أمر الله عزَّ وجلَّ عباده أن يتابعوا بين أعمال الطاعة والخير عملاً بعد آخر، فكان الأمر من الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)﴾ (الشرح)، فبعد الانتهاء من الصلوات المكتوبة هناك النوافل، وبعد الفراغ من فريضة الحج يأتي ذكر الله كثيرًا ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: من الآية 200).
فها هي أيام رمضان قد انقضت، ولياليه قد تولت... انقضى رمضان شهر الصيام والقيام، شهر المغفرة والرحمة... انقضى رمضان وفي قلوب الصالحين لوعة، وفي نفوس الأبرار حرقة.
وكيف لا يكون ذلك؛ وها هي أبواب الجنان تغلق، وأبواب النار تفتح، ومردة الجن تُطلق بعد رمضان.
انقضى رمضان، فيا ليت شعري من المقبول فنُهنِّيه؟ ومن المطرود فنعزيه؟.
اللهم لك الحمد على أن بلغتنا شهر رمضان، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وأحسن لنا الختام، اللهم اجبر كسرنا على فراق شهرنا، وأعده علينا أعوامًا عديدةً، وأزمنة مديدة، واجعله شاهدًا لنا لا علينا، اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النار، واجعلنا فيه من المقبولين الفائزين.
ولعله بفضل الله وتوفيقه تَقدَّم كلُّ فرد منا خطوات في سيره إلى الله جل وعلا ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)﴾ (الذاريات).
ومن بعض العلامات على الطريق:
العلامة الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ها نحن ودَّعنا رمضان المبارك... نهاره الجميل ولياليه العطرة... فماذا جنينا من ثماره اليانعة, وظلاله الوارفة؟!
هل تحققنا بالتقوى... وتخرجنا من مدرسة رمضان بشهادة المتقين؟!
هل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة, وعن المعصية؟!
هل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه؟!
هل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها؟!
العلامة الثانية: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ (البقرة).
علينا بالإكثار من ذكر الله تعالى والاستغفار... فإنه ختام الأعمال الصالحة, (كالصلاة, والحج, والمجالس), وكذلك يُختم الصيامُ بكثرة الاستغفار.
أكثروا من شكر الله تعالى أن وفقكم لصيامه وقيامه، فإن الله عزَّ وجلَّ قال في آخر آية الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ (البقرة).
والشكر ليس باللسان وإنما بالقلب والأقوال والأعمال، وعدم الإدبار بعد الإقبال.
العلامة الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)﴾ (المؤمنون)
إن الفائزين في رمضان كانوا في نهارهم صائمين, وفي ليلهم ساجدين, ويبكون بكاء خشوع, وفي الغروب والأسحار تسبيح, وتهليل, وذكر, واستغفار, ما تركوا بابًا من أبواب الخير إلا ولجوه, ولكنهم مع ذلك, قلوبهم وجلة وخائفة!!
لا يدرون هل قُبلت أعمالهم أم لم تقُبل؟ وهل كانت خالصة لوجه الله أم لا؟
فلقد كان السلف الصالح يحملون هّم قبول العمل أكثر من العمل؛ هذه هي صفة من أوصاف المؤمنين أي يعطون العطاء من زكاةٍ وصدقة، ويتقربون بأنواع القربات من أفعال الخير والبر، وهم يخافون أن لا تقبل منهم أعمالهم، فمن منا أشغله هذا الهاجس!! قبول العمل أو رده في هذه الأيام؟ ومن منَّا لهج لسانه بالدعاء أن يتقبل الله منه رمضان؟
فلقد كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان, ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم، نسأل الله أن نكون من هؤلاء الفائزين.
من علامات قبول العمل:
1) الحسنه بعد الحسنه، فإتيان المسلمون بعد رمضان بالطاعات والقُربات والمحافظة عليها، دليل على رضى الله عن العبد, وإذا رضي الله عن العبد وفَّقه إلى عمل الطاعة وترك المعصية.
2) انشراح الصدر للعبادة، والشعور بلذة الطاعة وحلاوة الإيمان, والفرح بتقديم الخير؛ حيث إن المؤمن هو الذي تسره حسنته وتسوءه سيئته.
3) التوبة من الذنوب الماضية من أعظم العلامات الدالة على رضى الله تعالى.
4) الخوف من عدم قبول الأعمال في هذا الشهر الكريم ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)﴾ (المائدة ).
5) الغيرة للدين والغضب إذا أنتُهكت حُرمات الله، والعمل للإسلام بحرارة, وبذل الجهد والمال في الدعوة إلى الله؛ ومن علامات ذلك الشعور بأخوة الدين ورابطة العقيدة، وهي تنعكس في الفرح بقضاء حوائج المسلمين، والدعاء بأن ينصر الله الإسلام ويعز المسلمين، وأن ينصر المجاهدين في كل مكان؛ والغيرة على دين الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الشفقة والرحمة بالمسلمين وحب الخير لهم.
العلامة الربعة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (النحل: من الآية 92).
الأحبة في الله: إن كنتم ممن استفاد من رمضان... وتحققت فيكم صفات المتقين... فصُمتم حقًّا... وقُمتم صدقًا... واجتهدتُم في مجاهدة أنفسكم فيه... فاحمدوا الله واشكروه، واسألوه الثبات على ذلك حتى الممات.
وإياكم ثم إياكم... من نقض الغزل بعد غزله... إياكم والمعاصي والذنوب, وترك الطاعات والأعمال الصالحة؛ إن الصائم الحقيقي.. يفرح يوم فطرة، ويحمد ويشكر ربه على إتمام الصيام، ومع ذلك يبكي خوفًا من ألا يتقبل الله منه صيامه، كما كان السلف يبكون ستة أشهر بعد رمضان.. يسألون الله القبول.
العلامة الخامسة: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾ (الحجر).
هكذا يجب أن يكون العبد... مستمرًا على طاعة الله, ثابتا على شرعه, مستقيمًا على دينه... قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾ (هود).
والآن بعد انتهاء صيام رمضان... فهناك صيام النوافل: كالستة من شوال, والإثنين والخميس, وعاشوراء, وعرفة، وغيرها.
والآن بعد انتهاء قيام رمضان, فقيام الليل مشروع في كل ليلة: وهو سنة مؤكدة حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها بقوله: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم مطردة للداء عن الجسد". رواه الترمذي وأحمد.
والآن بعد أن انتهت زكاة الفطر, فهناك الزكاة المفروضة, وهناك أبواب للصدقه والتطوع والجهاد كثيرة، وقراءة القرآن وتدبره ليست خاصه برمضان، بل هي في كلِّ وقت.
وهكذا... فالأعمال الصالحة في كل وقت وكل زمان، فاجتهدوا في الطاعات، وإياكم والكسل والفتور.
ومن الوسائل المعينة على المداومة على الطاعة:
1- إخلاص النية والصدق في طاعة الله عزَّ وجلَّ "ومن يتحرى الخير يعطه"
2- الدعاء والاستعانة بالله عزَّ وجلَّ "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"
3- الاستفادة بالوقت وتنظيمه، والحرص على عدم ضياعه "ما ندمت على شيء ندمي على يوم مرَّ نقص فيه عمري ولم يزد فيه عملي".
العلامة السادسة والأخيرة: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)﴾ (المدثر)
الأحبة في الله: إياكم والعجب والغرور بعد رمضان! ربما حدثتكم أنفسكم أن لديكم رصيدًا كبيرًا من الحسنات، أو أن ذنوبكم قد غُفرت، فرجعتم كيوم ولدتكم أمهاتكم، فما زال الشيطان يغريكم والنفس تلهيكم حتى تكثروا من المعاصي والذنوب، ربما تعجبكم أنفسكم فيما قدمتموه خلال رمضان... فإياكم ثم إياكم والإدلال على الله بالعمل, فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)﴾ (المدثر)، فلا تَمُنّ على الله بما قدمتم وعملتم، ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)﴾ (الزمر).
فاحذروا من مفسدات العمل الخفية، من النفاق والرياء والعجب.
اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد؛ ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك... اللهم آمين.
------------------
* مسئول المكتب الإداري للإخوان المسلمين في محافظة أسيوط.