعلى معدلاتها بقيمة 120 جنيهًا، في الوقت الذي سجلت فيه أسعار الخضراوات والفواكه ارتفاعًا غير مسبوق؛ حيث قفز ثمن كيلو الطماطم إلى عشرة جنيهات، وهو ما يضاعف من معاناة الأسر الفقيرة والمتوسطة التي بات السؤال الرئيسي لها: هو كيف يتوقف لهيب الأسعار غير المسبوق الذي طال كل شيء؟!
وخلال تجولنا في أسواق القاهرة قابلنا محمد سيد "موظف بشركة المقاولون العرب" والذي يقول: "حكومة العواجيز اللي بتحكمنا اليوم وهي السبب في كل ما نعانيه من فقر وارتفاع متواصل للأسعار؛ لأن همهم الوحيد هو الحفاظ على كراسيهم التي شاخوا وهم جالسون عليها".
ويضيف أن هذه الحكومة أهدرت الأراضي الزراعية، وأفسدت علاقتنا مع الدول الإفريقية، وتركت الصهاينة يمرحون بها كما يشاءون، واليوم يريدون قطع الماء عنا، وبفضل سياستها لا نأكل اللحوم اليوم إلا نادرًا، والفاكهة قاطعناها، فماذا يريدون أن يفعلوا بنا بعد هذا؟!
تجاهل حكومي
ارتفاع الأسعار يزيد من معاناة المصريين
هدى "محمود موظفة" تؤكد أن الأسعار كلها نار، والحكومة ليس لديها أي إحساس بالشعب الذي أصبح الكثير من أبنائه غير قادرين على شراء احتياجاتهم الأساسية، وبعد هذا كله لا نجد أي تدخل من المسئولين أو جمعيات حماية المستهلك لوقف هذا الارتفاع الجنوني في أثمان كل ما يباع في السوق المصري.

وقابلنا إحدى السيدات التي أصَّرت على عدم ذكر اسمها وتدلي برأيها قائلةً: "الأسعار دي سياسية، وأنا مش هتكلم في هذا، الحكومة تعمل اللي هي عايزاه" ثم انصرفت مسرعة.
سامية عبد السميع "ربة منزل- دار السلام" تصف الأسعار بأنها غير مسبوقة، فكيلو الطماطم يباع اليوم بأكثر من 10 جنيهات، كما قاطعنا اللحوم والسمك والفراخ، فهل المطلوب بعد هذا أن نموت جوعًا؛ كي ترتاح الحكومة وترضى عنا؟!
وتشدِّد على ضرورة تغيير الحكومة بوصفها المسئول الرئيسي عن المعاناة الكبيرة التي يعيشها الشعب المصري اليوم، والتي وصلت إلى حد قيام سائقي "الميكروباص" بتقسيم المسافات من أجل الحصول على أجرة مضاعفة دون أن يقول لهم أحد ماذا تفعلون؟!
وتستطرد: "زوجي بالمعاش، وما يحصل عليه قليل جدًّا، ولم تعد لدينا القدرة على ملاحقة الارتفاع الكبير الحادث في أسعار أدوية الضغط والسكر والقلب التي يعاني منها، ولا أحد على الإطلاق لدية أية ذرة إحساس بما نعانيه".
وتتفق معها آمال محمود "موظفة"، فترى أن المرتب لا يكفي نزول السوق مرةً واحدةً في الشهر؛ لشراء المتطلبات الأساسية للمعيشة، مضيفةً أنها تقع فى مأزق كبير عندما تريد وضع ميزانيه للبيت اليوم في ظل الفوضى غير المسبوقة الموجودة في الأسواق الآن.
وتنادي الحكومة بسرعة التدخل لاحتواء الأزمة من خلال وضع قائمة بالأسعار للجميع، كما يجب أن ينزل المسئولون إلى الأسواق؛ ليتابعوا مدى تنفيذ التجار لها، خاصةً أن بعضهم يقوم برفع الثمن بصورة تلقائية فور حدوث أية زيادة في ثمن أية سلعة بالأسواق.
ويحمِّل أمجد طه (موظف) الحكومة السبب في ارتفاع الأسعار، مؤكدًا أنه في ظل عدم وجود أية رقابة على الأسواق يتلاعب التجار في الأسعار بمزاجهم، ويتساءل: أين مباحث التموين وحماية المستهلك اليوم مما يجري؟!
ويضيف: "مش عارف المرتب هيلاحق على إيه ولا إيه؟ الواحد لو جه يحسبها هيتجنن، آدينا بنشتري حاجة الشهر وربنا يستر، مبنشرتيش لا لحمة ولا فاكهة، الناس كلها تعبانه والحكومة مش حاسة بحد، مين دلوقتي اللي يقدر يفطر ولاده بكوبايه لبن وبيض؟!".
وتقول أحلام إبراهيم: "الأسعار نار والناس مضغوطون نفسيًّا، والحكومة لا تفكر إلا في مصالح الوزراء والكبار، ولا تشغلها على الإطلاق معاناة الطبقة الفقيرة والتي تعاني بشدة في الفترة الراهنة، وهو ما ستكون انعكاساته خطيرة في المستقبل".
ذعر أمني
غضب شعبي ضد ارتفاع الأسعار
ويضيف نور محمد "صاحب سوبر ماركت" أن الأسعار كلها ارتفعت بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، فالسكر وصل ثمنه إلى 5 جنيهات، والمكرونة بـ4,5 جنيهات والزيت بـ13,5 جنيهًا والأرز بـ3 جنيهات، وهو ما أثر في حركة الشراء بصورة كبيرة للغاية.

ويؤكد أن هذه الزيادة يتحمَّلها كل من البائع والمشتري وينتقد الدور الحكومي، قائلاً: "من الواضح أن المسئولين لا يريدون التدخل لوضع حدٍّ لما تشهده الأسواق من ارتباك اليوم، وإلا ما تركوا الأمور لتصل إلى ما هي عليه الآن.
الناس مخنوقة
اهدنا أحمد "بائع خضراوات" جالسًا أمام عربة الطماطم دون أن يقترب أحد للشراء منه؛ يؤكد أن صمت الناس وعدم اعتراضهم على المعاناة الشديدة التي يتعرضون لها اليوم في ظل الحكومة الخالية؛ هو السبب الرئيسي فيما يتعرضون له في كل شيء.
ويضيف: الأمور ما زالت مستورة، لكن لا بد من تدخل سريع لوضع الأمور في نصابها الصحيح؛ حتى لا تتفاقم أكثر من هذا.
ويقول علاء "صاحب محل فراخ": "الحكومة هي السبب في رفع الأسعار، كل حاجة في البلد ماسكها واحد من الكبار، يقوم بتحديد سعرها بطريقته دون أن يقول له أحد ماذا تفعل؟!".
ويضيف: "الشعب مستسلم للي بيحصل له، والناس اتعودت على الظلم، وكلهم تايهين ومحدش عارف هو رايح فين بكره".
يرى رضوان أحمد يوسف "موظف" أن ارتفاع الأسعار مسئولية الحكومة والمواطنين معًا، موضحًا أنه لو قاطع الناس السلع ذات الثمن المرتفع مثل اللحوم والفاكهة، سينخفض ثمنها على الفور وللأسف الشديد فإن هذه الثقافة ما زالت غائبة عن الكثيرين اليوم.
ويضيف أن الحكومة مدينة لأنها ألغت الرقابة على الأسعار وتركت التجار يتحكمون في الناس، مؤكدًا أن الحل في وضع تسعيرة جبرية ومراقبة السوق، وتنظيم الحملات لضبط الأسعار.
تخلٍّ حكومي
معاناة المصريين تتصاعد بعد ارتفاع الأسعار
ومن جانبه يرجع الدكتور علي حافظ منصور "أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة" المشكلة إلى النظام الرأسمالي الموجود اليوم في مصر بصورة مشوهة والذي يعتمد على آلية العرض والطلب، والذي تركت الحكومة في ظله المواطنين فريسةً سهلةً لرجال الأعمال والتجار يتلاعبون بهم كما يشاءون.

ويضيف أن الدولة عززت سيطرة التجار والمحتكرين على الأسواق بإلغاء الجمعيات التعاونية، التي كانت تبيع السلع بأسعار مخفضة، وهو ما كان يصنع نوعًا من التوازن في السوق ويحول دون سير الأمور في اتجاه معين.
ويستطرد أن عدم تدخُّل الدولة لضبط الأسواق، وإلغاء قانون تجريم الامتناع عن البيع، جعل التجار وأصحاب المصانع ورجال الأعمال والمحتكرين يتحكمون في الأسعار، موضحًا أن البائعين الآن يتعاملون مع المستهلكين بمبدأ "اخطف واجرى" من أجل تحقيق أكبر قدر من الأرباح في وقت قليل.
وينتقد تعامل الحكومة مع المواطنين بطريقة (اضرب رأسك في الحيط)، وارتبط دخلك بقدر استهلاكك، والتي ارتفعت الأسعار في ظلها بصورة غير مسبوقة.
ويشير إلى أن الدولة الآن تفتخر بأن وزراءها رجال أعمال، وللأسف الشديد فإنه لا هم لأي منهم اليوم سوى تحقيق أكبر قدر من الإرباح، خلال فترة وجودهم بالمنصب، مع أن دوره يفترض أن يكون الدفاع عن مصالح الناس.
ويؤكد أن الحكومة يمكن أن تتدخل لضبط الأسواق، وتحديد الأسعار، من خلال منع بيع بعض السلع المغالى في ثمنها، كما حدث في عهد الرئيس السادات، عندما حظر التجارة في اللحوم لفترة من الوقت، كما يجب عليها أيضًا أن تقوم بإعادة تفعيل مؤسسات المجتمع المدني التي ألغتها الدولة، والتي كان من الممكن أن تساهم في نشر ثقافة مجتمعية تحل أزمة ارتفاع الأسعار وغيرها.
ويؤكد أن الدولة نائمة ولا تهتم بالاقتصاد، واكتفت فقط بالسياسة، وأمن الدولة والحفاظ على المناصب، مطالبًا الحكومة، بأن تفعُّل الجيش في حل مشكلة ارتفاع الأسعار، وتأمين أمن المواطن الغذائي.
بيد الشعب
الغلاء وارتفاع الأسعار أصبح حديث المصريين جميعًا
ويرى الدكتور أحمد دراج الناشط السياسي وعضو الجمعية الوطنية للتغيير، أن الشعب هو المنوط به الدفاع عن أمنه الغذائي في ظل حالة الانفلات في الأسعار التي تشهدها البلاد، مؤكدًا أن النظام الفاسد المستبد لن يرجع عن قهره، ولن يحل مشكلة هو طرف فيها.

وينتقد الموقف السلبي للشعب المصري، الذي يئن تحت وطأة ارتفاع الأسعار، مشددًا على أن الوضع القائم الآن يشجِّع الفاسدين على التمادي في أفعالهم مضيفًا أن الغالبية العظمى من الفقراء يلجئون إلى الحلول السهلة، فتجد البعض منهم يمد يده للتسوُّل والبعض الآخر يسرق ما في جيوب الآخرين.
ويطالب المواطنين بالتحرُّك من أجل المطالبة بحقوقهم، قائلاً " اخرجوا وابحثوا عن حقوقكم الموجودة في بطون الآخرين"، متمثِّلاً بقول الإمام علي بن أبي طالب "عجبت لمن لا يملك قوت يومه، ولا يخرج شاهرًا سيفه".
ويتساءل مستنكرًا "80 مليونًا من الشعب المصري أليس فيهم مليون شخص عنده نخوة ورجولة وشجاعة، ويستطيع أن يطالب بحقوقهم، مؤكدًا أن الحل الوحيد لمشكلات هذا الشعب المتلاحقة هو تغيير هذا النظام المستبد وأتباعه من الفاسدين، وإزاحتهم عن هذا البلد، موضحًا أنهم الآن مطمئنون؛ لأن الشعب قد ألِف الذل، ولن يتحرك أبدًا ضدهم.
ويدعو جموع المصريين إلى النزول إلى الشارع، والتكاتف من أجل المطالبة بحقوقهم؛ لأن هذا الغلاء مقصود من النظام؛ لإذلال الشعب ومحاصرته في دائرة لقمة العيش، وإلهائه عن حقوقه في العدل والحرية.
انفلات اجتماعي
وتؤكد الدكتورة عزة صيام أستاذ الاجتماع بجامعة بنها أن حالة الانفلات في الأسعار التي تشهدها مصر، يتوقَّّع أن تؤدِّي إلى ارتفاع معدل الجريمة، والعنف الذي يتم في ظل التخلِّي عن بعض القيم الأخلاقية، خاصةً من قِبَل الشباب الذين يتوقَّع أن يتجه البعض منهم إلى منحنيات خطيرة تهدد أمن استقرار المجتمع المصري.
وتوضح أن الغلاء يجعل المواطن المصري يقع في إشكالية تحقيق التوازن بين واجبات ومهام المسئولية الاجتماعية، وإشباع الطموحات الاستهلاكية المتعلقة بالتعليم والصحة والإسكان والنقل والمواصلات، وهو الأمر الذي يفشل فيه الكثير من المصريين في ظل دخولهم المتدنية.
وتضيف أن عدم قدرة المواطن على تحقيق هذا الأمر، يضعه في حالة اليأس التي قد تدفعه إلى الانحراف إلى سلوكيات سلبية تؤثِّر في المجتمع.