- تخفيض تعويضات الأهالي من 500 ج إلى 20 ج
- 250 محلاًّ تجاريًّا أغلقت أبوابها بمناطق الهبوط
- حصار مواقع الهبوط ومراقبة مهندسي المشروع
- سعد خليفة: المشروع لن يتوقف لحفظ وجه الحكومة
- د. حمدي عبد العظيم: غياب التخطيط كبَّدنا الملايين
- د. حسام عيسى: الحكومة متهمة بالنصب على المواطنين
تحقيق: إيمان إسماعيل
شهد حي باب الشعرية نهاية الأسبوع الماضي الهبوط الرابع للأرض المحيطة بتنفيذ مشروع الخط الثالث لمترو الأنفاق، ورغم محاولات مسئولي الهيئة العامة لمترو الأنفاق بث الطمأنينة بادِّعاء أن "الهبوط كان متوقعًا والموقف تحت السيطرة"، إلا أن حالة الطوارئ العالية والحشود الأمنية الغفيرة التي تشهدها منطقة الهبوط؛ نشرت موجات واسعة من الخوف والقلق، غير ما فتحته من أسئلة خاصة، بعد منع الصحفيين ووسائل الإعلام من تغطية ما يدور أو حتى الاستيضاح من مهندسي المشروع.
ويتساءل الأهالي: هل تعكس الطوارئ الأمنية بالمنطقة حجم كارثة تكتم الهيئة والشركة الفرنسية المنفذة للمشروع أخبارها؟، وما السيناريوهات المتوقعة لمستقبل إتمام الخط الثالث من عدمه؟! وتساؤلات أخرى طرحها (إخوان أون لاين) على الخبراء والمتخصصين في التحقيق التالي..
وبإلقاء نظرة سريعة، فقد كان الهبوط الأول بفعل أعمال الحفر بالخط الثالث لمترو الأنفاق في شهر رمضان الماضي يوم 3/9/2009م أمام قسم باب الشعرية القديم، في شارع الجيش بالعباسية، وبلغ طول مساحة الأرض الهابطة 10م وعرضها 10م وبعمق 15م؛ ما أدَّى إلى تسرب المياه الجوفية داخل نفق مترو أنفاق في محطتي الجيش وباب الشعرية وانسداد فتحة النفق بينهما خلال أعمال الحفر الجارية وقتها!.
وصرَّح بعد الحادثة الدكتور عبد العظيم وزير محافظ القاهرة بأن الموقف تحت السيطرة، ولن يحدث أي هبوط مستقبلاً!!.
تصريحات وهمية!
أعمال حثيثة لمحاولة التغلب على الكوارث المتتالية بأي شكل

إلا أن تلك التصريحات لم تُصدَّق، ففي أوائل شهر أغسطس من العام الحالي وقع هبوط أرضي أمام جراج العتبة، والذي قُدِّر طوله بـ8 أمتار وعرضه بـ3 أمتار والناتج عن أعمال الحفر، وعاش من بعده أهالي المنطقة في رعب تام!!.
وفي 17/8/2010م حدث انهيار أرضي في شارع الجيش؛ بسبب ماكينة الحفر الجديدة (نفرتاري)، بعمق 5 سم بشارع الجيش وعلى مسافة 25م؛ ما أدَّى إلى تصدع واجهات 3 محال تجارية، بالإضافة إلى إثارة فزع أهالي المنطقة بالكامل!.
وكان أقرب هبوط في باب الشعرية بشارع الجيش يوم الجمعة الماضي في 24/9 الماضي، والذي ترتب عليه إخلاء 6 منازل، وتشريد 57 أسرةً في الخلاء؛ حيث تناثرت تصريحات في وسائل الإعلام أن الأهالي المتضررين سيتم تسكينهم في فنادق، إلى أن يتم عودتهم مع صرف 500 جنيه لكل فرد يوميًّا كتعويض، إلا أن الأهالي أكدوا لـ(إخوان أون لاين) أنهم لم يحصلوا على أي شيء من تلك الأوهام!!.
تصييف إجباري!!
المساكن التي تم إخلاؤها خوفًا من انهيارها

ويؤكد صادق عبد المجيد "أحد الأهالي" أن الهيئة لم تصرف لسكان العقارات التي تم إخلاؤها إلا 20 جنيهًا في أول يوم فقط، وأهملتهم بعد ذلك فلم تعطهم شيئًا!!.
أما بخصوص تسكينهم في فنادق بديلة مؤقتًا، فيقسم بعدم حدوث ذلك مطلقًا؛ وأنه أقام هو وأسرته عند أقاربه، وعندما سألوا المسئولين عن تلك الفنادق المذكورة في وسائل الإعلام قالوا لهم: "تعاونوا مع بعض وشيلوا بعض وهترجعوا منازلكم خلال يومين، يعني اعتبر نفسك بتصيف أو بتصل رحمك"!.
ويقول أبو أحمد "حارس العقار رقم "57" بشارع الجيش": إن أهالي المنطقة يعيشون في رعب تام يوميًّا نتيجة أعمال الحفر المتتالية، وما زاد الأمر سوءًا هو القبضة الأمنية التي حلت عليهم، بعد الهبوط الأخير ومنع الصحفيين ووسائل الإعلام من الحصول على أية معلومات، مع وضعهم تحت طائلة التفتيش والرقابة الدائمة لكافة تحركاتهم!.
بـ"هدوم البيت"!
أم أحمد قررت الجلوس بجوار بوابة الخروج تحسبًا لانهيار المنزل في أي لحظة

ويضيف نصر زكريا "صاحب محل أحذية وساكن بأحد المنازل المواجهة للهبوط": عن قريب سيدخل جميع أهالي ذلك المسكن المصحات النفسية والعقلية أيضًا؛ فنحن نعاني أشد المعاناة، فوقت حدوث الهبوط في الساعة 7م كنا نتناول أنا وأسرتي وجبة الغذاء، وشعرنا باهتزاز غير عادي في المنزل أبشع من اهتزاز الزلزال، فجرينا إلى الأسفل بما علينا من ملابس خشية هبوط المنزل فوق رءوسنا"!.
وعلى نطاق أصحاب المحال لم تختلف الخطورة كثيرًا عن سابقتها، فيقدر بما يزيد عن 100 محل توقفت عن فتح أبوابها تمامًا، وما يزيد عن 150 محلاًّ آخر فقدت ما يزيد عن ثلاثة أرباع دخلها الشهري!!.
توقف المشروع!
ويشتكي عامر أحمد "بالعقار رقم 80 بشارع الجيش وصاحب محل لبيع الخرداوات) من أحوالهم المتردية وتوقف حركة البيع والشراء، ويقول: لم يحل علينا المترو سوى بخسائر فادحة على كل الجوانب، مشيرًا إلى أنه عندما استوقف أحد مهندسي المساحة عقب هبوط يوم الجمعة الماضي ليسأله عن مدى خطورة الأوضاع، قال له المهندس: "متقلقش شكل المشروع كله هيقف ولن يكتمل وستعود الأمور إلى ما كانت عليه"!.
![]() |
|
المحال أغلقت أبوابها بشكل تام نتيجة كوارث المترو |
غير أن بعض مهندسي الموقع المنفذين للمشروع المحاصرين برقابة الأمن والمسئولين كان لهم رأي آخر؛ فيقول أحد مهندسي الأمن الصناعي- رفض ذكر اسمه-: إن الوضع غير مقلق بالمرة، إلا أنه لزيادة الاطمئنان، ولن يتم عودة السكان إلا بعد 5 أو 6 أيام من وقت الهبوط؛ للتأكد من سلامة التربة وسلامة العقارات.
ويقول أحد مهندسي المساحة بالموقع، والذي كان متواجدًا وبعيدًا عن موقع العمل: إن الهبوط يقدر بـ16 مترًا، ويصل عرضه لـ8 أمتار، وعمقه 2.7 أمتار في التربة، وتمَّ ترميم التربة بشكل كامل وحقنها بالخرسانة، وسيتم توقف الحفر بالمشروع لمدة 4 أو 5 أيام؛ حتى يتم التأكد من سلامة التربة والمنازل المجاورة، مضيفًا أنه يتم التأكد من سلامة التربة عن طريق قياسها بأجهزة الرصد المساحي كل 15 دقيقةً.
وعندما سألنا مهندس مساحة آخر عن أسباب ذلك التعتيم المفروض على الموقع من قبل قوات الأمن ما دام أن الوضع غير مقلق وتحت السيطرة، فأجابنا في اختصار تام: "يبقى أكيد في كوارث"!!.
غياب التخطيط
سعد خليفة

ويستنكر النائب سعد خليفة عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن لجنة النقل بمجلس الشعب عدم إجراء الهيئة القومية للأنفاق والشركة الفرنسية المنفذة للمشروع مجسات، كخطوة ضرورية قبل تنفيذ المشروع على أرض الواقع؛ لما كانت ستوضحه من طبيعة التربة التي يتم إقامة المشروع عليها، وهل هي تربة طينية أم زلطية أم هشه وبناءً عليه توضع الخرسانات؟!.
ويشير إلى أنه في حالة ثبوت ذلك الإهمال بالوثائق والمستندات فلا بد من محاسبة القائمين على المشروع في ميدان عام؛ نظرًا لما أحدثوه من تخريب وفساد وتضييع لجهد، وإهدار للمال العام.
ويلفت النظر إلى أن حالة التعتيم والقبضة الأمنية التي تشهدها مواقع الهبوط، تؤكد وجود غموض وأسرار عديدة داخل المشروع، تخشى الحكومة أن توضحها للرأي العام؛ خوفًا من عواقب ذلك، مؤكدًا أن الوضع إن كان مطمئنًا كما يدَّعون فلمَ الحاجة لتخبئة أي شيء؟!.
ويقول: "لا أحد ينكر مدى أهمية الخط الثالث لمترو الأنفاق، إلا أن غياب التخطيط يجعل الجهد في اتجاه غير صحيح"، مشيرًا إلى أن تكرار الهبوط، يكشف منظومة الفساد والرشاوى التي تسيطر على كل أجهزة الدولة.
ويدلل على ذلك بما حدث بنفق الشهيد أحمد حمدي، والذي رشحت المياه به؛ لعدم حقن التربة بالمواد المطلوبة، نتيجة لانعدام إعداد الدراسات السابقة لإتمام النفق، مؤكدًا أن وضع الخط الثالث للمترو مشابه لأوضاع ذلك النفق.
سيناريوهات متوقعة!
الهبوط الأرضي بعدما تم ترميمه وحقنه بالخرسانة

ويتوقع أن تكون السيناريوهات المستقبلية للخط الثالث لمترو الأنفاق إما المزيد من الهبوط والكوارث؛ كنتيجة طبيعية لمنظومة الفساد المنفذة له والمشرفة عليه، وبالتالي سيتبعها مزيدًا من إهدار المال والجهد والوقت، وإما أن تتخذ الشركة والهيئة القومية للأنفاق الاحتياطات المفترض اتباعها في المناطق الأخرى للمشروع مثل العباسية ومدينة نصر وغيرها، وستتعامل في المناطق الحالية بمنطق الطوارئ والحذر إلى أن تنتهي مهما كان الثمن هدم منازل وإغلاق محال تجارية!.
ويستبعد تمامًا أن يتم التوقف عن استكمال الخط الثالث لمترو الأنفاق؛ بسبب تلك الكوارث، ومهما اكتشفت الهيئة من الأخطاء التي تحدث لسببين؛ أولهما هو صرف مليارات الجنيهات على ذلك المشروع، والتي ستكون هباءً إذا توقف، وستتضاعف لإصلاح ما أفسدته أعمال الحفر، وبالتالي سيضع الحكومة أمام المساءلة القانونية والشعبية، وثانيهما أن ذلك المشروع يعطي فرصةً لتمليع وجه الحكومة، وإضافة إلى سجل إنجازاتها الخاوي، فإذا ما توقف فترى أنها ستكون وصمة عار إضافية في سجلاتها.
ميزانية الدولة
د. حمدي عبد العظيم

وعلى الصعيد الاقتصادي، يبيِّن الدكتور حمدي عبد العظيم أن ذلك المشروع تكلَّف من ميزانية الدولة أموالاً باهظةً؛ نظرًا لما يسببه المشروع من هبوط متكرر للأراضي؛ نتيجةً لأعمال الحفر، مشيرًا إلى التجاوزات التي تتم في أساسات الكثير من المنازل، والتي تضعف من عمرها الافتراضي، فضلاً عن آلاف المحال التي أغلقت أبوابها تمامًا وغيرها ممن تضرر دخله بنسبة كبيرة، وشُرد عمالها ليضيف إلى رصيد البطالة.
ويلفت إلى إهمال آخر قامت به الهيئة القومية للأنفاق، حين صرفت ما يزيد عن 50 مليون جنيه؛ لتتحكم في أزمة هبوط شارع الجيش التي حدثت في أغسطس الماضي، موضحًا أن تلك مسئولية الشركة الفرنسية، وليست الهيئة القومية؛ وهو ما يعني تحميل أعباء إضافية على ميزانية الدولة المتهالكة.
ويؤكد أنه لو قامت الهيئة القومية للأنفاق بالأبحاث السابقة للمشروع لوفِّرت ملايين الجنيهات التي تتكبدها الآن، نتيجة العلاج بالمسكِّنات الذي تتبعه في حالة ظهور كل هبوط على حدة؛ وكنتيجة طبيعية للعشوائية وعدم التخطيط.
![]() |
|
الموقع خالٍ لحين التأكد من سلامة التربة |
ويشير إلى أن اختناقات المرور التي يتسبب فيها الهبوط المتكرر، والذي يحوِّل مسار اتجاه وسائل المواصلات والسيارات، ويتسبب في تكدُّسها في مكان محدد، يعمل على مزيد من الخسائر الاقتصادية الفادحة؛ نتيجة تعطل أعمال ومصالح آلاف من المواطنين.
ويضيف أنه يؤثِّر على مصالح العديد من المواطنين المتضررين بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة تعطل أعمالهم، والبطء في إنجاز أي مهام أخرى، فضلاً عن عدم انتظامهم في العمل؛ وهو ما يؤثِّر بدوره على الناتج القومي العام.
إغاثات لا تعويضات!
على صعيد آخر، يشير الدكتور حسام عيسى "الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس" إلى أن تلك التعويضات التي أعلنت عنها الهيئة القومية للأنفاق لا تسمى تعويضات إنما تسمى إغاثات أو صدقات، لعدم تناسبها مع حجم الكارثة، مؤكدًا أن القانون الدستوري ينص على أن التعويضات لا بد أن تكون بقدر ما أصاب الشخص من ضرر وما فاته من كسب.
![]() |
|
الشوارع تم إخلاؤها إلى أن يتم السيطرة على الهبوط الأرضي |
ويوضح أنه طبقًا لقانون الأحوال المدنية؛ فإن مخالفة التعويضات المذكورة للأهالي والمصرح بها في وسائل الإعلام فإنها تعتبر جريمة نصب لا بد من معاقبة المسئولين عليها، مضيفًا أن الهيئة الفرنسية هي التي من المفترض أن تتكبد التعويضات وليست الهيئة القومية للأنفاق!.
ويلفت النظر إلى ضرورة توقيع عقوبة على الضرر الذي وقع على الأهالي؛ حيث لم يتم توفير مساكن بديلة لهم؛ ما ترتب عليه من تشتيت الأسر وتشريدها، وعدم احترام النساء والأطفال وعدم توفير مأوى لهم.


