- د. أحمد دياب: قرارات الوزير غير مدروسة وتحتاج إلى معالجة
- د. محمد الناقة: تطوير المناهج مسألة علمية توازي تطوير البشر
- د. حامد طاهر: هناك علاقة عكسية بين قلة المناهج وزيادة العمق
- د. مصطفى الشطبي: التعليم أصبح حالة روتينية لا علاقة له بالتربية
- د. حسني السيد: إسناد الأمر إلى غير أهله لا يأتي بالنفع على التعليم
تحقيق: الزهراء عامر
"أسمع كلامك أصدقك.. أشوف أمورك استعجب".. لا يرى المصري أَصْدَق من هذا المثل الشعبي في وصف حال حكومته التي تردد أغاني لا تُنفذ حول الوطنية والهوية، وترفع شعارات لا نهائية حول تطوير التعليم والرقي به، إلا أنه يفتح كتب أبنائه بالمدارس ليفاجئه الحذف المتواصل لكل ما يتعلق بالهوية مع رؤية أثر تطوير المناهج على التعليم المتدني في مصر.
المسلسل ليس جديدًا، وربما ذاع في عهد الدكتور أحمد فتحي سرور عندما كان وزيرًا للتربية والتعليم، وذلك ضمن الخطة الأمريكية لتغيير المناهج في الوطن العربي كله، وما نشاهده اليوم هو حلقة جديدة بطلها الدكتور أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم الحالي.
فقد قام الأخير بحذف أجزاء من كتب العام الدراسي الجديد 2010/2011م، تتراوح نسبتها من 20 إلى 30% مقارنة بما كان مقررًا على الطلاب خلال العام الماضي، بحجة تطبيق نظام التقويم الشامل الذي أثبت فشله نظرًا لعدم تهيئة المدارس المصرية لهذا النظام.
وكان "بدر" قد أمر، قبل شهرين، بحذف ما أسماه "الحشو" من كتب العام الجديد بالرغم من وصولها للمديريات بالفعل، وطال الحذف جميع المواد الدراسية من الصف الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، باستثناء الصفين الثالث الإعدادي والسادس الابتدائي، واللذين سيدرسان مناهج "جديدة" خلال العام المقبل.
وبالرغم من أن وزارة التربية والتعليم كانت قد أعلنت عن خطة لتطوير مناهج العلوم والرياضيات للصف الثالث الإعدادي، للتعرف على جوانب القوة والضعف في نظامها التعليمي، إلا أن هذا لم يحدث، ومع هذا قررت الوزارة الاشتراك في المسابقة العالمية للرياضيات والعلوم، والمعروفة اختصارًا بـ"TIMSS"، وكانت النتيجة أن مصر حصلت في المسابقة الأخيرة على الترتيب رقم 35 من عدد 46 دولة مشاركة في الدراسة في اختبار العلوم، كما حصلت على المركز 36 في اختبار الرياضيات.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل القرار حلقة جديدة من الخطة الأمريكية للتخلص من مناهجنا الوطنية وهويتنا؟، ومتى سيتم تطوير المناهج والعام الدراسي يقرع الأبواب؟، ومتى يتم اختيار المطورين؟ ومتى ستتم المراجعة، ثم الطباعة، وغيرها؟.
ترقيع وهلهلة
ويتساءل الدكتور محمد الناقة أستاذ المناهج وطُرق التدريس في كلية التربية جامعة عين شمس عن الغرض من حذف 20% من المناهج الدراسية، قائلاً: "هل تم الحذف لأنها أشياء زائدة عن المنهج المقرر؟ أم أنها أشياء قديمة لا تصلح للتعليم الحديث، أم أنها تفصيلات قام الطالب بدراستها من قبل، هل هي أشياء لا تتفق وطبيعة أهداف المنهج؟، هل هي زائدة عن الوقت المخصص للمنهج؟"، موضحًا أن الاختصار لو تم في ضوء هذه العوامل يكون حذفًا علميًّا موضوعيًّا أما غير ذلك فتصبح عملية عفوية.
ويؤكد أن حذف المناهج من أجل تطبيق نظام التقويم الشامل يعتبر مبررًا غير مقبول؛ لأنه ليس هناك علاقة بين الحذف ونظام التقويم الشامل، فنظام التقويم يتم تطبيقه على أي منهج، وإذا كان هذا هو المبرر الوحيد للوزارة فإن هذا يعتبر فهمًا خاطئًا للتقويم الشامل، ودليلاً على أنهم غير مستعدين لتطبيق التقويم الشامل بالشكل الصحيح، ومن ثم يتم اختصار المنهج لإتاحة الوقت لعملية التقويم الشامل وهذا يعتبر الخطأ الأكبر، موضحًا أن التقويم الشامل وسيلة وليس غاية حتى تتم إعادة صياغة المنهج من أجله.
ويرى أن ما يحدث للمناهج ليس تطويرًا على الإطلاق؛ لأنها ليست عملية تتم بشكلها العلمي الصحيح، مؤكدًا أن ما يحدث عمليات ترقيع وهلهلة للمناهج، وعمليات غير علمية وغير تربوية، مشيرًا إلى أن تطوير المناهج عملية علمية توازي تطوير البشر.
ويعتبر أن عمليات حذف أشياء من المناهج تتصل بالوطن والوطنية عملية جزئية؛ لأنها ليست متصلة بكلِّ المناهج الدراسية، فعملية العبث الحكومي بالمناهج تطول كل أنواع العلوم، مؤكدًا أنه لن يستطيع مصري حقيقي الجنسية أن يتخلى عن مصريته وهويته من أجل ذلك طمس مناهجه التعليمية.
أساسيات الحذف
ويقول الدكتور حامد طاهر نائب رئيس جامعة القاهرة السابق: إن هناك علاقة وثيقة بين كمية المناهج ونوعيتها ونظام التقويم الشامل؛ لأن كثرة المقررات الدراسية تؤدي إلى تسطيح التعليم وقلتها وتؤدي إلى التعمق فيها وإجادتها، مشيرًا إلى أنه هناك علاقة عكسية بين قلة المناهج الدراسية وزيادة التعمق والتعليم في المادة.
ويتساءل هل حددت الوزارة أو اللجنة المختصة المعلومات الأكثر أهمية والمعلومات المهمة والمعلومات الأقل أهمية في المناهج الدراسية التي على أساسها ستتم عملية الحذف أو الإضافة إذا لزم الأمر؟، موضحًا أنه إذا تم تحديد ذلك لاستطعنا أن نصل إلى أفضل وسيلة ونوعية المقررات وأهميتها من أجل تعليم جيد.
ويؤكد طاهر أن المساس بكتاب التاريخ الإسلامي وحذف الدروس والقصص الخاصة بالصحابة أو الخلفاء الراشدين أو قصة صلاح الدين الأيوبي، أو حذف الحروب الصليبية أو الدروس التي تتحدث عن ظهور الإسلام أمر مرفوض، وكذلك بالنسبة لكتاب الدين وكتب اللغة العربية ومحاولة إزالة القواعد النحوية الأصلية، موضحًا أن هذه المسألة متعلقة بمن سيقوم بعمليات الحذف والتطوير، ولا يمكن الاستعانة بأي خبير أجنبي لإجراء أي تعديل عليهم.
ويوضح أن التعليم يقابله حالة من التحدي خاصة بعد ظهر عهد المعلومات وشبكة الإنترنت، وخاصة الكتاب المدرسي.
ويرى أنه من الممكن إحداث تطوير على كل كتب الرياضيات والعلوم فقط؛ وذلك عن طريق كل الكتب الدراسية ومناهج الدول المتقدمة مثل فرنسا، واليابان، وألمانيا وأمريكا ويتم أخذها كما هي وترجمتها للعربية؛ حتى لا يقل مستوى الطالب المصري عن أي مستوى طالب في العالم، وهذا الأمر أصبح أمرًا متاحًا؛ لأن هذه المناهج مناهج عالمية.
ويضيف: هذا النظام لا بد أن يتم تطبيقه بدءًا من المرحلة الابتدائية وستظهر النتيجة الإيجابية بعد 15 عامًا، متسائلاً: لماذا يأخذ الطالب المصري منهجًا أقل من الطالب الياباني على الرغم من أنه نفس عمر الطالب المصري؟ مؤكدًا أنه بهذه الطريقة لا يقع الظلم على الطالب المصري.
عشوائية الإدارة
د. أحمد دياب

يؤكد الدكتور أحمد دياب الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة التعليم والبحث العلمي؛ أنه من المفترض في مثل هذه القرارات المتعلقة بتطوير المناهج أو تخفيفها أن تتم وفقًا لمنظومة متكاملة، يتم على أساسها اختيار الأجزاء التي تحتاج لتطوير أو تخفيف، أما مجرد التخفيف من أجل تطبيق نظام التقويم الشامل الذي أثبت فشله الذريع ولم يأت بالنتائج المرجوة منه؛ نظرًا لعدم توافر الإمكانيات والأنشطة في المدارس المصرية.
ويوضح أن قرار وزير التربية والتعليم تشكيل لجنة لتخفيض المناهج ومراجعتها وطباعتها في غضون 15 يومًا تدل على أن قرارات الوزير ليست قرارات علمية وليست منهجية لا تأخذ مداها في المعالجة والتطوير، ومن المعروف أن العام الدراسي يبدأ عند الطلاب قبل بداية الدراسة بسبب الدروس الخصوصية ومراكز التقوية، وبالتالي عمليات التطوير ستتم داخل الدراسة.
ويشير إلى أن اتخاذ القرارات الانفعالية وتطبيق القرارات الفوقية ليست جديدة على وزير التربية والتعليم الذي اعتاد على اتخاذه قرارات سريعة منذ توليه الوزارة، التي كانت تحتاج لكثير من الدراسة والتمهل في اتخاذها.
ويرى أن من المحتمل أن يكون القرار الفوقي يهدف إلى مزيد من التخلص من مناهجنا الوطنية، خاصةً بعد الاستعانة بمجموعة من الخبراء الأجانب في عملية المناهج التعليمية، فضلاً عن التدخل الأمريكي المعروف في مناهج العديد من الدول العربية بعد أحداث سبتمبر.
ويبين أن أي قرار خاطئ يكون له تداعيات مادية ونفسية واقتصادية، وهذا القرار نتج عنه حالة من الارتباك والاضطراب في العملية التعليمية؛ فلا أحد يعرف هل سيتم التطوير أم لا، متسائلاً: ما هو مصير آلاف بل ملايين الكتب الدراسية التي تم طبعها للعام الجديد قبل اتخاذ القرار؟.
حشو المقررات
ويوضح الدكتور حسني السيد الأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس أن قرار الوزير جاء نتيجة الضغط الشديد عليه من قبل المواطنين والإعلام من أجل تنقية المناهج من الحشو، متسائلاً: ما هي اللجنة التي شُكلت من أجل عملية الحذف؟، وهل هي تعليمات مسبقة من الوزير؟ ولماذا تم تحديد 20% ولم يتركها الوزير لخبراء المناهج تحديدها بناء على نسبة الحشو في المقررات الدراسية؟.
ويدين السيد الاستعانة ببعض الشخصيات التي ليس لها علاقة بالمناهج مثل الاستعانة بالشاعر فاروق شوشة لإجراء التعديل على منهج اللغة العربية، أو فاروق الباز لتعديل منهج الفيزياء فهذه المناهج تحتاج لمتخصصين فقط.
ويرى أن نظام التقويم الشامل شيء مطلوب ومهم، ولكن مدارسنا ما زالت غير مهيأة لذلك، وهذا ما قالته تركيا أثناء المؤتمر التعليمي المشترك بين البلدين.
حالة روتينية
ويرى مصطفى الشطبي عضو لجنة الدفاع عن حقوق الطالب أن القرارات السريعة غير المدروسة لا يمكن أن تعطي نتائج جيدة للعملية التعليمية، ولا يمكن أن تطبق قرارات تتعلق بمصير العملية التعليمية في مصر بهذه السرعة ودون دراسة.
ويلفت إلى أن محاولة التخفيض من نسب المناهج التعليمية تُعَبِّر عن الحالة السيئة التي وصلت لها العملية التعليمية منذ تولي الدكتور أحمد زكي بدر الوزارة؛ لأن التعليم أصبح حالة روتينية دون النظر إلى الناحية التعليمية التي من الممكن أن تربي أجيالاً تحمل تاريخ هذا الوطن.
ويؤكد أنه منذ عهد أحمد فتحي سرور وزارة التعليم يعتبر بداية الانهيار التعليمي في مصر؛ لأنه حتى الآن لم يتم عمل حالة تعليمية جيدة، وكل ما يفعله هؤلاء الوزراء محاولة لتطبيق النظم الأمريكية والغربية على المناهج الدراسية.
ويقول: إن قرار التخفيض قرار سيادي أكثر منه تعليميًّا؛ لأن الهوية المصرية والعربية أصبحت غير موجودة في التربية والتعليم، ففي كل مرة يتم تخفيض المناهج منها تنزع الروح الوطنية منه، حتى أصبح التعليم حالة من حالات الغرب بدون منازعات وطنية تجعل الطالب يغير على وطنه وعلى أمته الإسلامية.