قال الراوي يا سادة يا كرام: إن الحكيم فأروس، لما حضرته الوفاة، وأيقن بانقطاع مناه، جمع كل بنيه، وترحَّم على أمه وأبيه، وقال يا أبنائي الفئران، وعدتي للزمان، إنما علمني الحكمة والقول الصواب، أب كانت له روح الذباب، فما حفل في حياته بحرام أو حلال، ولا استقامة أو ضلال، وأنت يا سيسي أكبر الذرية، ولهذا أستودعك الحكمة الأزلية، كي تهنأ بالعيش السعيد، والعمر المديد، وتتولى تنفيذ وصيتي، على كل ذريتي.
يا ولدي عش ذليلاً، تعش طويلاً، وإن داس العدو رأسك، فاجعل كل همك، لعق حذاء عدوك فإنه لك غذاء، وتنظيف للحذاء، ونعيم روحي للأذلاء، وإياك والقيم الهدامة، كالعزة والكرامة.
يا ولدي كن عبد كل سيد، ونافق وبايع وأيِّد، ودُر مع الريح، تضمن العيش المريح، فإن كنت في مجلس تشريع تعيس، فعلق عينيك بأصبع الرئيس، كن الأسرع إلى الطاعة، والأبرع في ترويج أحقر بضاعة، واهرش رأس السامعين بكلام عربي غير مبين، حدّثهم عن "الاسطماحية"، والأفكار العدمية، والقيمة الانبطاحية، وحتى البطاطس المقلية، وكلما عمي الكلام، شعروا تجاهك باحترام.
يا ولدي ضع المبادئ تحت قدمك، واسطُ على مقعد غيرك، بالقوة أو بالحيلة، إياك يا ولدي أن تثور، أو يغلي دمك ويفور، وإذا اعتدى أحدٌ على أرضك، أو نال أحد من عِرضك، فلا يصدر عنك احتجاج، ولا أي ميل لهياج، وكن خير معين لمن يشتهي أُنثاك، وأبدِ لها وله رضاك، قل لها مع الأقوى سعادتك، وأنا معنيٌّ براحتك، فإنك إن أخذتك الشهامة، جنيت الحسرة والندامة؛ لأن الشعور بالعار هو بداية طريق الدمار.
يا ولدي.. لا تنتمِ لوطن، فالانتماء له ثمن، ووطن الفأر جحره، وأقصى ما يمتد إليه بصره، مالك وأفغانستان؟!، وفيم اهتمام الفئران، بالعراق وفلسطين ولبنان؟!، إنما شعارك، في ليلك ونهارك، وأقصى أمنياتك، طوال حياتك، جحر وأنثى ولقمة، فتلك أكبر نعمة.
يا بني اعلم أن اتصافك بالذليل الوضيع، يجعلك المواطن الصالح المطيع، فإنك إن تقدمت لوظيفة فحصوك، وعلى ألف جهاز أمني عرضوك، فلا تقل "لا" في الصحو أو في المنام، ولا تتكلم في الحلال والحرام، وإذا تكلمت في الدين، فهاك الطريق الأمين، تكلم عن الشجاع الأقرع والمسيخ الدجال، فإنه حديث شيِّق يثير الخيال، واحذر الحديث عن كل محتال جبان، سرق أو دمَّر أو خان الأوطان، وأصدر حشرجاتك بصوت رخيم، كي تُخدِّر جمهور السامعين، ولا تقصد أبدًا وجه الرحمن، بل وجه مولاك السلطان، وكلما بدا منك الخنوع، والسجود لغير الله والركوع، علا نجمك، وبدا طالع سعدك.
يا ولدي، كن أول المصفِّقين، وأقوى المبرِّرين، لكل الاتجاهات، مهما بعدت بينهما المسافات، وانظر ذات الشمال واليمين، ليراك أكابر المنافقين، كي تدخل زمرة المنتفعين.
يا بني.. سر في الركاب، وهزَّ ذيلك كالكلاب، واركع أمام أعدائك، وأوصل رأسك إلى حذائك، فإن العدو كلما بدت له حقارتك، نزَّه نفسه عن عداوتك.
يا بني.. أتقن كل الأدوار، ومارس مهامك باقتدار، انبح ككلب وأصدر نهيق حمار، عظ الناس في الجنائز، حتى تُبكي الصغار والعجائز، ثم أسرع كأنك طيارة إلى أقرب خمارة، ثم لأقرب جحر دعارة، لترضي شهواتك، وغرائزك ونزواتك، وإذا كنت في الإعلام فواجبك الأقدس نشر الأوهام، وتبشير الجياع والبسطاء، بقرب حلول الرخاء، اسخر من الكفاح، وزيِّن الانبطاح، إن وعي الفئران نكبة قوية، إذ يُكسبها طبيعةً وحشية، فسرعان ما تطلب الحقوق المسلوبة، وعودة الثروات المنهوبة، وتتبنى ضرب العدو بالنعال، مهما تكن تكاليف القتال.
يا بني.. إذا حكمت في قضية، مما يقال لها سياسية، أي بين الحكام والرعيَّة، فلتظهر الأمانة، وتبطن الخيانة، ما أهون كل الأثمان، لو يرضى عنك السلطان، وفداء رضا الملوك، رقاب ألف صعلوك.
وإذا شغلت مركزًا خطيرًا، كأن عينوك وزيرًا، فاعلم أن طول بقائك، ودوام ارتقائك، لا يرتهن بإنجازات، ولو فعلت المعجزات، بل برضا وليِّ نعمتك، فوجه لذلك كل طاقتك، سيُبقي عليك حتى يشيب الغراب، ويهيل التراب، ويحل بالجحور الفقر والخراب، ويهلك أكثر الفئران، بالكبد والسرطان والذل والهوان، فتوكل على الشيطان.