- المواطنون لا يثقون فيها ومعظمها تجارب فاشلة
- د. محمود عبد الحي: القائمون على الخطوط غير مؤهلين
- د. بسيوني حمادة: ثقافة الخط الساخن لا يمتلكها المجتمع
- د. مجدي قرقر: مجرد شو إعلامي والبيروقراطية مستمرة
تحقيق: يارا نجاتي
على غرار أرقام المطاعم والصيدليات والتوكيلات أصبح إدخال خدمات الخط الساخن "موضة" الوزارات والهيئات الحكومية في مصر؛ حيث تتسابق المؤسسات الحكومية الآن في الإعلان عن الخط الساخن التابع لها، وكان آخرها الإعلان عن بدء تشغيل الخط الساخن رقم "19468" لتلقي شكاوى المواطنين من أي فساد إداري داخل الأجهزة الحكومية التابع لهيئة النيابة الإدارية، ولم نرَ حتى الآن أي إعلان عن الخط الجديد، سواء في الصحف أو التليفزيون أو الإذاعة لتعريف المواطنين به.
كما تقدِّم وزارة الدولة للأسرة والسكان وحدها الكثير من الخطوط الساخنة كخط المشورة الأسرية، وخط نجدة الطفل، وخط الأطفال ذوي الإعاقة، وخط للزواج المبكر، هذا إلى جانب الخط الساخن لعلاج الإدمان.
بالإضافة إلى الخط ساخن للابلاغ عن مخالفات البناء بالقاهرة، والخط الساخن لشركة المياه في القاهرة الكبرى، وخط شركة الكهرباء، والخط المخصص لمشكلات الصرف الصحي، فضلاً عن الهيئة العامة للنظافة وتجميل بالقاهرة التي توفِّر عشرات الأرقام للخطوط الخاصة لكل منطقة.
ولم تخرج مصلحة الضرائب من السباق، فقدمت الخط الساخن للردِّ على الاستفسارات الخاصة بالمصلحة، بجانب وزارة التربية والتعليم، وغيرها الكثير من الخطوط الساخنة التي لم تعد تخلو أية مؤسسة منها.
ذلك العدد الضخم من الخطوط الساخنة للإبلاغ عن المشكلات أثار الشكوك في نوايا الحكومة الحقيقية من ورائها، وإن كانت خطوة حقيقية على طريق إصلاح الفساد المستشري في مصر.
ثقافة
تقول صفاء حفني (محاسبة) إنها لا تحفظ أيًّا من أرقام الخطوط الساخنة؛ نظرًا لكثرتها، وأضافت أنها اتصلت يومًا بالخط الساخن لشركة المياه (110)، على الرغم من أن الرقم الصحيح هو (125)، إلا أنها لم تتلقَّ المساعدة اللازمة في مشكلتها.

وتضيف أن استخدام الخطوط الساخنة للهيئات والشركات المختلفة لا يتماشى مع طبيعة الشعب المصري، الذي يفتقد الكثير من ثقافة الحرية التي يحتاجها التعوُّد على مثل تلك الأفعال.
وتضرب المثل بخط (نجدة الطفل) فتقول إنها لن تتمكن من الإبلاغ عن أية إساءة تراها من أحد الأبوين تجاه أطفالهم؛ لأن الكلمة الأولى التي سيقولها أي شخص (وانت مالك؟!!).
وعلمت سميرة عبد الله (موظفة بالأرشيف) عن خدمة الخط الساخن من خلال بعض الإعلانات في التليفزيون، لكنها تؤكد أنها لم تتصل بأحدها يومًا أو تفكر بذلك؛ نظرًا لعدم ثقتها بقدرتهم على تقديم أي مساعدة للمشكلات التي تواجهها.
وتشير إلى أنها تعرضت أكثر من مرة لمشكلات احتاجت إلى الشرطة، إلا أنها اتصلت كثيرًا ولم يأتِ أحد، قائلةً: "إذا البوليس لم يأتِ، يبقى أي شركة أخرى لن ترد من الأساس".
الرغبة
ويروي علي بسيوني (مهندس مدني) تجربته مع خط المرأة، فيقول: "اتصلت زوجتي بالخط عندما حدثت لها مشكلة في عملها، وطلبوا منها الذهاب إلى مكتبهم، وتقدمت بشكوى مكتوبة فعلاً"، مضيفًا: وحتى الآن لم يحصل تقدم في مشكلتها.
ويقول إن ذلك التصرف دفعه إلى التأكد من رغبته في الابتعاد عن التعامل مع الحكومة، مضيفًا أن تلك الخطوط الساخنة لن تكون ذات فائدة للمواطنين؛ لأن الشكوى لن تفيد في حل المشكلات، قائلاً إن المشكلات لن تُحل إلا عندما ترغب الحكومة في إصلاحها.
ولا تعرف نهاد عبد السميع (موظفة بمجلس الشعب) شيئًا عن الخطوط الساخنة لأيٍّ من الجهات أو الشركات الحكومية، وتتلخَّص علاقتها بالخطوط الساخنة في الأرقام المختصرة للصيدلية، أو إعلانات المسابقات التي تُعرض ليلاً ونهارًا في التليفزيون.
وتشير عواطف فتحي (موظفة بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية) إلى أنها سمعت عن الخطوط الساخنة من بعض جيرانها من خلال الإعلانات، وقالت إنها صارت تسمع يوميًّا عن خط جديد للهيئات الحكومية.
وتبين أن الخط الوحيد الذي جربت استخدامه هو خط جريدة (الجمهورية) 139؛ نظرًا لتجارب أقاربها السابقة الناجحة مع الخط.
وعن الخط الساخن لشركة المياه تؤكد أنها مرت بمشكلة في انقطاع المياه لعدة أيام متتالية، إلا أنها اتصلت بذلك الخط وتلقَّوا مشكلتها لكنهم لم يحلوها مطلقًا، وظل الانقطاع مستمرًّا عدة أيام بعد إبلاغها خلال الخط الساخن.
رشى
![]() |
وتضيف: وبعد فترة من الاتصال واليأس، غيَّرت رأيي لما سمعته من زميلاتي في العمل عن الأماكن التي يحجز الشباب بها، من دفع رشى للحصول على المخدِّر داخل المصحات التابعة لخط الإدمان.
وتقتصر علاقة عبد الحميد عبد التواب (اختصاصي بشركة النيل للنقل) بالخطوط الساخنة على أرقام خدمة شركات الأجهزة الكهربائية؛ حيث يحتفظ بالضمانات والأوراق الخاصة بكل ما يقوم بشرائه ويلجأ إليها عند حدوث مشكلة.
وفي تجربة قام بها (إخوان أون لاين) اتصلنا بخط نجدة الطفل 16000 للإبلاغ عن عنف ضد الأطفال، أكد الموظف أن الخطوات المتبعة هي بالتحدث إلى الآباء، وإرسالهم إلى جمعية ليتحدث معهم الطبيب النفسي وإن لم يقتنعوا يتم إبلاغ الداخلية لحبسهم، لكنه أكد أن ذلك لن يتم سوى بعد الحصول على اسم الوالدين الثلاثي ورقم التليفون.
الوجاهة
ويفسر الدكتور بسيوني حمادة، أستاذ الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة، عزوف المواطنين المصريين بميل الشعب المصري للاتصال الشخصي والطرق التقليدية في الاتصال عن التواصل الإلكتروني من خلال التليفونات، حيث يفضل المصري تبادل الأفكار والمشاعر ويحاول العثور على الثقة التي يفتقدها التليفون.
ويرى أن إعلان الهيئات والوزارات المختلفة عن الخطوط الساخنة فى هذه الأيام لا يتعدى كونه من قبيل الوجاهة، ومحاولة للايحاء بالشفافية، واقناع الناس بالقدرة على الاستجابة، في الوقت الذي لم تستعد في تلك الجهات لذلك، أو تأخذها مأخذًا جديًّا، موضحًا أن الأجهزة الحكومية نادرًا ما تفكر في حل المشكلات الحقيقية عن طريق التليفون.
ويوضح أنه عندما ترتبط المشكلة بإحدى القضايا العامة يكون هناك جدول زمني محدد لحل المشكلات، ومن يقومون بالرد على تلك الخطوط الساخنة لا يمتلكون المعلومات الكافية للإجابة عن المتصل وطمأنته بإجابات وافية ومحددة، مشيرًا إلى أن الكثير من حالات عزوف المواطن عن الاتصال بالخط الساخن، على الرغم من معاناته من مشكلة طارئة يعود إلى فشل التجارب السابقة، سواء للشخص أو للمحيطين به؛ حيث يفقد الناس الكثيرين في الحصول على نتائج من الاتصال.
ويعدُّ الخط الساخن امتدادًا طبيعيًّا لمفهوم الحكومة الإلكترونية، إلا أنه ثقافة لا تنتشر بين عامة الشعب المصري، بل تنحصر في الأكثر تعليمًا، مؤكدًا أن حدوث تغيير في ثقافة المصريين تجاه الخطوط الساخنة يحتاج إلى مزيد من الإيجابية والتفاعل من الطرف الآخر، إلى جانب الثقة في سرية المعلومات، وبساطة الإجراءات ويسرها.
ويقول إن أهم شيء هو الحصول على نتائج ملموسة من خلال الاتصال بالخط الساخن، مطالبًا بضرورة دعوة الناس إلى استخدام الإنترنت والتكنولوجيا في الوصول إلى حلول لمشكلاتهم.
السرعة
ويوضح الدكتور محمد عبد الحي، المدير السابق للمعهد القومي للتخطيط، أن انتشار الخطوط الساخنة في المؤسسات الحكومية يعطي انطباعًا أن أي طريق آخر غير الخط لن يلقى الاهتمام، قائلاً إنها بمثابة دعاية غير جدية للمؤسسات المختلفة؛ حيث تسعى المؤسسة التي تعلن عن خط ساخن للشكاوى إلى (المنظرة) بدون وجود نية حقيقية لمواجهة الفساد.
ويضيف أن الخط الساخن لا بد أن يقتصر على الخدمات الطارئة، كالشرطة والإسعاف والمطافي، واصفًا الخطوط الساخنة في المؤسسات الحكومية بأنها مجرد خداع للمواطنين، قائلاً إن المؤسسات لم توفر نظامًا متكاملاً لها قبل إطلاقها، مثل تدريب الموظفين القائمة عليه؛ حيث إنهم يكونون مجرد موظفين يكتبون الشكاوى، ولا يفيدون المتصل، مؤكدًا أن الخطوط الساخنة تحتاج إلى أشخاص لديهم رغبة حقيقية في خدمة المتصل، كما أن القائمين على تلك الخطوط لم يحضروا لنظام محدد للاستجابة لشكاوى المتصلين.
ويؤكد أن الإقبال بالخط الساخن يحتاج إلى تغيير كامل في ثقافة الشعب المصري، وتحتاج إلى التدريب الطويل على كل المستويات، مستنكرًا من بعض الاستجابات الغريبة التي يقوم بها القائمون على الخطوط الساخن، ضاربًا المثل بما حدث معه عندما جاءته مكالمة (معاكسة من سكران) قبيل الفجر، فقام بإبلاغ شرطة الاتصالات إلا أنه فوجئ بالطلب الغريب، وهو الموافقة على مراقبة كل المكالمات الواردة إليه، على الرغم من أنه يعلم رقم المتصل وقدمه لهم.
ويعجب من كثرة الأرقام التي أصبح مستحيلاً معها حفظ أحدها، موضحًا أن الدول الغربية التي أدخلت تلك الخدمة منذ سنوات وتعمل لديها بكفاءة تقتصر فيها الخطوط الساخنة لخدمة المواطنين على رقمين أو ثلاثة على الأكثر، يقومون بالاتصال بالجهات المختلفة وفقًا لطبيعة مشكلة المتصل.
ويشدِّد على أن تقديم الخدمات للمواطنين من خلال الخطوط الساخنة يحتاج إلى تنظيم وسرعة في الاستجابة، وتأهيل كامل للمجتمع.
أولويات غائبة
د. مجدي قرقر
ويرى الدكتور مجدي قرقر، الأمين العام المساعد لحزب العمل، أن لجوء الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى إدخال خدمات الخط الساخن إلى نظامها مجرد مواكبة للتطور التكنولوجي المتسارع في مجال الاتصالات، ولا يرتقي إلى الرغبة الحقيقية في مواجهة الفساد، مضيفًا أن الحكومة تدَّعي أنها ذكية؛ لذلك تحاول اللجوء إلى الخطوط الساخنة والبطاقات الذكية.

ويستطرد: وعلى النقيض لم تفكر الحكومة في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، قائلاً إن المواطن لا يحتاج إلى خط ساخن لحل مشكلاته، بل هو في حاجة إلى المسكن والمأكل والملبس، والتأمين الصحي، والتعليم.
ويؤكد أن الحكومة عجزت عن القيام بتلك المهام الرئيسية لها، وتلجأ إلى الخطوط الساخنة كنوع من (الشو الإعلامي) مع استمرار البيروقراطية وتفشيها داخل مؤسسات الدولة، مشددًا على أن الحكومة عليها أن تعيد ترتيب أولوياتها وأولويات الشعب المصري.
ويشير إلى أن عدم انتشار تلك الخطوط الساخنة بين المواطنين هو أكبر دليل على عدم تلبيتها لحاجاتهم، وعلى انتشار الفساد في كل الهيئات الحكومية، موضحًا أن عددًا قليلاً جدًّا هم من يلجأون إلى استخدام تلك الخطوط؛ بسبب بعدها عن اهتمامات وتفكير المواطن البسيط.
