- د. حامد طاهر: اقتراح بتمويل الجامعة من جيوب المواطنين

- د. فاروق إسماعيل: 5 نظم تعليم ولا نخرج مؤهلين إلى السوق

- د. حسن شحاتة: فرصة لغير المتفوقين في تحصيل تعليم عصري

- مصطفى سالم: التعليم مدفوع الأجر ليس ضد مصلحة الفقراء

 

تحقيق- الزهراء عامر:

يتفق خبراء التعليم في مصر على اعتبار السياسات الحكومية هي السبب الأول والأخير في أزماته المتوالية والدائمة، إلا أنهم يختلفون في تقييم خطوات وإجراءات الحكومة التي تدعي إصلاحه وتطويره..

 

وأقرب الإجراءات هو توسُّع وزارة التعليم في الاعتماد على نظام التعليم المفتوح والمميز وحتى الإلكتروني، مع مضاعفة غير مسبوقة بلغت نحو 20 ضعفًا لمصاريف الانتساب الموجَّه، الأمر الذي عدَّه خبراء هو نقل مسئولية تمويل التعليم في مصر من جانب الحكومة إلى كاهل المواطنين، وعدَّه آخرون خطوةً جيدةًً للالتحاق بالنظم العصرية في التعليم التي سبقنا العالم إليها منذ نحو نصف قرن.

 

وكانت وزارة التعليم قد سمحت بقبول خريجي الثانوية العامة في نظام التعليم المفتوح مع الإعفاء من شرط مضي 5 سنوات على تاريخ الشهادة، كما اعتمدت العمل بنظام التعليم المميز داخل الكليات المجانية بمبالغ تصل إلى 16 ألف جنيه، والتوسُّع في نظام التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، في مقابل رفع مصاريف الانتساب إلى 8 آلاف جنيه.

 

وكان الهدف الذي رفعته الحكومة للتعليم المفتوح قبل عشرات السنين هو إتاحة الفرصة لمن فاتتهم المرحلة الجامعية، فتقدم إليهم مستوى تعليميًّا مقبولاً، يزيد من قدراتهم العلمية ويعمق فهمهم للمواد التي يدرسونها سابقًا‏، مقابل مصروفات بنحو ‏1200‏ جنيه في العام، تكون مصدر دخل إضافيًّا للجامعات؛ للرقي بإمكاناتها المادية، وكذلك لزيادة دخل الأساتذة بها.

 

وبالطبع تغير ذلك الهدف مع إلغاء الوزارة شرط مرور 5 سنوات على الحصول على شهادة الثانوية العامة أو الفنية، كما برزت أهداف أخرى للحكومة من وراء تلك النظم التعليمية الخاصة بالجامعات القومية؛ لتطرح أسئلة جديدة حول مسار التعليم الجامعي ووجهته.

 

خطوات الحكومة هل هي للتطوير أم للتأخير؟ وعن قيمة الشهادات الجديدة، ومدى الاعتراف بها؟، وهذا ما طرحناه على الخبراء في التحقيق التالي..

 

مسكنات

يرى الدكتور حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة السابق، أن إجراءات الحكومة السابقة تقصد بها حل مشكلة تمويل التعليم التي تهملها، وعلاج تقصيرها في تخصيص المبالغ التي يستحقَّها بتوفير عوائد مالية كبيرة من التعليم الخاص الحكومي، كأنها تلجأ إلى الطلاب لتمويل التعليم بعد أن فقدت الأمل في رجال الأعمال الذين يبخلون بأرباحهم في مساعدة هذا القطاع، حتى إن الكثير من رجال الأعمال أنشأ جامعات خاصة بمصروفات تصل إلى 50 ألف جنيه في العام الدراسي الواحد.

 

ويؤكد أن التعليم في مصر أصبح مأساةً تجسد إهمال الحكومة الشديد التي تغفل رعايته أدبيًّا وماليًّا، ما انعكس عليه بتدهور أحواله، ابتداءً من تعليم الروضة وحتى الدراسات العليا، رغم كونه حجر الزاوية في تقدُّم نهضة البلاد وريادتها في المنطقة.

 

ويوضح أن ما يفعله وزراء التعليم المتعاقبون هو فقط مجرد إعطاء مسكنات؛ لتخفيف الألم لحظة واحدة، لكن الداء ما زال موجودًا، والأزمات تخنق كل مرحلة من مراحل التعليم في مصر.

 

ويلفت إلى أن نظام الانتساب الموجَّه كان فرصةً للطلاب الذين لم يحصلوا على نفس مجموع الطلاب النظاميين، أو الموظفين غير المتفرغين للتعليم النظامي، وكانت رسومه لا تتجاوز 360 جنيهًا؛ ولذلك رأت الدولة أن تغلق هذا الباب وتفتح المجال أمام التعليم المفتوح، موضحًا أن رفع مصاريف الانتساب من 400 جنيها إلى 8 آلاف جنيه الغرض منه هو عزوف الطلاب عن التعليم بنظام الانتساب، بعد أن فشلت الدولة في إلغاء هذا النظام.

 

ويكشف د. حامد طاهر عن وجود مخالفات مالية في التعليم المفتوح، وأن هناك ملايين من الجنيهات يتم نهبها، والجهاز المركزي للمحاسبات يرصدها، ولكن لا أحد يهتم، منوهًا بأنه كان من المفترض أن يتحول دخل التعليم المفتوح إلى الارتقاء بمستوى التعليم المجاني وهذا لم يحدث حتى الآن.

 

تضارب

ويعتبر د. فاروق إسماعيل رئيس لجنة التعليم بمجلس الشورى ورئيس جامعة القاهرة سابقًا أن التعليم خرج عن مساره الطبيعي إلى مسارات متضاربة‏، بعد القرارات المتعددة التي اتخذت بشأن التعليم المفتوح حتى أصبح بلا حدود أو التزامات.

 

وينتقد وجود أكثر من 5 أنواع من التعليم في الجامعة الواحدة وفي نفس التخصصات، فهناك التعليم النظامي والتعليم بالانتساب الموجَّه وله مصروفات، والتعليم المفتوح،  والتعليم المميز‏,‏ كالمطبق في هندسة القاهرة‏ والتعليم الإلكتروني أو الجامعة الإلكترونية، موضحًا "أن هذا التوسع غير المنطقي يجعل الإنسان يحتار في اختيار الأفضل، وفي النهاية معظم من تخرَّجوا ليسوا مؤهلين لسوق العمل".

 

ويبين د. إسماعيل أن هدف التعليم المفتوح لم يكن أبدًا لاستيعاب الأعداد الزائدة في الثانوية العامة، ولكن لمن كانت ظروفهم صعبة‏، لافتًا إلى أن التعليم المفتوح ليس له حضور إلزامي والدارس فيه قد يحضر يوم الجمعة فقط.

 

ويتابع قائلاً: وبالتالي تنعدم أسس العملية التعليمية، مثل تفاعل العملية التعليمية بين الأستاذ والطالب والتدريبات العملية والمعملية، ما يجعل هذه الدراسة غير مجدية من حيث المستوى، فلا يجد الطالب وسيلةً لتنمية قدراته التعليمية أو حتى الشخصية‏,‏ وتكون الدراسة من أجل الامتحان النظري لا غير‏,‏ وهذا ما يعني أنه ليس تعليمًا متكاملاً‏.‏

 

ويضيف: التعليم اقتصر على مجرد تخريج دفعات دون ارتباط مع فكر السوق المحلية والعلمية، فهذه التعددية غير مبررة بل إن هناك تعارضًا واضحًا بين دراسات التخصص الواحد، وكل يعمل في وادٍ، وفي النهاية لا توجد دراسات جديدة تهدف إليها للتوسع في التعليم المفتوح؛ لأنه لا يزال يركّز على دراسات أدبية في تخصصات التجارة والآداب والزراعة والحقوق وكلية الإعلام وهي منتشرة في معظم الجامعات المصرية.

 

وفيما يتعلق باتجاه كثير من الطلاب نحو التعليم المفتوح يوضح أن السبب هو كون التعليم المفتوح أوفر ‏من حيث المادة وأفضل من حيث الشهادة مقارنة مع الجامعات الخاصة التي تتجاوز مصروفاتها عشرات الآلاف من الجنيهات سنويًّا‏,‏ أما التعليم المفتوح فمصاريفه فقط ‏1200‏ جنيه في العام.

 

ويحذّر من الخسائر الفادحة التي قد تتكبدها الجامعات الخاصة؛ نتيجة ذلك التحول ويضيف: كذلك فإن المعاهد المتوسطة الخاصة سوف تغلق أبوابها‏,‏ لأنه ليس منطقيًّا أن يتجه الطالب إليها بمصروفات عالية‏,‏ في حين أن هناك كليةً متميزةً موجودةً تقبل مجموعه وتعطيه شهادةً أعلى.

 

 ويرى د. فاروق إسماعيل أن التعليم المفتوح يماثل التعليم بالمراسلة ويكون عادة مرفوضًا في سوق العمل؛ لأن تخصصاته غير مطلوبة ودراسته سطحية‏,‏ فالأنظمة المستقرة يجب عدم المساس بها فإذا كان الهدف هو زيادة إيرادات الجامعات وتحسين إمكاناتها فيجب ألا تكون على حساب مستوى وأداء التعليم المصري‏.‏

 

ترشيد التعليم

ويثني د. حسن شحاتة الخبير التربوي وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس على نظام التعليم المفتوح، ويراه أقل تكلفة من التعليم الخاص ومن الانتساب الموجه، والصيغة العصرية البديلة للانتساب الموجه والبديلة لالتحاق في الجامعات الخاصة، كما يحقق رغبة الطلاب في الالتحاق بالكليات التي يريدون الدراسة بها، مؤكدًا أن العالم كله يعمل بهذا النظام منذ أكثر من نصف قرن، وثبت مدى نجاحه وما زال مجتمعنا يتحدث عنه هل يتم العمل به أم لا؟.

 

ويبين أنه بعد أن أصبحت التقنيات الحديثة جزءًا من الحياة اليومية للإنسان كان لا بد أن يطرأ على التعليم التطوير ليناسب هذه التغيرات المجتمعية، ولهذا ظهر التعليم الجامعي عن بعد وبعده تم إنشاء الجامعة الإلكترونية، ثم بعد ذلك عصر الدراسات الإلكترونية التي سيتم الاعتراف بها مثلما فعل مع سابقيها، موضحًا أنه انتهى عهد التعليم في الجامعات والتعليم في مدرجات.

 

ويرى أن ثقافة الحوار بين الطالب والأستاذ في الجامعة ما زالت غير مفهومة وغير مفعلة، ويشير إلى أن إجراء التجارب في الكليات العملية وممارسة الأنشطة الجامعية عن بعد والتجريب والمعامل والقاعات الخاصة بالتجارب، من أهم العقبات أمام التعليم المفتوح، ولا بد أن ينظر لها بعين الاعتبار.

 

ويقول: إن كل أنواع التعليم تسعى إلى تطوير الإنسان وتطوير العمل والتنمية المهنية، ولذلك فإن التعليم المفتوح يجمع بين الوجاهة الاجتماعية وقدرة المتعلم على تطوير نفسه، معتبرًا التعليم المفتوح العربة الأخيرة في قطار التعليم ويركبه الطلاب الذين لا يمتلكون القدرة المهنية العالية؛ لأنه يعتبر فرصةً للتعليم الجامعي أمام ذوي المجاميع المنخفضة.

 

ويؤكد أن الدولة لا تستطيع أن تقدم تعليمًا جيدًا، نظرًا لمحدودية الأماكن في الجامعات، والصيغ الجديدة للتعليم تحاول أن تخفف عبء التعليم على أكتاف الدولة، ومن ثم فإن نسبة التعليم الجامعي سترتفع من 28% إلى 40%.

 

ويلقي بالمسئولية على كاهل الدولة لتوفير التعليم الذي يحتاج له سوق العمل، وأن تقوم بعملية ترشيد للتعليم، فضلاً عن تطوير التعليم الجامعي كمًّا وكيفًا وتقدم نموذجًا يحظى به للعالم.

 

ومن أجل تحقيق ذلك يشدد على ضرورة أن تعمل وزارة التعليم العالي، ووزارة الاستثمار، ووزارة التخطيط، والقوى العاملة بروح الفريق، مؤكدًا أن جودة التعليم هي الطريق لتنمية بشرية واجتماعية.

 

جامعة بلا أسوار

ويتفق مصطفى رجب سالم في أن التعليم المفتوح خدمة تعين الطالب على تطوير نفسه وتمكنه من استخدام التقنيات الحديثة، ليذاكر ويجتهد ويحصِّل المعلومات بوسائل لا تستطيعها الأنظمة العادية.

 

ويرى أن التعليم المفتوح يعد تعليمًا موازيًا للتعليم العام ولا يمكن أن ننسلخ منه، لأنه يعمل على الارتقاء بمستوى الطلاب، مؤكدًا أن العالم في عصر جامعة بلا أسوار ومدارس بلا جدران.

 

ويطالب بألا يتم اعتراض طريق التعليم المفتوح وبيان غرضه الصحيح في تطوير الإنسان ومحو أميته العصرية، مع الحفاظ على التعليم النظامي والأصلي في الجامعات، مشددًا على أن التعليم المجاني من حق الطالب المتفوق المجتهد الذي لا يمكن مساواته بمن يريد الراحة، وأن هذا ليس ضد مصلحة الفقراء.

 

ويوضح أن التعليم المفتوح يحتاج لمنظومة متكاملة من التطوير من لتوضيح مزاياه وأن تكون عملية التطوير شاملة طريقة التدريس كنوع من تطوير المعلم، والعمل على الارتقاء بالطلاب عن طريق توفير جو الخدمة الجيد لهم، وتوفير الكتاب العلمي الصحيح بأسعار متاحة للجميع.

 

ويشير إلى أن مشوار الجودة التعليمية لن يتحقق في يوم وليلة لأن الجودة هي انعكاس حقيقي للفكر على الواقع ويؤمن بها المعلمون والطلاب والصحفيون والوزراء، ولهذا تحتاج لوجود أفكار جيدة حتى يتم تطبيقها، مضيفًا أن مؤسسة التعليم بكل ما فيها تحرث ولا تزرع ولا تراعي نبتتها إن وجدت.

 

ويضيف أن التعليم يحتاج إلى وجود قدر كبير من الفهم والتخصص للارتقاء به في كل مجالاته، ولا يمكن أن تتم الاستعانة بخبراء لا يمتّون بصلة للعملية التعليمية ونطالبهم بالتطوير والتحديث.