- المواطنون: قرارات عشوائية وغير مدروسة
- الناشرون: الحكومة تقول لنا "اسرقوا مثلنا"
تحقيق: أحمد هزاع
لم تكف الأزمات المتوالية التي تحيط بالمواطن المصري د. أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم؛ ليختلق له أزمةً جديدةً تتعلق بتعليم أبنائه ودراستهم، بعد رفضه التصريح لاتحاد الناشرين بطباعة كتب المناهج الخارجية إلا بعد دفع رسوم ملكية فكرية للوزارة، والتي قدَّرها الوزير بـ250 مليون جنيه.
الأزمة الجديدة كشفت عن مدى سوء إعداد الكتاب المدرسي الحكومي، واعتماد جل الأسر المصرية على الكتاب الخارجي؛ ما جعل أعداد الكتب القليلة التي تباع بدون تصاريح بعدة نقاط بالفجالة مثار تنافس أولياء الأمور، حتى وصلت أسعارها لأرقام غير مسبوقة، وبلغ سعر الكتاب 50 جنيهًا.
ونظرًا للمطاردة الأمنية رفعت كل مكتبات الفجالة لافتات مكتوبًا عليها "لا توجد كتب خارجية"، وعرض بائعون جائلون كتبًا غير مرخصة في الشارع مع استعدادهم للهرب في أية لحظة من إدارة المصنفات المنوط بها تطبيق قرار الوزير بعدم إعطاء أي تراخيص لدور النشر لطباعة الكتب الخارجية.
مخدرات
وعبَّر الأهالي لـ(إخوان أون لاين) عن سخطهم الشديد من قرار الوزير الذي لم يراع مصلحة أبنائهم، فيقول عاطف البنا "عامل": جئت من إمبابة خصيصًا لأشتري كتبًا خارجيةً لأولادي الثلاثة في الصفوف "الرابع الابتدائي والثاني الإعدادي والثالث الثانوي"؛ ولكن لم أستطع حتى الآن أن أعثر على كتب خارجية لأي من الصفوف الثلاثة.
ويضيف أنا عامل بسيط أريد أن أهتم بعملي الذي أعتمد عليه في تربية أولادي بدلاً أن أضيع وقتي في محاولة العثور على كتب خارجية، وكأني أريد شراء مخدرات، خاصةً أن المنهج الدراسي طويل جدًّا، لا يستطيع الطلاب مذاكرته في شهر أو شهرين، والكتب المدرسية الحكومية لا تُغني ولا تُسمن من جوع.
أم محمود جاءت للفجالة من 6 أكتوبر لتشتري كتبًا لابنتها الوحيدة في الصف الثالث الإعدادي، ولكنها لم تجد سوى كتب المرحلة الابتدائية فقط، وتقول: علمت أن هناك بعض المكتبات تبيعها سرًّا فذهبت إلى إحداها فرفض إعطائي أي كتب خوفًا من إدارة المصنفات، وبعد تحايل ورجاء أعطاني كتب العلوم والدراسات الاجتماعية واللغة العربية بـ150 جنيهًا.
وتضيف "50 جنيهًا ثمن الكتاب ده حرام، اشتريت 3 كتب بمرتب عامل في إحدى المصالح الحكومية، وقد وافقت على شراء الكتب ودفع المبلغ الذي يساوي أكثر من ثمن ملابس الدراسة؛ حتى أعفي نفسي من مشقة الطريق، وعناء السفر، والرجوع بخفي حنين".
إستراتيجية فاشلة
وتقول علا غانم أستاذة علوم بالصف الثالث بمدرسة عابدين الإعدادية: أعلن وزير التربية والتعليم في نهاية العام الدراسي المنصرم أن المناهج التعليمية في الصفين السادس الابتدائي والثالث الإعدادي ستتغير كليًّا أو جزئيًّا بحذف وإضافة مقررات جديدة، ولكن حتى بداية الدراسة لم يعرف أحد ما هو المنهج، ولم يأت إلينا نشرة من الوزارة تحدد لنا المنهج المقرر لتحضيره واستيعابه حتى نستطيع أن نشرحه جيدًا للطلبة.

وتضيف: لا أعلم هل سنذهب إلى المدارس لنلعب مع التلاميذ أم نقوم بتدريس منهج العام الماضي، و"على ما ربنا يسهل والوزير يضع المنهج تكون الامتحانات جت والطلبة تمتحن وهي ما تعرفش حاجة".
وتؤكد أميرة صابر مدرسة لغة إنجليزية بمدرسة روض الفرج الثانوية أن الإستراتيجية التي أتى بها وزير التعليم الجديد تفتقد الدقة والدراسة والتخطيط، وجميع القرارات التي أخذها قرارات عشوائية دون دراسة الآثار الناتجة عنها.
وترى أن إستراتيجية الوزير فاشلة بكل المقاييس، موضحة أن مشكلة التعليم في مصر لن يستطيع أحد حلَّها إلا إذا تكاتفت كل الجهود، وبأخذ جميع الآراء والمفاضلة بينها؛ للوصول إلى الحل الأنسب الذي يتماشى مع ركب التقدم العالمي الذي يبعد عنا مئات الكيلو مترات.
كتب "لوغاريتمات"
ويتحدى إبراهيم عبد الرحيم مدرس ابتدائي وزير التعليم أن يفهم الكتب الدراسية الحكومية، ويقول: "الكتب الحكومية خاصة الابتدائية معقدة للغاية، ومليئة بالصور دون شرح أو توضيح، والمدرس يستعين بالكتب الخارجية ودليل المعلم؛ حتى يستطيع أن يفهم تلك الدروس، فكيف يستطيع الطفل الصغير أن يفك تلك الرموز".
ويضيف: على الوزير عندما يأخذ قرارًا ألا يأخذه تعنتًا أو على سبيل القيادة ليؤكد أنه موجود أو جاء ليغير، وأنه إذا جاء ليطور التعليم المصري فعليه أن يدرس القرار أولاً، مضيفًا إذا أراد الوزير تغييرًا حقيقيًّا فعليه تطوير الكتب الحكومية، وعند ذلك لن يجبر التلميذ على شراء الكتب الخارجية.
تعقيد
يقول إمام رءوف "مدرس رياضيات بالمرحلة الثانوية": "جئت من أشمون بمحافظة المنوفية لأشتري الكتب الخارجية الجديدة لكي أشرح منها للطلبة، وأنا كأستاذ لا أفهم ولا أعي ما يتضمنه الكتاب المدرسي، ولا يعتمد عليه أي طالب على مستوى الجمهورية؛ لأنه إذا ترك الطالب الكتاب الخارجي واكتفى بالكتاب الحكومي لم يحصل على ما يزيد عن 50%".
ويستطرد: على الوزير أن يسأل أوائل الثانوية العامة في السنوات العشر الماضية إذا كانوا يعرفون شكل الكتاب المدرسي، فالكتب الخارجية يأتي منها الامتحان، وأنا أعتمد عليها في التحضير والامتحان.
حلم يضيع
"حسبي الله ونعم الوكيل.. ذنبنا إيه" مقولة تكررها مروة جبر طالبة في الصف الثالث الثانوي وتقول: حصلت على 95% في المرحلة الأولى من الثانوية العامة، وأريد أن يوفقني الله لكي أدخل كلية أستطيع أن أخدم بها والدتي المريضة, ونحن نعيش على معاش أبي الذي كان يتمنى أن أصبح صيدلانية؛ كي أقدم الدواء البديل الرخيص للمرضى الفقراء وما أكثرهم.
وتضيف: "الآن والدراسة ستبدأ لم أستطع حتى الآن أن أذاكر، وجئت من منشأة ناصر إلى الفجالة لأشتري كتبًا خارجية لي ولأخي في الصف الأول الإعدادي ولم أجد لأخي سوى كتاب واحد مهربًا، ولم أعثر على أي كتاب لي بسبب تعنت الوزير في عدم الوصول إلى حلٍّ مع دور النشر، ولا أعلم هل يتسبب الخلاف بين دور النشر ووزارة التربية والتعليم في تحطيم حلمي وحلم أبي".
موت وخراب ديار
ويشكو أشرف عزت "نجار": "بِنِصْرِف على الدروس الخصوصية من دم قلبنا، والأولاد ما يعرفوش لا المنهج ولا يذكروا منين، هو الوزير عايز يخرب بيوتنا من الناحيتين".
ويضيف مينا أشرف "بائع متجول": "أبيع الكشاكيل والكراريس والأدوات المدرسية الأخرى؛ لأنني لا أريد أن أتاجر بالكتب في السوق السوداء؛ حيث وصل كتاب الثانوية العامة بمرحلتيها إلى 70 جنيهًا، ومحدش ملاحق على الزبائن, وكما ترى الناس كثيرين، ينتظرون منذ أكثر من 5 ساعات؛ لكي يُنعم عليهم صاحب مكتبة لديه كتب غير مرخصة، وهذا يعني أن الطالب هو الخاسر الأول في هذه القضية، وربنا يعين أهاليهم".
أحد بائعي الكتب غير المرخصة في الفجالة قال لنا: "لا توجد كتب خارجية واخدة تصريح، ابعد عني وسبني في حالي"، في حين أكد أصحاب دور النشر أن الوزير رفض أي حلول عملية للتغلب على أزمة التراخيص وقالوا "منه لله".
الموسم ضاع
أحد الشباب يبيع الكتب والأدوات المدرسية على رصيف بالفجالة
ويقول إبراهيم أبو العلا "صاحب شركة شاكوس للأدوات المكتبية والكتابية": أنا أعمل في تسويق الكتب بحي الفجالة منذ أن كان عمري 13 عامًا، أي قبل 40 سنةً حين كنت عاملاً صغيرًا في إحدى المكتبات، ثم فتح الله علي وتاجرت في بيع الكتب القديمة بالشارع، ووفقني الله في تجارتي إلى أن أصبح لدي شركة لبيع الأدوات الكتابية والمكتبية".

وتابع أبو العلا: "مرَّ عليّ بدل الوزير 10 ولم يعادينا أحد، وجميع الوزراء تعاونوا معنا وليس وزراء التعليم فقط، بل وزراء الثقافة أيضًا؛ لأننا نبيع أيضًا الكتب الفكرية والثقافية في جميع المجالات، ومنذ أن أتى وزير التربية والتعليم الحالي ومصالحنا انقلبت رأسًا على عقب".
ويضيف: "منذ قرار الوزير إلغاء التراخيص لطبع الكتب الدراسية، ونحن نتساءل: هل نحول نشاطنا وهذه التجارة التي تربينا عليها منذ الصغر؟ وذلك بعد ضرب سوق الفجالة الذي لا ينشط سوى شهرين طوال العام في بداية كل فصل دراسي وباقي العام يكون الإقبال ضعيفًا جدًّا؛ لذلك يعد موسم الدراسة ذروة البيع بالنسبة لأهالي الفجالة جميعهم.
تسريح العمالة
"مكتبة مصر من أكبر المكاتب في الفجالة ولم تبع هذا الموسم"، ويضيف إبراهيم سعيد جودة السحار صاحب مكتبة مصر: "منذ أن تأسست المكتبة عام 1932م لم يأت علينا عام أكثر ركودًا من هذا الموسم، حتى قررنا تسريح 75% من العمالة؛ لكي لا يكون موت وخراب ديار".
ويوضح إبراهيم أن المكتبة تمثل الرزق الوحيد لأسرته، ولعدة أسر من شركائه ومن العمال، ولذلك ندعو الله أن تنفرج الأزمة قريبًا.
ويتساءل المهندس معتز رأفت "مدير بمؤسسة نهضة مصر للطبع والنشر": لا أعلم كيف يأخذ السادة المسئولون قراراتهم؟! فوزير التعليم يطلب 40 مليون جنيه حتى يسمح لنا بطبع الكتب المدرسية، فهل نبيع المؤسسة ونعطيه المبلغ كي يسمح لنا بالطباعة؟
ويضيف كنا في هذه الأيام من كلِّ عام نعمل على مدار 24 ساعة، ولكننا اليوم نعمل 8 ساعات فقط بعد تسريح 90% من العمال، ولا يبقى سوى عدد ضئيل من العمال لبيع الكتب الثقافية والأدوات المدرسية.
ويتابع معتز: قمنا برفع دعوى قضائية ضد قرار وزارة التعليم على يد المستشار مرتضى منصور أمام محكمة القضاء الإداري، وندعو الله أن نكسب القضية لإعادة فتح بيوت هؤلاء العاملين التي أغلقت بسبب هذا القرار الظالم وغير المدروس.
دعوة للسرقة
ويقول أحمد الصاوي "عامل بمكتبة بسام": "لا توجد لدينا كتب خارجية بسبب قرار الوزير ولكننا نبيع الكراريس والكشاكيل والأقلام والأدوات المدرسية الأخرى ذات الربح الضئيل؛ حيث يقدر المكسب من دستة الأقلام بنصف جنيه ودستة الكشاكيل بجنيه واحد، بينما العائد المادي من الكتاب الواحد 5 جنيهات على الأقل؛ ولذلك نستحق أن نقول إنه موسم خراب علينا، وعلى كل العاملين بالفجالة".
ويضيف محمد عبد العزيز قتلان "صاحب دار العزيزية للطبع والنشر": كما ترى المكتبة فارغة والدار واقفة واليوم لم نبع أي كتاب، وننتظر الفرج من عند الله في عودة الوزارة إلى رشدها، وإعطاء تراخيص لنا حتى ولو في الفصل الدراسي الثاني "وإلا سنقعد في بيوتنا نغني ظلموه".
ويؤكد عمرو عوض "صاحب مكتبة جاد الرزق": "الوحيد لنا هو بيع الكتب الدراسية وطبعها وعندما تُلْغَى من قِبَل الحكومة فإنها تقول لنا: افعلوا كما نفعل أي اسرقوا كما نسرق.
ويقول الحاج محمد عبد الله شرف "صاحب مكتبة المصرية": "إنني منذ أن أتيت إلى هذه الدنيا وأنا أعمل في بيع وتجارة الكتب، وكانت الكتب الدينية والثقافية أكثر الكتب مبيعًا في الثمانينيات والتسعينيات، ولكن في السنوات العشرة الأخيرة أصبحت الكتب الخارجية الدراسية أكثر الكتب مبيعًا", ويضيف: "إنني سأغلق المكتبة هذا الموسم؛ لأنني لا أريد أن أضيع وقتي كما ضاع مالي".