- د. رشاد البيومي: المنظومة التعليمية في حاجة إلى تغيير شامل
- د. أحمد دياب: لن يحدث شيء في ظلِّ مناخ استبدادي
- د. سيد دسوقي: المواد العلمية يجب تطويرها
- د. أحمد فؤاد باشا: الرؤية أساس العملية التعليمية
تحقيق: الزهراء عامر
عندما يضرب الفساد بجذوره داخل المنظومة التعليمية فإن الأمر يحتاج لوقفة طويلة، ولنظرة أوسع للإصلاح، فالتلاعب بهذا الملف الحيوي بمثابة سرقة لمستقبل الأمة، وتلويث لتاريخها، وتدمير لعقول شبابها!
وفي الوقت الذي تشهد فيه دول العالم المختلفة نهضة في شتي المجالات، فإن المنظومة التعليمية في مصر ما زالت تعاني من مشكلات العصور الوسطى؛ حيث الكم يسبق الكيف، والاهتمام بالشكل يفوق العناية بالمضمون!
وبعد أيام قليلة من بداية العام الدراسي الجديد يبقى التساؤل الرئيسي على ألسنة الكثيرين هو: كيف يتخلص التعليم المصري من مشكلاته المختلفة؟ وكيف يمكن وضع أجندة للارتقاء به وتطويره؟ وهو ما نحاول الإجابة عنه في سطور التحقيق التالي:
التعليم من ذهب
![]() |
|
د. رشاد البيومي |
ويضيف أنه لا بد من تطوير الدراسات العملية، وابتكار وسائل تعليمية عالية المستوى، بجانب تطوير الأماكن الخاصة بالتعليم، مؤكدًا أن الكثير من المدارس لا ترقى بمستوى التعليم، فهي بمثابة "أحواش للحيوانات"- على حدِّ قوله.
ويشدد على أهمية دور الطالب في تطوير العملية قائلاً: إنه لا بد أن يفهم أنه يذهب للمدرسة لكي يتعلم، وأن هذا وقت ذهبي لا يعوض، وهو ما يتطلب من عناصر المنظومة الأخرى إشعاره بمدى جدية الأمر.
وينتقد بشدة ضعف الإنفاق الحكومي على التعليم، مقارنة بالميزانية التي تُنفق على وزارة الداخلية.
ضلوع العملية التعليمية
د. حلمي القاعود
ويرى الدكتور حلمي القاعود أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة طنطا أن هناك دراسات ومؤتمرات وندوات عديدة تم تنظيمها على مدى الثلاثة عقود الماضية، وتحدث الخبراء والمختصون خلالها عن كيفية تطوير التعليم، كما وضعوا الأسس العلمية لذلك، ولكن الدولة لم تُع هذا كله اعتبارًا ولم تحاول أن تأخذ منه شيئًا.

ويضيف أن العملية التعليمية ترتكز على أكثر من ضلع أساسي يجب تطويرهم جميعًا وهم: المعلم، والطالب، والمنهج، موضحًا أن المدرس لم يعد بالصورة القديمة التي ساهمت في تنشئة وتكوين أجيال كثيرة، فبعد أن كان هو أساس التربية والنهضة، أصبح الآن يقضي وقته في المدرسة بأقصى سرعة ممكنة حتى يذهب لعمله الإضافي سواء كان الدروس الخصوصية أو أي حرفة أخرى.
ويؤكد أن عدم التفرغ للمدرسة أو الجامعة مؤشر على أن هذه المهنة أصبحت بالنسبة للكثيرين غير مجدية، وخاصة مع تدني المرتبات لحدٍّ لا تليق بمربي الأجيال الذي أصبح اليوم يلهث وراء توفير احتياجاته الأساسية.
ويستطرد قائلاً: إن الخلل وصل إلى إعداد المعلم للعملية التعليمية؛ حيث أصبح هذا الأمر عشوائيًّا وغير منضبط، وللأسف الشديد أثبتت كلية التربية فشلها في القيام بهذا الدور، ولهذا يجب العودة للنظام القديم الذي يقتصر فيه تدريس المواد التربوية على عامين فقط، بحيث يلتحق به الفائقون من كلية الآداب ودار العلوم.
وفيما يتعلق بالطالب، يشدِّد على أنه يعيش هو الآخر في جوٍّ مجتمعي تتفشى فيه كل مفاهيم الفهلوة ومعاني التساهل، كما يعتبر الإعلام المثل الأعلى له؛ حيث يلعب دورًا كبيرًا في تشكيله، في الوقت الذي يغيب فيه الهدف الأسمى والغاية الكبرى، وفي ظلِّ هذا كله لا يمكن أن نجد اهتمامًا بالبحث العلمي والتفوق.
ويكمل أن المناهج التعليمية لا تؤهل الطالب لكسب المعرفة، بالإضافة إلى أنها تعادي الهوية الإسلامية، والدليل أن الكثير من أبنائنا اليوم ليس لديه فكرة عن دينه أو تاريخه أو ثقافة بلاده، كما يتعرض التعليم لعملية تغريب واسعة، خاصة بعد انتشار المدارس الأجنبية الطائفية بشكل واسع في مصر.
ويلفت النظر إلى أن القرارات التي يتخذها المسئولون تعتبر تخبطًا وتعبيرًا عن خلل فظيع في العملية التعليمية وفي القيادات القائمة عليها في الكثير من الأحيان، ويكفي أن طلاب الثانوية العامة لا يحضرون إلى المدرسة!
ويتهكم من وضع أسلاك شائكة على أسوار المدارس، معتبرًا ذلك عيبًا في حقِّ التعليم المصري؛ لأن هذا الأمر لا يوجد في أي دولة في العالم، فبدلاً من أن تصبح أماكن جاذبة للطلاب أصبحت طاردة لهم.
ويصف التعليم في مصر بالفاسد والمتخبط، مؤكدًا أنه لكي يرتقي لا بد أن يؤتى بمعلم جيد، ومجتمع يهيئ الطالب للتلقي، ومنهج يعبر عن هوية.
إهمال العلماء
ويتساءل إبراهيم عوض الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس: هل الأمة لديها رغبة حقيقية في التعليم؟، وهل المجتمع مهيأ لذلك؟ وما هو العائد من المنظومة الحالية؟ ويوضح أن كل المناهج والمقررات ليس لها أي مردود عملي؛ لأن المجتمع الآن لا ينشغل إلا بفئات محددة هي الفنانون ولاعبو الكرة، الذين يتحدث الكل عن إنجازاتهم وأعمالهم، أما العلماء فلا أحد يذكرهم، وهو ما جعلهم قدوة للكثير من أبنائنا الذين أهملوا التحصيل والسعي للتفوق.
ويلفت النظر إلى أن الأمة الإسلامية أمرت بالقراءة والعلم في أول آية نزلت على النبي صلي الله عليه وسلم وهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾ (العلق)، وبالعمل في قوله ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (التوبة)، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة"، ومع هذا وكل الأوامر الإلهية والنبوية للعلم والعمل تأتي هذه الأمة في ذيل الأمم.
ويبين أن من عوامل تأخر مجتمعنا هو أن الطالب أو الدارس لا يرى شيئًا في آخر الطريق يبعث على الأمل والتفاؤل، وهذا الأمر ضروري حتى يكابد ويكافح من أجل تحقيق أحلامه ورسم معالم مستقبله، كما أن ثقافة القراءة تكاد تكون معدومة، فضلاً عن أن مسئولي الدولة الكبار لا يُقَرِّبُون لديهم العلماء، ولا يأخذون بآرائهم ولا يهتمون إلا بالفنانين.
ويُحَمِّل الاستبداد السياسي المسئولية الكاملة عن تدهور العملية التعليمية والزيادة الكبيرة في أعداد الأميين في البلاد.
خطة واضحة
أحمد دياب
ويشدد أحمد دياب الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب على أن حال التعليم لا يمكن أن يتم إصلاحه إلا في ظل رؤية واضحة يتم خلالها تحديد المواصفات المطلوبة حتى لا يظل هذا المجال بالغ الحيوية حقل تجارب لكل وزير يأتي!

ويطالب بالاستعانة بمجموعة من التربويين المتخصصين في وضع هذه الخطة، بجانب مشاركة المجتمع المدني وأولياء أمور الطلاب؛ لأن العملية التعليمية ليست بمعزل عن الواقع التي تتم فيه.
ويرى أن المناخ العام الذي تتم فيه العملية التعليمية لا يمكن أن يكون صحيًّا في ظلِّ نظام لا يؤمن بالحرية ولا بالقيم الديمقراطية والمشاركة والعدالة ومكافأة المحسن ومعاقبة المسيء.
ويبين أن التعليم جزءٌ من منظومة متكاملة يجب أن يتم إصلاح عناصرها، فالمدرس الخائف الذي يأتيه أمر من مخبر في أمن الدولة ماذا سيُعَلِّم؟ والمناخ الذي لا تأمن فيه طالبة أن تكتب موضوعًا تعبيريًّا وتبدي رأيها فيه بكلِّ حرية كيف تتطور؟، مشددًا على ضرورة وجود مناخ سياسي يتمتع بالإيمان بقيم الحرية والإبداع والمشاركة والتعددية لإعداد خطة إنقاذ شامل للتعليم.
ويدعو إلى توفير ميزانية حقيقية كافية ليتم إنفاقها بشكل فعلي على التعليم، فضلاً عن متابعة تنفيذ هذه الرؤية وتطبيقها على أرض الواقع، بعيدًا عن الإجراءات الأمنية التي يقوم بها بعض المسئولين في الوقت الراهن.
ويوضح أنه إذا قارنا التعليم المصري بنظيره في الدول الأوروبية فسنجد الفارق كبيرًا جدًّا، فهم يهتمون بهذا المجال؛ لأنه أساس النهضة، ومن عشرات السنوات تجتمع لجنة على مستوى قومي لديهم، وإذا علمت بنقص أو خلل في المنظومة التعليمية تدق ناقوس الخطر، فمثلاً عندما وصل الروس إلى الفضاء شكَّلت الولايات المتحدة لجنة وكتبت تقريرها بعنوان "الأمة في خطر".
وينهي كلامه ملخصًا خطوات تطوير التعليم في ضرورة توفير مناخ صحي، بجانب عدم التدخل الأمني في شئون الجامعة، ووجود إنفاق حقيقي على البحث العلمي، فضلاً عن تعيين القيادات يجب أن يكون في ظلِّ اللاحزبية وكل ذلك تحت مظلة ماذا نريد؟.
تقنية التعليم
ويصف الدكتور سيد الدسوقي حسن أستاذ هندسة طيران بجامعة القاهرة التعليم بأنه أداة المجتمع لتحقيق أمرين، الأول: يتعلق ببث الأشواق الحضارية والنماذج الثقافية للمجتمع في أفئدة الناس، والثاني: بإعداد الأفراد علميًّا لتقبل البرامج التدريبية على المهن والحرف والنشاطات المتعلقة بالعمران.
ويشير إلى أن العملية التعليمية تفتقد أمرين: الأول: الوجهة والقصد الثقافي والتنموي، والثاني: المؤسسات التدريبية التي تأخذ بأيدي الناس على تعلم نشاطات حياتية، موضحًا أن الأصل في الأشياء هو التدريب.
ويؤكد أن عملية تطوير التعليم يجب أن تخضع إلى فلسفة كلية تحدد الأهداف الرئيسية من المنظومة، بشرط ألا يكون هذا في إطار الاستجابة لاحتياجات سوق العمل، خاصة أننا نعاني من خلل كبير يتمثل في أزمة بطالة طاحنة لا يمكن الخروج منها إلا بالعمل في اتجاه التنمية الشاملة بأضلاعها المختلفة.
ويطالب بضرورة العمل بنظام "المدرسة الشاملة"؛ حيث إن تقنية التعليم فيها تسمح بقدر كبير من الحرية الدراسية، فيما يتعلق بالمواد التقنية وكمياتها مقارنة بالمواد الإنسانية الأخرى، ولتحقيق هذا لا بد من مشروع لتوصيف الحِرَف والمهارات توصيفًا يتناسب مع قدرات الطلاب وينمو معهم.
ويضيف: يجب العمل على تقنية التعليم بحيث يزداد الجزء التقني، ثم يليه الجانب التصميمي والتعليمي بنسب ملائمة لأوضاعنا الخاصة في هذه المرحلة التعليمية.
ويلفت النظر إلى أن أوضاع الجامعات المصرية تحتاج لإعادة النظر فيها بصورة جادة، في ظل ما تشهده من أحوال متردية لأعضاء هيئة التدريس من الناحية المادية، علاوة على جوانب الرعاية الاجتماعية والصحية الشاملة، حتى يمكنهم أن يتفرغوا لأداء رسالتهم الهامة.
ويؤكد أن العمل الطلابي في الجامعات يحتاج إلى الكثير من التفعيل وإعادة الروح إليه بعد أن وصل تقريبًا إلى حالة التجمد نتيجة للوائح والتدخلات الخارجية، كما يحتاج الأمر لاستعادة العلاقة القوية بين الأستاذ والطالب.
قتل الابتكار
ويتفق معه د. حسني السيد أستاذ التربية بجامعة عين شمس قائلاً: إن التعليم المصري بحاجة إلى إدارة جيدة ومخلصة ووطنية واعية بفلسفته ومستقبل هذا الوطن وقيمته العظيمة التي أهدرها الكثيرون خلال الثلاثة عقود الماضية، وتسعى لتطبيق تلك المفاهيم ولا تتبع وزيرًا معينًا.
ويشير إلى أن القائمين على العملية التعليمية لم يعطوا للتعليم حقه، وبفضلهم أهدرت قيمته التي تؤثر وتبني المجتمع، مضيفًا أنه في عام 1930م كان يتم تدريس كتاب التربية الوطنية لعبد العزيز البشري بالمرحلة الابتدائية، أما الآن فيجد أبناؤنا أن الكيان الصهيوني جار لمصر في الخريطة!
ويشدد على أن الإساءة للتعليم هي التي جعلتنا لا نخرج قيادات قادرة على إدارة هذا الوطن، ومن ثم أصبحت القيم السائدة في المجتمع هي سرقة البنوك، وغسيل الأموال، والاستيلاء على أراضي الدولة، واستغلال العلاج على نفقة الدولة.
ويضيف: وبفضل هذه المنظومة فإن ما يقرب من 25% من طلبة المرحلة الإعدادية لا يعرفون القراءة والكتابة، بجانب إهدار المنح والقروض منذ 20 عامًا، متسائلاً: عن العائد من هذه القروض، ونتائج الشعارات التي يرفعها هؤلاء المسئولون؟.
ويستكمل حديثة قائلاً: "حينما كنا ننتقد سياسة الدكتور يسري الجمل في التعليم، كانوا يهاجموننا ويقولون إننا لا ننظر إلا لنصف الكوب الفارغ، وبعد مرور 5 سنوات أثبت الوقت صحة كلامنا، فهل سننتظر 5 سنوات أخرى حتى يعرفوا خطورة ما يجري الآن؟!.
ويرى أن التعليم لدينا بالمقارنة بدول بسيطة مثل سنغافورة والصين وكوريا الجنوبية والبرازيل وماليزيا، يبدو متخلفًا إلى حدٍّ كبير.
بروفا للتقدم
ويوضح أحمد فؤاد باشا أستاذ الفيزياء المتفرغ بكلية العلوم جامعة القاهرة أن العملية التعليمية تتألف من مجموعة من العناصر الأساسية التي يُطلق عليها مصطلح "الميمات الخمسة" وتشمل المدرس أو المُحَاضر، والمدرسة، والمتعلم نفسه، والمنهج، ويضاف إليهم المجتمع؛ لأن ثقافته لا بد أن تحتضن هذه العملية التعليمية، ويستبعد إصلاح مثل هذه العناصر في إطار عدم وجود رؤية كاملة، وهو ما أوصلنا لمرحلة سيئة للغاية.
ويرى أن إصلاح التعليم ليس أمرًا هينًا، ويحتاج إلى عقد مؤتمرات وكتابة مجلدات، ولكن أساس ذلك أن تتوافر النية الصادقة والإرادة القوية إلى الإصلاح، وفي غيابها لن يحدث أي شيء.
ويعتبر التجارب الناجحة التي أثبتت تفوقًا غير مسبوق في العلم والحضارة بمثابة "بروفة" يمكن أن تسير على خطاها الأجيال؛ ولكننا نحتاج إلى أناس يعملون بالفعل لخدمة وطنهم والارتقاء به في كل المجالات.
ويضيف أن الإعمار الحضاري يعتمد في الأساس على العلم، بحيث نستطيع أن نشارك في حضارة العصر، موضحًا أن التفوق فريضة واجبة، ولكنها ما زالت غائبة.
ويتساءل: أين هذه الفريضة في وجدان أبناء الأمة؟، وأين برامج الإصلاح والأحزاب المختلفة من تطوير التعليم؟، وأين رجال الأعمال الذين ظهر نجمهم في السنوات القليلة الماضية، وحصلوا على ثروات طائلة؟ فهؤلاء هم محسبون على هذا الوطن، ونريد إسهامهم في التطوير؟.
ويؤكد أن الوجدان والفكر والرؤية المتكاملة هم أساس العملية التعليمية قبل إعداد المباني للدراسة، فضلاً عن مساهمة أولي العزم من العلماء في التطوير، بجانب مشاركة المواد الثقافية لترويج هذه الرؤية سواء على مستوى الإعلام المرئي أو المسموع.
ويُعرب عن أسفه مما آل إليه التعليم قائلاً: إنه من الخطأ أن يخضع لردود أفعال فردية قد تصيب بعضها وقد تخطأ كثيرًا الفرد، حتى أصبحنا وكأننا نكتشف التعليم لأول مرة في حياتنا.
