- الصرف الصحي أغرق فصول الطلاب بمدرسة البساتين

- المشاجرات المتكررة بين الطلاب تنتهي بجروحٍ خطيرة

- أسوار المدرسة تحوَّلت لموقف ميكروباصات ومقاهٍ

- أولياء الأمور: تعاملاتنا مع المدرسين أصبحت ماديةً فقط

- الشاطبي: سوء التخطيط من "التربية والتعليم" هو السبب

 

تحقيق: مي جابر

مع بداية العام الدراسي يتوقع الجميع أن ترتدي المدارس أزهى حُللها، إلا أن واقع المدارس بالمناطق العشوائية يؤكد عكس ذلك؛ حيث يختلف وضع هذه المدارس عن مثيلاتها في المناطق الراقية، والتي تتزين لاستقبال الطلاب الجدد بالطلاء الجديد والألوان المبهجة والفصول المرتبة، بينما تغطي القمامة مداخل مدارس العشوائيات وانهيار جدران بعضها، بالإضافة إلى تحطم مقاعد الطلاب داخل الفصول وعدم نظافة المدرسة وتعطل المرافق الأساسية بها، وإلى جانب ذلك تعتبر سوء أخلاق المعلمين وإدارة المدرسة من جهة والطلاب من جهةٍ أخرى السمة المميزة لهذه المدارس.

 

يؤكد أولياء أمور طلاب هذه المدارس أنها سقطت من حسابات وزارة التربية والتعليم لتذهب في طي النسيان، فلا يوجد ميزانية كافية لتوفير المواد اللازمة للعملية التعليمية أو إصلاح المرافق التي تهالكت بسبب تكدس الطلاب بها، فضلاً عن تعرض أطفالهم لمخاطر بسبب سوء المناطق التي تتواجد بها هذه المدارس.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولةٍ بمدارس العشوائيات والتي خرجت عن نطاق اهتمام المسئولين، ليرصد مشاهد الإهمال والتسيب بها.. فإلى التحقيق:

بدأت جولتنا بمدارس البساتين التي بدت عليها مظاهر الفوضى والتسيب والإهمال، فبوابة المدرسة مفتوحةً أمام الجميع دون إشراف، بالإضافةِ إلى تكدس الطلاب أمام المدارس قبل بداية اليوم الدراسي وانتشار البائعين الجائلين والقمامة على امتداد سور المدرسة، وما يُثير للانتباه هو موقف سيارات الأجرة بجوار أسوار المدارس، والذي يُعرِّض الطلاب للخطر، كما احتلت بعض المقاهي أسوار المدارس المتبقية ليفترش زبائنها رصيف المدرسة، فضلاً عن الرصيف المقابل لها؛ مما يعيق حركة الطلاب بسهولة.

 

 الصورة غير متاحة

الصرف الصحي يغرق مدرسة البساتين الابتدائية

ومن المشاهد التي يصعب تصديقها ما وجدناه بمدرسة البساتين الابتدائية، حيث أغرقت مياه الصرف الصحي فصول المدرسة وحجرة المدير، فلجأ المدير إلى ردم المدرسة بالرمال حتى يتغلب على هذه المشكلة؛ مما يؤكد إهمال صيانة مرافق المدرسة قبل بداية الدراسة حتى تفاقمت الأزمة في نهاية الأسبوع الأول من الدراسة.

 

وتقول صفاء عيد (ولية أمر طالبة بمدرسة البساتين الابتدائية): إن المدرسة تُعاني من إهمالٍ شديدٍ، فلا يوجد أمن أو إشراف على بوابة المدرسة، حتى إن الطلاب وجدوا سيدةً مغيبةَ الوعي بفعل المخدرات تحمل "سنجة"؛ لتدخل المدرسة وتعتدي على بعض الطلاب؛ ما أصاب الجميع بذعرٍ شديد، حتى تمَّت السيطرة عليها من بعض رجال المقهى المجاور للمدرسة.

 

وتضيف: "إن الأخطار تُحيط بأطفالنا في كل مكان، ففي امتحانات العام الماضي كانت توجد حفريات لمشروع الصرف الصحي أمام المدارس؛ ما تسبب في سقوط طفلٍ في أحد الحفر وتم انتشاله بصعوبة، ليتم نقله إلى المستشفى بين الحياة والموت".

 

مدير "بلطجي"

وقابلنا بعض الطلاب بمدرسة (..ع م) الإعدادية بنين الذين اشتكوا من معاملة مدير المدرسة؛ حيث يتعامل معهم بأخلاقيات لا تتناسب مع أخلاقيات المعلم المربي، أخلاقيات البلطجية والعصابات، فينعتهم بألفاظ نابية، بالإضافة إلى ضربهم بالحزام والركلات بالأقدام، كما يعين فراش المدرسة "بودي جارد" لإرهاب الطلاب بعصا غليظة.

 

ويضيف أشرف نادر (طالب بالصف الأول الإعدادي بالمدرسة) أنهم يلاقون معاملةً سيئةً للغاية كأنهم مساجين، والمدرسون هم السجانون، مشيرًا إلى أنهم يُعاقبون بالضرب بالخرطوم والخشب المتبقي من المقاعد، فضلاً عن طلباتهم الكثيرة والمرهقة.

 

فصول الجحيم

وعلى صعيدٍ آخر تؤكد رقية عبد الرحمن (ولية أمر لثلاثة طلاب بالمدرسة ذاتها) أن كثافة الطلاب داخل الفصول عالية جدًّا، فتتراوح ما بين 60 و80 طالبًا بالفصل الواحد، موضحةً أن كل 6 طلاب يجلسون بمقعد واحد؛ مما يصعب معه الاستيعاب الجيد للمعلومات وشرح المدرسين؛ مما دفع بعض مدرسي المدرسة إلى استجلاب بعض المقاعد على تقسيم تكلفتها على الطلاب.

 

ويتفق معها منصور عبد الله (ولي أمر طالب بمدرسة السلام الابتدائية)، مضيفًا أن المدرسة تخلو من الزجاج، ليصيب نزلات البرد الأطفال في فصل الشتاء؛ نظرًا لبقائهم حتى وقت متأخر لتطبيق نظام الفترتين عليهم، مشيرًا إلى أن الفصول أيضًا تخلو من التهوية الجيدة في فصل الصيف لتجعل الفصول أشبه "بنار جهنم".

 

ويتابع قائلاً: "رغم أن ابني في الصف الثالث الآن إلا أننا لم نشاهد طبيبًا أو ممرضةً بالمدرسة حتى الآن، رغم انتشار عوامل انتشار الأوبئة بالمدرسة والمنطقة المحيطة بها، بالإضافة إلى إلغاء حصص الألعاب نهائيًّا وحصص الرسم، والفسحة عبارة عن 5 دقائق فقط، فلا يستطيع الطالب تناول طعامه".

 

المحسوبية والرشاوى

 الصورة غير متاحة

مقلب زبالة بجوار إحدى المدارس.. لماذا؟!

   أما في مدرسة الدكتور هيكل الابتدائية بعين الصيرة تشتكي محاسن محمد ولية أمر طالبة بالصف الأول الابتدائي من الواسطة والمحاسوبية المنتشرة بالمدرسة؛ حيث إنها حاولت تقديم بحث حالة لإعفائها من المصاريف الدراسية، مؤكدةً أن المدرسين لا يقلبون أوراق البحث إلا من معارفهم وأقاربهم فقط، إلى جانب إجبار أولياء الأمور على دفع مبالغ إضافية في بداية العام الدراسي مع تقديم ملفات الطلاب دون وجه حق.

 

وتصف مستوى التعليم بالمدرسة يسيء للغاية قائلةً: "المدرسون لا يعملون إلا بالمال، سواء كانت مجموعة أو درس خصوصي حتى لو كان الطالب متفوقًا، ولا يحتاج لمجموعات تقوية، ولكنهم يفرضونها على الجميع إجباريًّا، ويأخذها الطلاب في منتصف اليوم الدراسي".

 

ولا يختلف هذا المشهد كثيرًا عما شاهدنه بمدرسة قاسم أمين للثانوي التجاري بنات بإمبابة؛ حيث تؤكد سناء فاروق (ولية أمر طالبة بالصف الثاني بالمدرسة) أن جميع المعاملات بين الطلاب والمدرسين تقتصر على المعاملات المادية، فيتم بيع "ملازم" كل أسبوع سعر الملزمة خمسة جنيهات، بالإضافة إلى الدروس والمحاضرات التي بدأتها من أول يوم في الدراسة.

 

7 "غرز"

ومن أغرب القصص التي سمعناها من طلاب مدرسة عمر مكرم الابتدائية بإمبابة ما حكاه لنا عبد الوهاب محمد (طالب بالصف السادس الابتدائي) عن نشوب مشاجرة بين طالبين أدَّت إلى إصابة أحدهم بجرح "7 غرز" بزجاجةٍ مكسورةٍ استخدمها زميله أثناء المشاجرة، ويضيف قائلاً: "تحدث هذه المشاجرات بكثرة؛ حيث يستخدمون المقاعد فيها لدرجة أن معظم المقاعد دُمِّرت بالكامل، ولا نجد ما نجلس عليه أثناء اليوم الدراسي".

 

أما عن النظافة في المدارس فتقول عواطف إسماعيل (ولية أمر لطالبتين بمدرسة أحمد عرابي الابتدائية بإمبابة): "رغم أن إدارة المدرسة طلبت من الطلاب صابونة وفوطة ومناديل خاصة بهم، إلا أن معظم حمامات المدرسة غير نظيفة على الإطلاق؛ ولذلك أوصي بناتي بعدم استخدامه حرصًا على صحتهم".

 

هروب الطلاب

 الصورة غير متاحة

هروب التلاميذ أصبح مشهدًا متكررًا

   ويحكي عمرو ياسر طالب بالصف الثالث الثانوي بمدرسة الملك الصالح الثانوية بنين بمصر القديمة عن التسيب الذي تعاني منه مدرسته؛ حيث إنه برغم مرور أسبوعين لم يتم حتى الآن الانتهاء من إعداد الجدول؛ حيث إنهم لم يبدءوا حتى الآن في شرح الدروس، مشيرًا إلى أن باب المدرسة يظل مفتوحًا طوال اليوم الدراسي، ولمن يريد أن يخرج من الطلاب من المدرسة في أي وقت.

 

روتين الوزارة

ويؤكد مصطفى الشاطبي عضو لجنة الدفاع عن حقوق الطالب أن مدارس العشوائيات تنتشر في مصر بشكلٍ واسع جدًّا، وخاصةً بالمناطق الأكثر فقرًا، مرجعًا سبب ذلك إلى عدم التخطيط الجيد من وزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى عدم توزيع ميزانيتها بشكلٍ جيد وعادل على جميع مدارس مصر دون تجاهل مدارس على حساب أخرى.

 

ويستطرد قائلاً: "أخفقت الوزارة في علاج مشاكل مثل هذه المدارس، بالإضافةِ إلى سيطرة الروتين القاتل على الوزارة، فحتى تصرف إدارة المدرسة 5 جنيهات فقط، يجب أن تقدم أوراقًا رسميةً للإدارة التعليمية لتأتي الموافقة من كل المسئولين بها؛ ما يعطل الكثير من الأعمال البسيطة والمؤثرة في نفس الوقت على سير العملية الدراسية بأكملها".

 

ويضيف أن كثافة الطلاب في الفصول هذا العام ظاهرة ملفتة للنظر؛ حيث وصلت ببعض المدارس إلى 85 طالبًا بالفصل الواحد، مشيرًا إلى زيادة عدد السكان بهذه المناطق وصعوبة الانتقال من منطقة تعليمية إلى أخرى هي السبب الرئيسي لتفاقم هذه المشكلة، مما يؤثر على القدرة الاستيعابية للطلاب، إلى جانب قدرة المعلم نفسه على توصيل المعلومة العلمية ومتابعة تلاميذه بشكلٍ جيد.

 

ويشدد على ضرورة إعادة النظر لمثل هذه المدارس التي يفتقد فيها الطالب للمناخ الجيد للتعليم؛ حيث تلوث الهواء، والضوضاء وتكدس الفصول وانهيار الجانب الأخلاقي لكلٍّ من الطلاب والمعلمين على حدٍّ سواء؛ مما يهدد مستقبل الوطن بأكمله، مضيفًا أن عدد المدارس التي تعاني من العشوائية وسوء التخطيط في القاهرة وحدها ليست قليلة، كما تنتشر بقرى الصعيد بشكلٍ كبير.