أعترف بأنني لم أقرأ جريدة (الجمهورية) منذ توارى رؤساء تحريرها المحترمون بدءًا بالرئيس محمد أنور السادات، ومن تلاه من كبار الكتاب بمن فيهم الأستاذ سمير رجب، أما وقد تضاءل توزيعها وتولى أمرها من لا أعرفه أو أقرأ له، فلم أسمع أنها حققت إنجازات صحفية، ولم أجد لها مكانًا بين القرَّاء العاديين، ولا أدري ما إذا كانت قد لحقت بغيرها من صحف النظام من حيث ندرة عدد النسخ التي توزعها اعتمادًا على دعم النظام لخسائرها اليومية.
وبالأمس هاتفني شاب من الناشطين الذي اطلع على الجريدة التي وجدها على الطاولة في أحد المقاهي وهو يحتدم غضبًا، متسائلاً: هل قرأت ما نُشر عنك في (الجمهورية)؟، ولما نفيت ذلك قال إنه هجوم حاد عليك، فلما لم يجد مني اهتمامًا بالرد على مقالات كُتبت بلغة لا نعرفها في صحافتنا؛ أصر عليَّ أن أقرأ المقال أولاً، وصمَّم على أن أنشر رأيًّا يفنِّد ما نُشر من افتراء على الحقائق، واطلعت على مقال كتبه عني رئيس التحرير الموقر الذي لم أعرف اسمه ومركزه قبل قراءة المقال، متذكرًا ما كان يقوله الراحل حمدي فؤاد الصحفي المتميز بـ(الأهرام) لزوجته هدى توفيق مازحًا: "أنت تعملين في نشرة سرية لا يقرأها أحد".
وحصلت على الجريدة بصعوبة من المرتجع المكدس لدى مركز توزيع بعيد لأقرأ العجب، فقد لاحظت أنها ليست من يراع رئيس التحرير، بل هي من وحي "لوبي الغاز" الذي حصل على صفحتين كاملتين بذات العدد للدعاية لإنجازات مزعومة، وهكذا فهمت للوهلة الأولى؛ لماذا كلف كاتب المقال نفسه مشقة كتابة المقال؟.
ولا أخفي أنني شعرت بنوع من الرضا؛ لأننا أصبحنا هدفًا يهاجمه "لوبي الغاز" صراحةً لأول مرة، على حد علمي، بعد أن كان يتخفى وراء بلاغات للنائب العام يقدمها ضدنا كبار موظفي وزارة البترول.
وارتحت أكثر لأن المقال بدأ بحقيقة واضحة لا لبس فيها، وهي أننا ندفع جزية للسلطان نتنياهو ومن سبقه على نحو ما كانت مصر تدفع للسلطان العثماني في الأستانة.
ولاحظت أن المقال بدأ بفرية لم تحدث، وهي المشاركة في ندوة بموقع (إخوان أون لاين) بالمشاركة مع شخصيات لا أعرفها، ولم أتشرف بالحديث معها مثل الدكتور عابدين قنديل أستاذ القانون الدولي بجامعة قناة السويس، والمستشار فؤاد جاد الله نائب رئيس مجلس الدولة، ثم رفض الاعتراف بأنني خبير في القانون، ونسي أنني خضت ضد "لوبي الغاز" معركةً قانونيةً طويلة، وحصلت على حكم تاريخي يدين صفقة التصدير إلى "إسرائيل"، وتجاهل أنني عملت قرابة الأربعين عامًا في شئون القانون أثناء خدمتي كدبلوماسي بوزارة الخارجية.
وانتقد المقال ما نادينا به برفقة وتأييد خبراء البترول، وعلى رأسهم د. حسن عبد الله ود. إبراهيم زهران والمرحوم طالب زترع وغيرهم، من ضرورة وقف تصدير الغاز لـ"إسرائيل" والاحتفاظ به للأجيال القادمة؛ خصوصًا أننا نبدده بأسعار برخص التراب، بينما تحتاجه محطات الكهرباء هنا في مصر.
ورمى المقال المشاركين في الندوة المزعومة بالجهل وسوء النية بمقولة إنه لا يمكن مقارنة تعاقدات الغاز المصرية مع تعاقدات القمح الروسية.. وزعم أنه كما يعلم الخبراء أن فسخ العقود بدون أسباب منطقية كفيل بتغريم الحكومة مليارات الدولارات؛ فهل هذا ما يريده الخبراء؟!
وأطمئن كاتب المقال أنه لا عقوبة على السرقة والغبن ما إنَّ عقد الصفقة لا يتضمن أي شرط للتحكيم، وأن هناك شرطًا إجباريًّا في كل اتفاقيات البترول والغاز بالمراجعة الدولية لأسعار وشروط البيع وفقًا لتقلبات السوق ولا يوجد عقد أبدي.
ويرمي المأخذ الثاني في المقال إلى رفع فزاعة "كامب ديفيد" وربط صفقة الغاز المشئومة بها؛ وهو ما رفضته المحكمة؛ لأن الغاز تمَّ اكتشافه بعد المعاهدة بعشرين عامًا، كما أنه لا امتياز لـ"إسرائيل" في المعاهدة بشأن استيراد البترول.
وثالث الانتقادات لنا هو أننا أوضحنا أن اتفاقيات الغاز ليست نصوصًا مقدسةً، وأنها قابلة للمراجعة، وضربنا مثلاً بروسيا التي لجأت للضغط على الأوروبيين بالتهديد بقطع الغاز، ونجحت في زيادة الأسعار.
ثم جاء وقت الهجوم على شخصنا بالتساؤل: أين كانت حبوب الشجاعة التي تناولها د. إبراهيم زهران بعد الستين، وأن السفير إبراهيم يسري كان سفيرًا بالخارجية ولم يعترض وهو في السلك الدبلوماسي على أي مقابلات لوزراء خارجية مصر مع مسئولين "إسرائيليين"؟!، ولا يعلم كاتب المقال أنني قدَّمت استقالتي لسفيرنا بالهند المرحوم هشام عامر عند توقيع معاهدة السلام ولكنه لم يفعلها، كما قد لا يعلم كاتب المقال أنني اعتذرت عن تولي إدارة "إسرائيل" رغم أن التكليف جاء من سلطات عليا، وقبل ذلك لم أقبل السفر إلى تل أبيب في رحلات أسبوعية كان الزملاء يقومون بها لتقنين التطبيع، ورفضت استقبال سفير "إسرائيل" أكثر من مرة عندما كنت مديرًا لإدارة القانون الدولي بالخارجية، ورفضت دعوة لحضور اجتماع في تل أبيب يحضره أكبر سبعة فقهاء في القانون الدولي، مضحيًا بهذه الفرصة، ولم أقبل أية دعوات أو أصافح سفيرًا "إسرائيليًّا" في أي دولة أو اجتماع دولي، بل وأبديت اعتراضي على حضور مؤتمر مدريد، وحذَّرت من اتفاقية "أوسلو" خلال قنوات خاصة مع كبار المسئولين، وأثناء مشاركتي في "مفاوضات طابا" في فندق "سونستا" رفض السفير نبيل العربي وأنا زيارة إيلات؛ وعليه قد يرى كاتب المقال أنني لم أتحول فجأة إلى معارض، ولم أكن في حاجة في أي وقت من الأوقات في حياتي الشخصية والرسمية إلى تعاطي ما أسماه "حبوب الشجاعة" بعد المعاش أو قبله، ويمكن أن أكتب صفحات كثيرة في ذلك، مستندًا إلى مسئولين حاليين في السلطة.
وفي خامس نقطة أثارها الكاتب المحترم، أضنى نفسه وقلمه في سرد مزاعم إغداق "لوبي الغاز" على مصر بمليارات الدولارات؛ وهو ما رفضته المحكمة في حكم نهائي، ولا أدري إن كان يعرف هو و"لوبي الغاز" أن أحكام القضاء النهائية يجب أن تُحترم وتُنفذ، كما أخفى عن القرَّاء أن "لوبي الغاز" يرفض تنفيذ الحكم، وأن مصر ما زالت تخسر يوميًّا قرابة 13 مليون دولار أمريكي.
والخلاصة هي.. أن لوبي الغاز قد توحش عندما ضُرب في مقتل، وأنه يحرص على استمالة وخداع وسائل الإعلام تحت إغراء الإعلانات وتوزيع الوظائف وغير ذلك مما لا نعلم، ولكنه لا يدري أنه يقضي شهوره الأخيرة، وأنهم هم الذين يحتاجون عندئذٍ إلى "حبوب الشجاعة"، وللأسف نستطيع أن نزودهم بها؛ لأن الشجاعة لا تفعل بالحبوب، ولكنها تنبع من الضمير، وهو أقوى من أي حبوب يبحث عنها أساطين "لوبي الغاز".
------------
* المحامي بالنقض