- أم مريم تصنع لعبًا لأطفالها من الخشب وحصى الشارع

- مصطفى يفرح بالعيد ساعتين ثم يذهب إلى العمل

- الخبراء: قسوة الظروف تدفع المواطنين للاستمتاع بأقل الأشياء

 

تحقيق: إيمان إسماعيل ويارا نجاتي

لم يمنعهم الفقر وذل الحاجة من رسم بهجة العيد على شفاة أسرهم الصغيرة؛ حيث قرروا أن يواجهوا الارتفاع الكبير في أسعار المتنزهات المختلفة بطريقتهم الخاصة، فكانت سعادتهم مضاعفة؛ حيث جمعوا بين الاحتفال بالعيد، والتغلب على ظروف اقتصادية طالما حاصرتهم طوال أيام العام، إنهم الفقراء من سكان الأحياء العشوائية والفقيرة الذين نرصد فرحتهم بالعيد على طريقتهم الخاصة.

 

فسحة بــ"2 جنيه"!

من منطقة "مساكن زينهم" قابلتنا بابتسامة بسيطة هيام ذات الـ10 سنوات، وأختها سحر 6 أعوام، واللتان تقولان إنهما سعيدتان جدًّا بالعيد وتتمنيان أن تكون السنة كلها أعياد؛ حيث تقضيان هذه الأيام في زيارة الحدائق والملاهي المتنوعة، وتحصلان على "عدية" من والديهما، وتشتريان ملابس جديدة لأول مرة طوال العام".

 

سألناهما عن أكثر شيء يسعدهما في العيد وتجيب هيام بعفوية: "المراجيح اللي بينصبها عمو أمام البيت وبابا بيديني "2 جنيه" بلعب بيهم طول اليوم"، أما سحر فتؤكد لنا "بحب كعك العيد جدًّا، فماما بتدينا كل يوم الصبح في طبق كعكة واحدة وبسكوتين!"، وأضافت اشترينا ملابس العيد من بائعي الأرصفة حيث لا يزيد ثمن القطعة الواحدة عن 5 جنيهات.

 

وعلى الرصيف وجدنا (أم شريهان) تجلس بجوار بناتها الثلاثة شريهان وصابرين وإيمان، وأمامها قفص صغير تضع عليه بعض "الفجل" لبيعه للمارة وتروي حكايتها قائلة: زوجي يعمل حارسًا لأحد العقارات ولا يزيد راتبه عن 200 جنيه وأنا أقوم ببيع الفجل لمساعدته وحالتنا المادية الصعبة منعتنا من شراء ملابس جديدة للأبناء وكل ما أفكر فيه كيفية تدبير مصاريف الدراسة.

 

وتضيف: "في الماضي عندما كنت أعيش في بلدي المنيا كان كل شيء سهلاً، والخير كان كتير، وكنا نصنع الكعك والبسكويت كل عيد، ليفرح به الأطفال، أما اليوم ومنذ أن ارتفعت أسعار كل شيء فلم نعد نشتريه ونحصل عليه فقط من بعض الجيران المقتدرين".

 

ترقيع القديم!

 الصورة غير متاحة

 تناول الفسيخ أصبح من مظاهر العيد لدى المصريين

   وعلى مقربة منها كان يجلس وليد ذو الـ12 عامًا على الرصيف ويشير إلى أن والده يأخذه إلى حديقة الفسطاط أو الحيوان ويظلون فيها طوال اليوم، حيث يتناولون الرنجة والفسيخ، فضلاً عن المراجيح التي يلعب عليها أكثر من مرة بـ75 قرشًا فقط!

 

ويقاطعه والده قائلاً: "بفضل الله لدي 3 بنات غير وليد، ورغم أن دخلي لا يتجاوز الـ400 جنيه في الشهر إلا أننا نحاول أن نسعد في العيد بأي شكل كان، فالملابس تقوم أمهم بإعادة ترقيعها وإصلاحها كما أن الأكبر يعطي ملابسه للأصغر.

 

أما عن الفسح فيقول أبو وليد هناك "خروجة" كبيرة لأسرتي في العيد نذهب خلالها إلى القناطر مثلاً وتكون تكلفتها 5 جنيهات للفرد، حيث يركب أبنائي الحصان ويأكلون الرنجة والفسيخ ويقضون يومًا سعيدًا".

 

أما (أم إيمان) التي تقف في نصبة صغيرة لبيع البطيخ فتؤكد أنها تظل في نفس مكان أكل عيشها في العيد، سعيًا على رزقها بعدما توفي زوجها، وتضيف أنها تصطحب معها ابنتها ذات الـ10 أعوام، حيث المراجيح التي تُنصب في الميدان في العيد، مضيفة أن بعض شباب المنطقة يقومون بعمل عروض وألعاب يستمتع بها الأطفال في العيد.

 

وتكمل أن أسعار الكعك ترتفع في كل سنة ولهذا اشترت كيلو واحدًا إرضاءً لابنتها التي ألحت عليها كثيرًا لتكون مثل أصدقائها، ولنفس السبب أيضًا اشترت لها أيضًا فستانًا بسيطًا وثمنه معقول، حتى تفرح في العيد. وتؤكد أنها ستحضر بعض السمك لتتناوله برفقة طفلتها في العيد.

 

لعب من الخشب!

ومن عين الصيرة تقول أم مريم: "أنا مطلقة ولدي 6 أطفال، وليس لي دخل ثابت شهريًّا وأبيع بعض المنتجات على الرصيف، فاليوم الذي أحصل فيه على 50 جنيهًا أو أكثر أقوم بشراء أكل لأطفالي واليوم الذي لا دخل لنا فيه سوى جنيهين أجعلهم ينامون بعد بكاء طويل دون طعام".

 

وتستفيض قائلة: "إلا أنني في العيد أحاول إسعادهم بأي شكل، حتى لو وصل الأمر لصناعة عدة ألعاب من الخشب الملقي على الأرصفة والتي أعطيها لأطفالي فيفرحون بها بشكل بالغ، وكذلك حالنا في الأكل فأقوم بصناعة أي أكل جديد لم يعهدوه من قبل، فكل ما يعرفه أطفالي الفول والكشري، فلو أعددت لهم رغيفًا من البيض لسعدوا جدًّا لأنهم لم يتذوقوه من قبل"!

 

أما عم عبد الله (70 سنة) فإنه يقضي العيد مع أقاربه في البلد، حيث يسافر مع زوجته أول أيامه ويقول: إن فرحة العيد لا تكتمل سوى بزيارة الأهل والأحباب.

 

ويضيف تركت العمل منذ سنوات، وأولادي الآن ينفقون على البيت، أحمد الكبير عامل في الرخام، محمد عامل في المدبح، موضحًا أنهم أحضروا لأمهم الدقيق ولوازم الكعك لصنعه منزليًّا، لارتفاع أسعاره، حتى يستمتع بها الأحفاد عندما يأتون لزيارته في ثاني أيام العيد، ويؤكد أن أولاده الذكور هم الذين يعطون عيديات لأولاد أخواتهم البنات لإدخال السرور عليهم وهي لا تزيد عن خمسة جنيهات.

 

أما مصطفى الموظف بمحطة الصرف الصحي فيختصر العيد في أول ساعتين، يستمتع خلالهما بصلاة العيد في المسجد ثم يعود إلى المنزل ليفطر مع أبنائه ويجلس معهم قليلاً، ويشير إلى أنه يرتدي ملابسه ويذهب مسرعًا إلى عمله، وبهذا يكون قد انتهى العيد بالنسبة له، أما بقية أفراد أسرته فيذهبون لزيارة خالاتهم وأخوالهم ويقضون عندهم اليوم بالكامل.

 

ويقول إن الوقت قد تغير وأصبح الكعك عادةً قديمةً، ولهذا لا يشتريه لأولاده من زمن، لأن ضيق الوقت مع قلة الدخل، لا تمكنه سوى من الأساسيات فقط. ويكشف أنه لم يتمكن من إحضار ملابس جديدة لأولاده الثلاثة؛ نظرًا للارتفاع الكبير في الأسعار، ويضيف أن الشيء الذي يسعده في العيد قلة ساعات العمل، حيث ينتهي عمله مبكرًا عن الأيام العادية.

 

عيدية "ربع جنيه"!

 الصورة غير متاحة

العيدية تأثرت بالحالة الاقتصادية للمصريين

   وفي الدويقة لم يختلف الوضع كثيرًا؛ حيث يقول خالد نصار "سباك" ويعول أسرة مكونة من 7 أفراد: "أقوم بإعداد عدية لأطفالي تتراوح من 2 إلى 5 جنيهات وتكون كلها من العملات المعدنية، حتى يستشعروا أنها كثيرة ويفرحوا"!

 

ويمضي في حديثه قائلاً: "نقضي العيد في تبادل الزيارات مع الأهل والأقارب بعيدًا عن أي فسح مكلفة، كما قمت باقتراض بعض المال لشراء ملابس المدارس التي سعدوا بها كثيرًا".

 

كيلو واحد

ويبدأ العيد عند مجدي فياض بمنطقة الأميرية من صلاة العيد، فيقول "إحنا ناس بتوع ربنا بنصلي العيد ونطلع إلى البيت، وبعد الظهر أذهب لزيارة إخوتي البنات، لأني الشقيق الوحيد لهم، بعد وفاة الأهل"، ويرى أن غلاء الأسعار أثر على فرحة المصري بالعيد، فلا يستطيع إعطاء أطفال العائلة، "العيدية" كما كان يفعل من قبل.

 

ويؤكد أنه يشعر بفرحة كبيرة عندما يرى السعادة على ملامح أبناء أسرته المختلفة لهذا يحرص سنويًّا على اصطحابهم سنويًّا لزيارة الحدائق والمناسبات خلال هذه الأيام المباركة.

 

تي شيرت

ويقول سامي (30 سنة): "بفضل الله أيام رمضان والعيد تكون كلها خير وبهجة وسرور"، ويضيف أنه اشترى لأطفاله الصغار ملابس العيد من محل صغير بجانب المنزل، إلا أن الأسعار كانت مرتفعة جدًّا، فحاول أن يشتري تي شيرت فقط لكل ولد من الثلاثة في أضيق الحدود الممكنة.

 

ويستطرد: أما الكعك فاختزلنا الكمية فبعدما كنا نشتري 4 أو 5 كيلو دقيق، أصبحت 2 كيلو فقط لإسعاد الأطفال فقط، لأن ثمن الدقيق تضاعف و"السمنة" كذلك أصبحت بأربعين جنيهًا للكيلو، ويوضح أنه يزور في أول أيام العيد إخوته، وفي ثاني يوم يأخذ الأطفال إلى إحدى الحدائق العامة كحديقة الفسطاط أو الحديقة الدولية.

 

ويعطي سامي عيدية لأطفاله في أول يوم 5 جنيهات، وينتظر الأولاد أعمامهم وأخوالهم لإكمال العيديات باقي أيام العيد.

 

سعادة مؤقتة

من جانبه يؤكد الدكتور سمير عبد الفتاح أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنيا أن صعوبة الظروف وقسوتها على الفرد هي إحدى سمات الشعب المصري؛ حيث يعتبر واحدًا من أكثر الشعوب التي عانى مواطنوها على مر التاريخ، وهو ما يدفعه باستمرار للتأقلم مع الظروف الصعبة بأي وضع كان.

 

ويوضح أن سعادة هؤلاء البسطاء نابعة من تغليبهم للعلاقات الإنسانية عن الأمور المادية، وهي مصدر سعادتهم على عكس الأغنياء، مشيرًا إلى أن تلك النظرية يسميها علماء الاجتماع بـ"سيكولوجية عبادة المال سبب تعاسة الفرد" والعكس صحيح.

 

ويضيف: إن تلك الفئة البسيطة من المجتمع لم تتذوق طعم الكثير من الأشياء؛ ما جعل أقل القليل يبسطهم ويدخل السرور عليهم، قائلاً: "إن الكثير منهم محرمون من أبسط الأشياء، ولا يعرفون من أماكن الفسح سوى النيل والحدائق وملاهي الشوارع؛ وبالتالي لم يتذوقوا طعم الكثير من المبهرات الأخرى ذات التكلفة العالية فيشعرون مع القليل من الأشياء باستمتاع بالغ ورضا".

 

ويرى أن الظروف الصعبة كلما اشتدت على الفرد جعلته يلتحم مع من حوله بشكل أكبر، ما يوفر له شيئًا من السعادة والطمأنينة والرضا بالقليل.

 

طلاء خارجي

ويحلل الدكتور رشاد علي أستاذ علم النفس بكلية التربية جامعة الأزهر نفسية تلك الفئة من المواطنين، مؤكدًا أن تلك الفئة تحاول القيام ببعض السلوكيات التي تضفي عليها نوعًا من السعادة الشكلية فقط كقشرة لطلاء خارجي، ولكنها تخفي في طياتها الكثير من الحزن والألم والاكتئاب.

 

ويضيف أن نفسية هؤلاء الأفراد الذين يعيشون تحت ضغوط دائمة تجعلهم دائمًا في توتر، ويعانون من العديد من الأمراض النفسية والعضوية؛ ما يدفعهم إلى تلمس أي لحظات للسعادة، ولو مؤقتة يمتد تأثيرها للحظات.

 

ويوضح أن الإنسان بطبعه لا يستطيع العيش تحت ضغوط وقهر دائمين لفترات طويلة، فيحاول أن يتشبث بأي عوامل خارجية فيمن حوله من الناس ومن البيئة التي يحياها لتسعده، وإن لم يجدها فتش عنها في ثنايا نفسه حتى يريح باله بأي شكل.

 

ويلفت النظر إلى أن مظاهر السعادة ومحاولة التظاهر بها في أيام الأعياد لا تعني أن الهموم وقتها قد أزيحت من تفكيرهم، ونفضت من قلوبهم، بل هي ما زالت بنفس ثقلها ولكنهم يحاولون تنفس الصعداء ومواكبة الحياة، والإحساس بأنهم بشر كغيرهم من حقهم مشاركتهم في كافة مظاهر العيد ولو بأبسط التكاليف في حدود الإمكانيات المتاحة.