- مواصفات الجودة غائبة عن تفكير المسئولين!

- غياب الملاعب والحدائق خطأ تربوي

 

تحقيق: إيمان إسماعيل

"عدد الطلبة لا يزيد عن 8 داخل الفصل الواحد"، "المعلمون يشاركون في تنظيف المدارس"، "طبيب وحقيبة إسعافات أولية لكل تلميذ".. هذه عينة من المواصفات القياسية المعتمدة عالميًّا، والتي تخلو منها الغالبية العظمى من مدارس مصر.

 

النظرة السريعة للكثير من المدارس، خاصةً الحكومية منها بعد مضي عدة أيام على بداية العام الدراسي؛ تشير إلى تكدسها بالطلاب الذين يصل عددهم في الفصل الواحد إلى قرابة الـ80، كما أن أغلبها يخلو من أي أثر للطبيب الذي يُفترض تواجده في المكان؛ لمواجهة أي ظروف طارئة!.

 

أما الأشجار والمساحات الخضراء فإن الحديث عنها يبدو ترفًا غير مقبول في ظلِّ دورات مياه غير آدمية، ما زال الطلاب يشكون منها دون أن يتحرك أحد لنجدتهم!.

 

وخلال جولة قام بها (إخوان أون لاين) بطريق الأوتوستراد في الجهة المقابلة لمنطقة "الدويقة"، وجدنا مدرسة ابتدائية ومدرسة ثانوية وسط المقابر، يحيط بهما من كل جانب الموتى، وجميع نوافذهما تطلان على القبور!!.

 

ومع مضي عدة أيام على بداية العام الدراسي الجديد فإن النظرة السريعة للكثير من المدارس؛ خاصة الحكومية منها، مجرد أطلال ومبانٍ جامدة!.

 

في الاتجاه المعاكس!

بدايةً يقول الدكتور أحمد المهدي أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعتي حلوان والأزهر: إن مدارسنا ليس لها صلة بالمعايير القياسية، كما أن المسئولين يتعمدون إغفال مواصفات الجودة، ويضيف أن الحالة المتردية للفصول والملاعب، علاوة على تدهور طرق التدريس وفوضى المناهج يُدَلِّل على أن منظومة التعليم في مصر عقيمة، ولا علاقة لها بالمعايير المحلية أو الدولية.

 الصورة غير متاحة
 

 

ويشير إلى أن المسئولين يقومون بتكميم العملية التعليمية من خلال بعض المقاييس النظرية التي يضعونها لرصد جودة المدارس من الناحية الإنشائية، وهو ما تفعله هيئة الأبنية التعليمية، رغم أن الأمر متشابك ومعقد، ويتطلب وجود العديد من وسائل المتابعة المتقنة.

 

ويمضي في حديثه قائلاً: إن هناك معايير لا بد من اتباعها في أساليب التدريس، بحيث يراعى ألا تكون مجرد كتل من الكلام تلقى فوق مسامع الطالب ليقوم باستيعابها بأي شكل كان، ويجب في المقابل اتباع وسائل مبتكرة ومشوّقة ومتجددة في توصيل المعلومات، بالإضافة إلى ضرورة البعد عن أسلوب الإلقاء واستخدام نظم المحاكاة، والتمثيل، والتقليد، والتغذية المرتدة؛ وهو ما يساهم في ثبات المعلومات في ذهن المتلقين بصورة أكبر.

 

ويشدِّد على أن من أهم المواصفات القياسية لدى الغربيين قناعتهم بأن التربية والتعليم في المدارس عملية كبيرة لا بد أن يساهم فيها كل ركن بالمدرسة، كما يرون أن الفصل الدراسي لا يقوم سوى بجزء ضئيل جدًّا من هذا، في حين يتم القسم الأكبر من خلال ساحات الملاعب، وخلال فترات تناول الوجبات المختلفة، وغيرها من الأساليب التربوية المتعددة.

 

موطن الأمراض!

ويؤكد الدكتور محمد حسن خليل رئيس اللجنة الوطنية للدفاع عن الحق في الصحة أنه حسب القانون المصري رقم "99" لسنة "92" فإنه يُشترط توافر طبيب لكلِّ مدرسة بها 2000 طالب أو أكثر، وفي ظلِّ وجود 43 ألف مدرسة في مصر، فإننا في حاجة إلى عدد يتراوح ما بين 25 إلى 35 ألف طبيب، ولا يوجد منهم على أرض الواقع سوى 8 آلاف فقط، وأغلبهم ليسوا متفرغين!!.

 

ويصف دعاوى وزير الصحة حول وجود فائض في عدد الأطباء بالباطلة؛ حيث يصل العجز الموجود في عدد العاملين بالصحة المدرسية إلى70% !!، فضلاً عن غياب أي أساليب صحية للتعقيم في العيادات المدرسية، علاوة على عدم نظافة الأدوات والعقاقير المتداولة، والتي يُستخدم أغلبها بعد انتهاء صلاحيته"!.

 

ويرى أن المساحات الضيقة للفصول مع تكدس الطلاب بها يساعد على انتقال الأمراض بشكل كبير بينهم، كما يساهم في الإضعاف من مناعتهم بصورة عامة، وهو ما يُحَوِّل أجسادهم في المستقبل إلى فريسة سهلة لالتقاط أي فيروس.

 

ويضيف أن إجمالي ما يتم إنفاقه على التعليم في مصر يقدر بـ46 مليار جنيه، وهو أقل من 9% من إجمالي الإنفاق الحكومي، منهم 210 مليون جنيه فقط توجه إلى الصحة المدرسية!!، وهو ما يمثل كارثةً بكلِّ المقاييس، ويزيد من وطأتها دعاوى وزارة الصحة بأنها لا تمتلك أي موارد لمواجهة هذا الخلل.

 

ويلفت النظر إلى أن المشاكل تتفاقم في الريف بشكل أكبر؛ حيث تنتشر معظم الأمراض من تليف كبد وبائي، وبلهاريسيا وغيرها بين الطلاب خلال تواجدهم بالمدرسة نظرًا لغياب أي وسائل للوقاية.

 

الإدارة بالفوضى!

ويرجع الدكتور محمد المحمدي أستاذ الإدارة الإستراتيجية بجامعة القاهرة تردي أحوال المدارس وافتقادها إلى معايير الجودة إلى الفشل الكبير، خاصة في الإدارة والتخطيط الذي تغرق فيه الحكومة.

 

ويرى أن سوء أحوال المنشآت التعليمية وعدم وجود أية رؤية لتطويرها دليلٌ على أن الملف برمته يتم التعامل معه من خلال ما يسمى بـ"الإدارة بالفوضى"!.

 

ويبدي تعجبه واستنكاره الشديدين من أن الاعتماد على هذا الأسلوب في قطاع هام مثل التعليم، والذي يفترض أن مهمته الرئيسية هي تخريج طلاب قادرين على المنافسة وبناء كوادر وقيادات قادرة على قيادة البلد مستقبلاً!.

 

ويشدد على ضرورة توافر مستويين من المعايير في المقاييس الإدارية الخاصة بالمدارس أحدهما على شكل مخرجات تحدد شكل ومهارات الطالب الذي ترغب في إعداده، ويتطلب ذلك أن تضعه المدرسة في مخيلتها وخططها على الدوام، أما الأمر الآخر فهو خاص بمدخلات العملية التعليمية.

 

وينتقد الأوضاع القائمة قائلاً: لا يوجد لدينا أية رؤية فكل ما يسيطر على المدارس والإدارات التعليمية هي الفوضى العارمة، والعيب لا يكمن في عدم توافر القدرات البشرية التي تستطيع التعامل مع الموقف بجدارة، وإنما في تغليب المحسوبية والمصالح الشخصية، فضلاً عن منطق "التكية"، وعدم وجود منظومة حقيقية تقوم بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب!.

 

ويلفت النظر إلى أن استخدام الأساليب الحديثة في الإدارة مثل "المدرسة الإلكترونية" وغيرها، يساعد على تحقيق إدارة صحيحة، ويوفر الوقت والجهد، ويسهل الكثير من الأعمال الإدارية الروتينية، مشددًا على ضرورة التوقف عن أسلوب الإدارة "بالدراع" دون وجود أي نظم أو خطط أو أسس واضحة!.

 

لمسات مفقودة

 الصورة غير متاحة

 د. حاتم آدم

وعلى الصعيد النفسي والتربوي، يؤكد الدكتور حاتم آدم الاستشاري النفسي والتربوي أن وضع المدارس الحالي مأسوي من جميع النواحي؛ حيث تحولت من مكان للتقويم والتربية والتعليم إلى مجرد ورقة مختومة يسعى الطلاب إلى الحصول عليها تحت مسمى شهادة!.

 

ويفصل قائلاً: إن أول سلوك تربوي خاطئ في مدارسنا المصرية هو تكدس عشرات الأطفال داخل الفصل الواحد؛ ما يصعب على المعلم الاهتمام بهم في نفس الوقت، خاصة ما يعانيه من كثرة في عددهم، وضيق في الفترة الزمنية المخصصة.

 

ويدلل على فشل منظومة التعليم في مصر، بضعف شعور الطلبة بالانتماء إلى مدارسهم، وغيابهم المتكرر عنها، وإحساسهم العام بالضياع، وهو ما يعد جزءًا ضئيلاً جدًّا من مآسي وزارة التربية والتعليم، على حدِّ قوله.

 

ويؤكد أن عدم حصول المُدَرِّس على مقابل مادي ومعنوي مُرْضٍ يصيب العملية التعليمية بالخلل، ويضعف من مواصفاتها القياسية المفترض توافرها، ويجعل المدارس عبارة عن هياكل وأبنية فقط مفرغة من محتواها وأهدافها.

 

ويستنكر بشدة بناء بعض المدارس وسط المقابر، متسائلاً: أين الجهة المسئولة؟ ومن الذي يعطي الترخيص بإقامتها في مثل هذه الأماكن؟ قائلاً: هذه مسألة يرفضها أي مجنون فما بالنا بالعاقل، كما أن فيها انتهاكًا لحرمة الصغار الأحياء والموتى!.

 

ويشدِّد على ضرورة أن تكون المدرسة ذات مساحات مفتوحة، وبها العديد من الحدائق والأشجار و"النوافير" المائية، بالإضافة إلى ضرورة أن تتوافر مصادر إنارة جيدة موضوعة، كما يجب أن يكون المكان بعيدًا عن الضوضاء أو أي شيء يمكن أن يؤثر بالسلب على الحالة النفسية لمرتاديه.

 

ويضيف لا بد أن يتوافر في كلِّ مدرسة مسرح، وملاعب عديدة، وحمامات سباحة، وأماكن للأنشطة المختلفة، بالإضافة إلى أنه يجب أن يتم إزالة الأسوار، خاصة في الابتدائية؛ لأن الطالب في تلك المرحلة يحب الحركة والانطلاق، ووجود الحواجز يقهره فيكره التعليم، كما ينمو ويكبر لديه ذلك الشعور في بقية المراحل.

 

ويقول: إن رياض الأطفال ومدارس الابتدائي بالأخص لا بد أن تكون ألوانها زاهية ومنوّعة، مع ضرورة أن تكون الألوان متغيرة وغير ثابتة، كما يجب أن يُسمح للأطفال بأن يلونوا الجدران المختلفة كنوع من النشاط، وهو الأمر الذي يجذبهم كثيرًا، كما أن توافر ألعاب وحيوانات أليفة أمر لا غنى عنه؛ خاصة أنه شيء محبب للطلبة.

 

ويطالب بأن يتم منح التلميذ في المرحلة الإعدادية الحرية في اتخاذ العديد من القرارات مثل تحديد فصله، كما يجب توفير مساحة لتفجير مواهبه المختلفة، وهذا كله يساعد على أن يكون ذا شخصية مستقلة يعتمد عليها مستقبلاً.

 

حدائق وزهور

ويدعو إلى اختيار موقع النوافذ والشبابيك بشكل جيد؛ بحيث تطل على الزهور والحدائق الجميلة، وهو ما يُعَدُّ واحدًا من أهم المقاييس التربوية التي لا يجب إغفالها، ويراعى أن يكون اللون الغالب على المقاعد الخشبية هو الأبيض والرمادي الفاتح؛ بحيث تكون الطاولات مشرقة تبعث على النشاط طوال الوقت، على عكس "البني" المستخدم في مدارسنا الحالية الذي يوحي بالكآبة، كما يجب أن يتم وضعها على شكل حلقة أو نصف دائرة أو مربع ناقص ضلع.

 

إبداعات هندسية!

وحول المواصفات القياسية لتصميمات مباني المدارس تقول المهندسة ولاء حامد الباحثة بقسم الهندسة المعمارية بالمركز القومي لبحوث الإسكان: إن الفصول الدراسية لا بد أن تكون في اتجاه الشمس، كما يجب أن تبتعد عن شمال شرق أو شمال غرب؛ لأن وقت الدراسة يكون في الصباح وحركة الشمس من الشرق وتتجه إلى الجنوب؛ لذلك يجب مراعاة توجيه النوافذ تجاه الشمال حتى لا يكون هناك ظل على ورق الكتابة الخاص بالأطفال وهو ما يؤثر على استيعابهم للمعلومات!.

 

وتلفت النظر إلى أهمية أن تكون التهوية متجددة داخل كل فصل على حدة، وفي جميع ممرات المدرسة، وهو ما يساعد على تجدد الهواء بالمكان.

 

أفنية واسعة!

وتوضح أن كل مرحلة تختلف عن نظيرتها، فيراعى في المرحلتين الابتدائية والحضانة عدم وجود نظم ولا قواعد في التصميمات تحد من حركة الأطفال، كما يجب أن تكون الفصول مطلة على أفنية واسعة أو حدائق، بالإضافة إلى ضرورة توافر مطعم كبير في أحد جوانب المدرسة لتناول وجبة الغذاء بشكل جماعي؛ وحتى تساهم التصميمات المختلفة في عملية التربية والتعليم وغرس سلوكيات معينة من خلالها.

 

وتقول: إن أنواع الدهانات المستخدمة في التصميمات لا بد أن يكون موثوقًا فيها بعناية؛ حتى لا تصيب الطلاب بأي أمراض جلدية، وكذلك الحال في "السبورة" الحالية و"الطباشير" التي تُستخدم في المدارس الحكومية، وفي الملاعب لا بد أن يتوافر لكل طفل متر ونصف على الأقل تكون خاصة به وحده.

 

مدارس حلوان!

وتحذِّر من أن أغلب مدارس محافظة حلوان على سبيل المثال تطلُّ على مصانع ومحاجر؛ ما يجعلها مخالفةً للقانون وغير صالحة لالتحاق الطلاب بها، مشيرة إلى ضرورة أن يتم إنشاء وإقامة جميع المنشآت التعليمية بعيدًا عن الطرق السريعة، مثل الأتوستراد، وصلاح سالم، والهرم؛ لحماية أرواح الأطفال.

 

وضع متردٍ!

 الصورة غير متاحة

إبراهيم زكريا يونس

من جانبه، يؤكد إبراهيم زكريا يونس عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة التعليم، أن المواصفات القياسية المحددة للمدارس موجودة لدى هيئة الأبنية التعليمية بمصر، ولكن لا يتم تطبيقها رغم أننا إذا قمنا بمقارنتها بنظيرتها العالمية سنجد أنها متردية وسيئة للغاية.

 

ويضيف أنه من الأمور البديهية أن يكون مثل هذا المبنى المهم جيد التهوية، وأن يقع في مكان غير مزدحم بالسكان، كما يجب أن يكون مزودًا بالخدمات الأساسية التي تتيح الفرصة لأكبر قدر من الطلاب على التحصيل، ولكن هذا كله ليس له أي وجود في بلادنا!.

 

ويطالب في البداية بإقامة مدارس يتوافر فيها أقل قدر من حقوق الإنسان قبل المطالبة بالمعايير والمواصفات القياسية التي تبدو بالنسبة لنا أمرًا مستبعدًا، فالحديث عن المنافسة يبدو غير مقبول في ظلِّ عدم سلامة دورات المياه والمقاعد.

 

ويرى أن التخلف المسيطر على مدارس مصر سببه الرئيسي عدم وجود إرادة حقيقية للإصلاح لدى الحكومة، والتي تستجيب دائمًا للضغوط الغربية التي تريد أن يبقى التعليم المصري على حاله من التخلف والتردِّي.