مرَّ شهر رمضان الكريم كالنسيم الندي الذي لم نكد نشعر به حتى أوشك على الانتهاء، أيامه المعدودات بخيرها وفضلها وبركتها تكاد أن تأخذ قلوبنا معها وهي تهم بالرحيل، نفحاته الربانية لم تمهلنا حتى نتنسم شذاها، ونمتّع أرواحنا وأفئدتنا بفيوضاتها الربانية وروحانياتها الذكية، وإن كانت أيام الرحمة والمغفرة قد انقضت، فلم يتبق لنا من أيام الخير والبر إلا ساعات ودقائق، هي إن أدرك فضلها الناس أغلى من الذهب والماس، فهي أيام العتق، أيام يتجلى فيها المولى تبارك وتعالى على عباده؛ لينعم عليهم بالجائزة التي لا تضاهيها جائزة، وبالبشرى التي ينتظرها ذو القلب السليم من أول ليلة في هذا الشهر الكريم، ألا وهي ليالي العتق من النار، فهلموا أيها الأبرار عسى أن تصيبنا نفحة ربانية في تلك الليالي فلا نشقى بعدها أبدًا.

 

رادار إلهي

قد يتساهل البعض ويخالف كثيرًا من التعليمات والقوانين التي تقررها بلاده للحفاظ على أمنه وسلامته، وقد يفطن البعض إلى اتخاذ الكثير من الحيل والأساليب غير السليمة لكي يتحايل بها على تلك القوانين والأعراف والتشريعات؛ ظنًّا منه أنه بذلك هو الرابح، وأنه يصل إلى مبتغاه من أيسر الطرق!!.

 

فهناك مثلاً من يخالف السرعة المقررة للقيادة فيدفع ثمنها ضحايا أبرياء، وهناك من يبيع ضميره فتضيع البلاد ويغشانا الفساد حتى يغرقنا، وهناك من يغفل عن المراقبة الإلهية ويتخذ إلهه هواه فيضله الله على علم، ويختم على سمعه وبصره، ويجعل على قلبه غشاوة فلا تجده إلا ضالاًّ مضللاً!!.

 

ولكن إن علم هؤلاء أنهم مراقبون ومحاسبون على كل صغيرة وكبيرة فكيف يكون حالهم؟

 

نفحة ربانية

ورغم كل تلك الصور القاتمة والمعاصي الظاهرة تأتي نفحات الإله الربانية لتنعش القلوب، وتوقظ الأرواح، وتبشر العصاة والمذنبين بباب الرحمة المفتوح، الذي لن يغلق حتى تقوم الساعة.

 

فها هي الأيام العشرة من رمضان أيام العتق من النيران والبشرى من رب راضٍ غير غضبان.. تدعونا كي ننهل من فيضها الرباني، وفضلها الحفي عَلَّنَا نُدرك فيها أفضل لياليها.. ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

 

إن المؤمن كيس فطن، يدرك أن الله يراقبه بل يجعل خشيته نبراسًا يضيء له الطريق حتى يصل إلى بر الأمان برحمة الله عزَّ وجلَّ، فهو يذكر نفسه دومًا عند اتهامه بفعل مخالفة "الله ناظري، الله يراني، الله مطلع عليَّ" فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولأن الله عزَّ وجلَّ خالقنا وخالق الطريق فقد وضع لنا علامات وإرشادات لتيسر لنا عبوره، كما أنه عزَّ وجلَّ يوسّع لنا فيه حتى نتفادى عقباته.

 

ومن هذه العلامات والتوسعات أيام وساعات خصَّها الله عزَّ وجلَّ بالخير أكثر من غيرها،
فكم تكون فرحة الأسرة وهي في طريقها المعتاد وقد لمحوا أن سوقًا كبيرةً "مول" يطرح عروضُا وخصومات كبيرة لمدة يوم واحد، وتزيد الفرحة عندما يحصلون على ما يحتاجونه وبأسعار مغرية، فيرددون معًا: الحمد لله، إننا سلكنا هذا الطريق لنحصل على هذه الفرصة العظيمة.

 

ونفحات الخير في أيام الله هي بمثابة العروض التي تُعْرَض على المؤمن، والتي قد يتعرض لها اليوم ولا يتعرض لها غدًا، فقد لا تدركه ثانية وقد تصل بعد فوات الأوان!!.

 

المتنافسان

وإذا عدنا إلى سيرة الخلفاء والعظماء نجد أنهم كانوا يتنافسون في فعل الخير، فقد يسبق أحدهم الآخر بلحظة واحدة، ومنهم هذان المتنافسان العظيمان في الخير أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

 

فكان سيدنا عمر يمر في ليلة فوجد امرأةً عجوزًا كفيفة فأراد أن يقوم على قضاء حوائجها فأخبرته أن هناك من يقوم على رعايتها يوميًّا، وعلم أنه أبو بكر فقال: ما سبقتك إلى خيرٍ أبدًا.

 

حتى نفاد العرض

وتعرض علينا نسمات الخير والعرض السنوي الكبير والذي يجعل الطريق أكثر اتساعًا، ويشعرنا بالسعادة والرضا.

 

عرض العتق من النيران في العشرة الأواخر من رمضان، والتي أقسم الله عزَّ وجلَّ بها لعلو قدرها، ورفعة شأنها بين الليالي، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ (الفجر) والتي فيها ليلة القدر، والتي تبلغ في فضلها وخيرها ثواب العبادة في ألف شهر.

 

قال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾ (القدر)، هي هدية الله عزَّ وجلَّ لخير أمة.. أمة القرآن الكريم الهادي لهم إلى الطريق المستقيم، والمعتق لمن تبع تعاليمه من الجحيم، والشفيع لأمة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

 

الأسرة وعشر العتق

فهذه بعض النصائح التي قد تفيد الأسرة في أيام العشر الأواخر؛ حيث يتضاعف فيها الثواب، وينقشع فيها عن الروح الضباب، وتدخل الطمأنينة القلوب من أوسع الأبواب.

 

*هيا افتح دولاب ملابسك، وأخرج منه شيئًا تسعد به غيرك

* اصنع طعامك واقسمه مع من يستحق

* سارع بإخراج كتب وملابس العام السابق لمن يستفيد بها

* أخرج الأدوية التي تصلح للمحتاجين

* ساعد غيرك على إيجاد عمل شريف، ولو تشترى له بعض الحلوى أو الخضار لبيعها والإنفاق على أسرته

 

* ساهم في تزويج من يريد العفاف ولكنه لا يستطيع لضيق اليد

 

* اجعل أولادك يساهمون في نظافة البيت والشارع

 

* ساهم بعلمك في توعية المسلمين ودعوة غير المسلمين للإسلام بإلقاء درس في المسجد الصغير القريب من المنزل؛ لتوعية المصلين فيه بأمور دينهم

 

* ساهم في إصلاح غيرك بالحكمة واللين والموعظة الحسنة

 

وغيرها من الأعمال التي تساعد بها الغير.

 

* اجتهد أن يكون لك ختمة تلاوة للقرآن في هذه العشر.

 

* اجتهد في الدعاء والابتهال لله عزَّ وجلَّ؛ ليغفر لنا ذنوبنا.

 

* حاول أن تؤدي الصلوات على وقتها، وأن تؤدي السنن كذلك غير منقوصة؛ لتجبر ما قصر في الصلاة المفروضة.

 

* درِّب نفسك على التخلص من بعض الصفات التي لا تليق بالمسلم، واجتهد وأخلص النية في ذلك.

 

* درب نفسك على الاقتصاد في الطعام والنوم والراحة

 

* في ظل ارتفاع الأسعار وشكوى معظم البيوت من الـ"خنقة" الاقتصادية درِّب نفسك وأولادك على الشعور بالرضا، وشكر النعمة، وعدم النظر للغير.

 

واعلم أن الله عزَّ وجلَّ يثيب الفقير أو المعثر الشاكر، وأنه جلَّ شأنه سوف يعلي قدره يوم القيامة، فيسبق الغني المؤمن إلى الجنة بـ500 ألف سنة.

 

* أحسن الظن بالله، وتب عن المعاصي وأنت على يقين بغفران ورحمة الله، فقد كان من السلف الصالح من يقول: "إني لأعلم غيبي بمدى حسن ظني بالله عزَّ وجلَّ".

 

ومنهم من يقول: "إني لأعلم متى يرضى الله عني".

 

* رد الحقوق لأهلها ليسرع من يمسك على ميراث أخوته ولا يريد إعطاءهم إياه، ويختلق لنفسه الحجج والأعذار.

 

اغتنم عشر العتق أعتق رقبتك من جهنم وبئس المصير.

 

فهذه امرأة من السلف الصالح كانت تعجن الخبز لأولادها، وعندما علمت بوفاة زوجها ما كان منها إلا أن رفعت يدها عن العجين وقالت: لم يصبح ملكًا لنا وحدنا، ولكن سيشاركنا فيه الورثة.

 

من أين أتت هذه المرأة بهذه التقوى والخشية من مراقبة الله لها في أمر قد يظنه البعض لا يهم.

 

إن هؤلاء العارفين بالله وصلوا لهذه المرتبة بحسن ظنهم بالله وصدق النية والإخلاص في العمل، فلا يعمل أحدهم عملاً إلا وسأل نفسه لماذا تصنع ذلك؟ ولمن؟ وتطمئن نفسه عندما يصله الرد:

 

إن العمل لله عزَّ وجلَّ.

فلندعو الله عزَّ وجلَّ أن يبصّرنا بالطريق الصحيح، وأن نكون من الحريصين على اغتنام مواسم الرحمة والمغفرة والعتق... اللهم وفقنا لليلة القدر، واجعلنا من عتقائها.. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. اللهم آمين.