لقد تتبعتُ الحملة الصهيوأمريكية على هوية مصر العربية المسلمة، ومحاولة سلخها من جسد الأمة العربي لإقامة دولة قبطية في مصر، وتنفيذًا لمخطط عزل مصر عن الأمة العربية والإسلامية لإضعاف مصر من ناحية، وإضعاف الأمتين العربية والإسلامية بعزل مصر عنها؛ لأنَّ مصر قلب العروبة النابض، ومصدر رئيسي من مصادر قوة العرب والمسلمين، وأتفق مع المنتدين في ما ذكروه، ومقالتي هذه تأكيد لعروبة مصر وجميع البلاد العربية، وأنَّ المصريين القدماء والبابليين والآشوريين والفينيقيين والكنعانيين هم من عرب الجزيرة العربية، وقد أقرَّ بهذا باحثون غربيون.

 

فمن الثابت تاريخيًّا أنَّ الجزيرة العربية مهد العرب، وأنَّ الموجات العربية التي خرجت من الجزيرة العربية اتجهت إلى العراق وبلاد الشام وإفريقية ومصر، وسأبدأ بـ:

هجرات العرب إلى مصر:

ولنقرأ معًا ما كتبه "جوستاف جيكي" أستاذ الأثريات المصرية في كلية نيوشاتل في كتابه "تاريخ المدنية المصرية" بهذا الصدد، يقول "جوستاف": "إن سكان مصر القدماء جاءوا إليها من جزيرة العرب قبل ستة آلاف سنة، وإنَّ الأسر الفرعونية الأولى هي من هؤلاء القادمين"، وقال مثل هذا القول كلٌّ من المؤرخيْن "هنري بروخ" الألماني و"هنري جونسون" الإنجليزي في كتابيهما "تاريخ مصر".

 

ويقول الدكتور حسن كمال في كتابه "تاريخ السودان القديم": "إنَّ المصريين والسودانيين من أصلٍ واحد، وقد جاء أسلافهم إلى وادي النيل من بلاد العرب عن طريق الصومال على ما تدل عليه البحوث والاستقراءات"، ونقل هذا المؤلف عن "ديودور الصقلي" قوله: "إنَّ أصل المصريين القدماء من بلاد العرب الجنوبية نزلوا إلى شواطئ إثيوبيا، ثُمَّ تقدموا نحو الشمال حتى دخلوا مصر".

 

وكان للمرحوم "أحمد كمال باشا" من علماء مصر بحث مستفيض في علاقات العرب بوادي النيل قبل الإسلام، وفي تقارب اللغتيْن الهيروغليفية والعربية تقاربًا حدا به إلى التصريح بأنَّ إحداهما قد تكون مشتقةً من الأخرى، بل نقل عنه الدكتور "حسن كمال" في كتابه "تاريخ السودان العام": أنَّ أصل اللغة المصرية واللغة العربية واحد، وأنَّ الاختلاف الظاهر بينهما ليس إلاَّ نتيجة لإسقاط بعض كلمات في بلاد العرب وبقائها في وادي النيل، أو العكس، ثُمَّ نتيجة لما يعتري الكلمات من القلب والإبدال، وما يطرأ على اللغات من تغير من معاملة الأجانب، وكان العرب ينتقلون بين النيل، والبحر الأحمر في بادية مصر الشرقية كتنقل البدو فيها اليوم تمامًا، وكان لبعضهم سيادة على جزيرة سيناء، وما يليها، ومن هنا نشأ اتصالهم بمصر وبابل لما كان من تبادل تجاري بينهما، وقد أسمى المصريون هؤلاء البدو بالرعاة "وشاسو الهكسوس"، وقد ظلَّ الكنعانيون الذين عُرفوا أيضًا باسم "الهكسوس" على بدواتهم أزمانًا طويلة، إلى أن اجتاحوا مصر، وأجلوا عنها الفراعنة إلى الصعيد، واختاروا مدينة نانيس عاصمة لحكومتهم، ولما هبط الهكسوس مصر وجدوا في الوجه القبلي منها جالية من تجار الفينيقيين سبقوهم إليها، واستمر حكم الهكسوس في مصر طيلة ستة قرون من 2214 حتى 1703 ق. م، وتعاقبت خلالها ثلاث أسر منهم، بل كان منهم معظم أسر الدولة الأخيرة خلال خمسة عشر قرنًا؛ أي من نحو سنة 2000 إلى 500 ق. م على ما قدَّره الأثريون والمؤرخون، ومنهم "جيمس بريستيد في كتابه "تاريخ مصر من أقدم العصور"، وأحمد كمال الثري في كتابه "العقد الثمين"، وشالود بيم في كتابه "الكافي في تاريخ مصر"، وغيرهم.

 

ثم كان للعرب بعد الهكسوس موجات أخرى إلى مصر، ولا سيما على صعيده وصحرائه الشرقية إلى أن جاء الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه والفتح العربي الإسلامي لمصر لم يكن احتلالاً، وإنما كان لتحرير مصر من الاحتلال البيزنطي الروماني، وحماية دولة الإسلام من الزحف الروماني إليها، والعمل على نشر الإسلام، وتخليص أقباط مصر من الاضطهاد الديني الذي كانوا يعانون منه من قبل البيزنطيين.

 

فالعرب المسلمون أعطوا الحرية الدينية للقبط، يؤيد ذلك ما فعله عمرو بن العاص- رضي الله عنه- بعد استيلائه على حصن بابليون، إذ كتب بيده عهدًا للقبط بحماية كنيستهم، ولعن كل مَن يجرؤ من المسلمين على إخراجهم منها، وكتب أمانًا للبطريق بنيامين، وردَّه إلى كرسيه بعد أن تغيَّب عنه زهاء ثلاث عشرة سنة، وأمر عمرو- رضي الله عنه- باستقبال بنيامين عندما قدم الإسكندرية أحسن استقبال، وألقى على مسامعه خطابًا بليغًا ضمنه الاقتراحات التي رآها ضرورية لحفظ كيان الكنيسة، فتقبَّلها عمرو- رضي الله عنه-، ومنحه السلطة التامة على القبط والسلطان المطلق لإدارة شئون الكنيسة (1).

 

ولم يفرق العرب في مصر بين الملكانية واليعاقبة من المصريين، الذين كانوا متساوين أمام القانون، والذين أظلهم العرب بعدلهم وحموهم بحسن تدبيرهم، وقد ترك العرب للمصريين الحرية الدينية، وأخذوا على عاتقهم حمايتهم، وأمنوهم على أنفسهم ونسائهم وعيالهم، فشعروا براحةٍ كبيرةٍ لم يعهدوها منذ زمن طويل (2)، بل كانوا يعانون من ظلم البيزنطيين الذين كانوا يضطهدون الياعقبة؛ لأنَّهم يختلفون معهم في المذهب، يوضح هذا قول المستشرق البريطاني سير توماس أرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": "يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي، لما عرف به من الإدارة الظالمة، وما أضمروه من حقدٍ مريرٍ على علماء اللاهوت، فإنَّ الياعقبة الذين كانوا يكونون السواد الأعظم من السكان المسيحيين عوملوا معاملة مجحفة من أتباع المذهب الأرثوذكسي التابعين للبلاط، الذين ألقوا في قلوبهم بذور السخط والحنق اللذيْن لم ينسهما أعقابهم حتى اليوم" (3).

 

فإن كنتُ أختلف مع السير "توماس أرنولد في إطلاقه كلمة "غزاة" على الفاتحين العرب، إلاَّ أنَّه أقرَّ بالمعاملة المجحفة التي كان يلقاها اليعاقبة من الأرثوذكس المسيحيين، وكيف أنَّ العرب المسلمين الفاتحين أنصفوهم وتسامحوا معهم.

 

الهجرات العربية إلى العراق:

ولو ذهبنا إلى العراق نجد المؤرخ الأمريكي "باتون"، يقول: "إنَّ أوَّل هجرة سامية أي عربية ورد ذكرها في التاريخ هي التي اتجهت إلى ما بين مصبي دجلة والفرات، وقد كانت تلك البلاد مقسمة بين حكومات كثيرة إقطاعية، فنزل الساميون "العرب "في الجانب الشمالي منها، ثَّمَّ انتشروا واختلطوا مع أصحاب البلاد، وصاروا في القرن 36 قبل الميلاد أصحاب مدنية زاهرة، وإذا صح ما ذهب إليه بعض المؤرخين من أنَّ "سرجون الأول مؤسس الدولة الكلدانية، وأشهر ملوكها سامي العنصر، فإنَّ جالية جزيرة العرب تكون بذلك قد تربعت دست الحكم في بابل منذ نحو أربعة آلاف وخمسمائة سنة.

 

هذا، وقد تضاءل شأن السومريين- سكان العراق الأولين- تدريجيًّا حتى تحوَّلت السلطة إلى الآراميين، وهم من جالية الجزيرة العربية.

 

ويُعتبر الكاهن الآرامي "باروز"، ويُسمَّى باليونانية "بيروسيوس"، وهو من أهل القرن الرابع قبل الميلاد، أوَّل مَن أشار إلى أنَّ العرب قد بسطوا سيادتهم على العراق باسمهم الصريح أي أطلق عليهم "عرب"، ولم يطلق كلمة "ساميين" كما يطلقها عليهم المؤرخون والمستشرقون الغربيون، وقد جاءت آثار بابل وآشور مؤيدة لرواية هذا المؤرخ؛ إذْ أشارت إلى قيام دولة عربية في بابل تولت الحكم بضعة قرون خلال الألف الثالث قبل الميلاد، ومن رأي المؤرخين أنَّ دولة العرب التي أتى على ذكرها هذا الكاهن توافق ما يسميه المؤرخون بالدولة البابلية الأولى ( 2081- 2460 ق.م)، وهي التي أخرجت للناس شريعة حمورابي قبل 23 قرنًا من الميلاد.

 

هذا، وقد خلَّص عرب الجزيرة العربية المسلمون إخوانهم في العراق من الحكم الفارسي المجوسي، وأخرجوهم من الظلمات إلى النور على يد سعد بن أبي وقَّاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

 

الهجرات العربية إلى بلاد الشام:

في الوقت الذي كان الآراميون في العراق يتفوقون، ويعلى شأنهم كانت هناك موجة أخرى تحرَّكت من الجزيرة العربية نحو الشمال قوامها الآموريون والكنعانيون الذين استمروا يرابطون في بادية الرافدين حتى إذا تضعضع الكلدان فانتهز الآراميون الفرصة، واحتلوا الداخل، بينما هبط الكنعانيون الساحل ممتدين نحو الجنوب، وقد عُرِفَ الذين احتلوا الساحل السوري بالفينيقيين، وأمَّا الذين سكنوا فلسطين فقد احتفظوا باسمهم، واستمروا يعرفون بالكنعانيين، وكانت سوريا خلال التمدن الكلداني في العراق لا تزال على البداوة، وهذا ما دفع الكلدان لغزوها أكثر من مرة خلال الألف الثالث قبل الميلاد، وانتهى بهم الأمر إلى بسط سيادتهم عليها ونشر حضارتهم فيها.

 

ثُمّ لمَّا دخلت سوريا في حكم الآموريين والكنعانيين، وجد هؤلاء الحضارة الكلدانية منتشرة فيها فتعهدوها ورووها، وبذلك ازدهرت وعُرفت من بعد بالمدنية الفينيقية، وقد اهتم الفينيقيون بالتجارة وزاولوها كوسطاء بين مصر والعراق، ثُمَّ ركبوا البحار حتى جعلوا من البحريْن الأبيض والأسود حوضًا لسفنهم، ثُمَّ تعهدوها إلى المحيط الأطلسي، وعظم شأنهم وتوسعوا فشمل حكهم شمالي إفريقية وجنوبي أسبانيا، واتخذوا من قرطاجة في تونس عاصمة لهم، بذلك أخذ الفينيقيون على عاتقهم طيلة سبعة قرون مهمة الوساطة في التجارة والتمدن بين الأمصار المتمدينة والأمصار المتأخرة من القرن الخامس عشر إلى الثامن قبل الميلاد، حسْب الفينيقيين فخرًا أنَّهم كانوا صلة الوصل بين مدنية مصر وآشور والكلدان، وبين مدنية اليونان: ما أحرزوا تقدمًا كبيرًا في ميدان الصناعة، ولهم في متاحف طليطلة تحف زجاجية فينيقية تضاهي الآن أفضل المصنوعات الحديثة، وقد قال فيهم "دكر أنجر" بعد أن بيَّن فضلهم في تهذيب الأحرف الأبجدية، ونشرها: "لو قُورنت المساحة الصغيرة التي كانت تشغلها فينيقية برحابة مؤسساتها العالمية، وبما حملته من المكانة العظيمة في ميادين التجارة والصناعة، عدا الدور الذي مثلته في التمدن لجاء الاعتقاد جازمًا بأنَّ تاريخ هذا الشعب الصغير هو بمثابة بادرة لا مثيلَ لها في تاريخ البشر.

 

كما جاء في معجم لوروس الفرنسي في مادة "ألف باء Alphabet "أنَّ الفينيقيين العرب هم الذين وهبوا العالم الأوربي منذ عهد اليونان أبجديتهم على يد الفينيقي العربي قدموس Cadmos الذي حمل ألف باء العرب إلى اليونان، ثُمَّ من اليونان إلى الرومان، ثُمَّ أسلمها إلى سائر اللغات الأوربية بعنوانها العربي، بل أصبحت هذه الحروف أساسًا لكلِّ الحروف الهجائية التي يكتب بها اليوم أبناء أوربا وآسيا وأمريكا وإفريقيا، بحيث صح القول القائل إنَّ هذا أعظم اختراع اخترعه البشر على الإطلاق.

 

وهكذا من هذا العرض التاريخي السريع تبيَّن وتأكد لنا الآتي:

عروبة مصر والسودان والصومال والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان والأردن وليبيا وتونس والجزائر والمغرب ومورتانيا منذ عصور ما قبل الميلاد، فأصول سكانها من الجزيرة العربية، وحضارتها عربية أقامها العرب سكان هذه البلاد، ويؤيد هذا موجات الهجرات العربية التي خرجت من الجزيرة العربية منذ أكثر من ستة آلاف سنة، ويؤيد هذه الحقيقة التاريخية أنَّ شعوب هذه البلاد تتحدث العربية الآن، فرغم أنَّ الفتوحات الإسلامية امتدت إلى أواسط أوربا غربًا, وإلى المحيط الهادي شرقًا، وإلى أواسط آسيا شمالاً، وشرق ووسط إفريقية غربًا، ورغم أنَّ اللغة العربية كانت اللغة الرسمية لأهالي هذه البلاد في عهود الخلافة الإسلامية، ولكنها كانت لها لغاتها القومية الخاصة بها- رغم أنَّ من أهلها من له أصول عربية- باستثناء الدول العربية الحالية، فهي منذ الفتوحات العربية الإسلامية لها باتت لغتها الوحيدة هي اللغة العربية؛ لأنَّ لغاتها الأصلية متفرعة من اللغة العربية، وهي اللغة الأم.

 

ومهما حاول الأعداء إحياء الفرعونية والفينيقية والبابلية والآشورية والسبئية بقصد سلخنا من ديننا، والعودة بنا إلى عهود الوثنية، ومهما حاولوا تفتيت أجزاء الأمة العربية، ووصف الفتوحات العربية الإسلامية بالاحتلال، والفاتحين بالغزاة، فلن يستطيعوا تحقيق أهدافهم، فالواقع التاريخي يحبط كل مخططاتهم، ولن يستطيعوا خلعنا من جذورنا العربية الممتدة عبر آلاف السنين، فنحن عرب من الخليج إلى المحيط، وأصولنا واحدة، وأواصر القرابة والدم التي تربط بعضنا ببعض لن يتمكنوا من تقطيعها، وعلى كل عربي أن يدرك هذا، وأن يقرأ تاريخ أمته ليحافظ على هويته العربية مسلمًا كان أو مسيحيًّا والعربي المسلم عليه أن يتمسك بعروبته حفاظًا على دينه لأنَّ العربية لغة الإسلام، والعربي المسيحي عليه أن يتمسك بعروبته حفاظًا على أواصر القرابة التي تربطه بأخيه العربي المسلم.

------------

* الهوامش:

1- د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج1، ص 240.

2- المرجع السابق: ص 241.

3- توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة د. حسن إبراهيم حسن، ص123.

-------------

** كاتبة سعودية- Suhaila_hammad@hotmail.com