قبل انطلاق مدفع الإفطار بدقائق قليلة يتحول المنزل إلى خلية نحل يتسابق فيها الصغير قبل الكبير على مد يد العون لست "الحبايب" لكي تنتهي من وضع اللمسات النهائية على المائدة التي يصطف الجميع حولها انتظارًا لسماع صوت المؤذن في مشهد يبرز دور شهر الصوم وغيره من المناسبات في تحقيق أكبر قدر من الترابط بين أبناء الأسرة.

 

واليوم اختلفت الأمور بصورة كبيرة حيث سلب التطور التنكولوجي الكبير الذي يشهده العالم في الوقت الراهن الكثير من المعالم المميزة لرمضان والأعياد والتي كانت توصف حتي وقت قريب بمناسبات التئام الشمل.

 

فالواقع يؤكد أن الكثير من الشباب يكتفون اليوم بتهنئة أقرب الناس إليهم في مثل هذه المناسبات برسائل (SMS) كما صار (الفيس بوك) الفضاء الذي يتبادل فيه العديد منهم الحديث عن فضل هذه الأيام وعظم أجرها عند الله.

 

يذكر أن المصريين أنفقوا نحو 13.75 مليون جنيه على 55 مليون رسالة نصية "SMS" بغرض التهنئة خلال شهر رمضان المبارك ويتوقع أن تزداد التكلفة خلال أيام عيد الفطر المبارك وذلك وفقًا لمؤشرات وإحصاءات جهاز تنظيم الاتصالات المصري.

 

وبعد أن كان أفراد الأسرة الواحدة يحرصون على التزاور فيما بين بعضهم البعض وفيما بينهم وبين بقية الأسر المختلفة صارت واحدة أو أكثر من رسائل "الجوال" كفيلة بالأمر كله، وهو ما يشير بوضوح إلى الأثر الفادح للتطور التنكولوجي على الترابط العائلي.

 

وبحسب دراسة أجرتها الجمعية العالمية للطب النفسي فإن ثورة التكنولوجيا الحديثة وما شهدته من تطور كبير في استخدام "المحمول" والإنترنت أدى إلى إصابة المستخدمين بأمراض نفسية عديدة أبرزها الاكتئاب والقلق والاضطرابات العصبية نظرًا لما تلعبه هذه الوسائل من دور في عزلة الإنسان وانطوائه وتقليص ترابطه الأسري.

 

وفي السطور التالية نحاول الإمساك بكافة خيوط القضية من خلال الحديث مع كافة الأطراف أملاً في الوصول إلى حل عاجل لمشكلة التفكك الأسري في رمضان!

 

سماء عادل (طالبة جامعية) تقول: إن الإنترنت والموبايلات الحديثة تفتح المجال أمام تعدد الأفكار الدعوية حيث انتقلت من مرحلة الصوت فقط إلى العديد من الوسائل الأخرى كالفيديوهات والأناشيد التي تحمل الكثير من النفع إلى من نقوم بدعوتهم.

 

وتضيف أن المنتديات أيضًا تحوي العديد من الأصدقاء النافعين الذين يعينون الفرد على أن يكون أكثر قربًا من ربه في هذا الشهر المبارك وهذا كله يصب في مصلحة الأسرة وهو ما يعني أن الفيصل في الأمر هو الطريقة التي يتم من خلالها استغلال التنكولوجيا.

 

زينة محمود (مندوبة مبيعات) تشير إلى أن التكنولوجيا تلعب دورًا كبيرًا في إبقاء العائلات والأصدقاء على اتصال ببعضهم البعض خاصة في ظل الانشغال وضيق الوقت الذي يعاني منه الجميع في شهر رمضان، وتشير إلى أن التطور التكنولوجي أيضًا يساهم في التقريب بين المسلمين وتشجيعهم لبعضهم البعض على أداء الطاعات بمختلف أشكالها.

 

في حين يرى إسماعيل محمد (طالب جامعي) أن التكنولوجيا في رمضان لها وجهان أحدهما نافع والآخر ضار، قائلاً: إن "الموبايل" من الممكن أن يكون وسيلة لإسعاد الناس من خلال توثيق العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة من خلال رسائل التهنئة التي يتبادلونها فيما بينهم.

 

وتتفق معه في الرأي هند حسام (محاسبة) قائلة: إن "الفيس" اليوم أصبح يقوم بدور كبير جدًّا أحيانًا، فالكثير من الشباب اليوم يستغلونه للكتابة عن رمضان والأعياد كمناسبات إسلامية هامة ينبغي أن يجتهد الإنسان في استغلالها والاستفادة منها على أفضل وجه ممكن.

 

وتضيف أن هناك دورًا سلبيًّا لا يمكن إنكاره حيث يستغل بعض الشباب الإنترنت في الشات والذي يضيعون من خلاله وقتهم فيما لا طائل من ورائه.

 

ويصف عز الدين عبد الرحمن (صحفي بموقع إلكتروني) رسائل (sms) بالممتازة قائلاً: إنها تلعب دورًا في توصيل الكثير من المعاني الجيدة لبقية أفراد الأسرة مثل الأدعية والتذكير بأداء مختلف الطاعات. ويعترف بأن هذه الوسائل المستحدثة غيرت بشكل كبير صورة رمضان.

 

ويختلف المهندس أحمد سلطان (مهندس إلكترونيات) مع الرأي السابق قائلاً: إن شهر الصوم تحول في ظل هذا التطور التكنولوجي الكبير إلى مهرجان لبث ملايين الفوازير والمسابقات التي تغضب الله، وتلهي الناس عن العبادة وتبعدهم عن التراحم والتواصل العائلي.

 

ويؤكد أن الوقت في رمضان يكون ضيقًا للغاية ولهذا على الجميع أن يحرصوا على استغلاله في التقرب إلى الله عز وجل وصلة أرحامهم.

 

أما سعاد عبد ربه (ربة منزل) فتقول: رغم أن التقدم التكنولوجي ساهم في التقريب بين أفراد الأسرة الواحدة رغم بعد المسافات إلا أن الواقع يؤكد أن هناك في الوقت نفسه انحسارًا في الألفة والحميمية التي كانت موجودة من قبل في ظل كثرة الزيارات واللقاءات والتي لم يعد لها أي وجود اليوم إلا فيما ندر.

 

مريم مسعد (طالبة) تؤكد أنها تقوم بالانقطاع عن أي شيء آخر باستثناء العبادة في رمضان، قائلة: لأنه شهر واحد في السنة ولا يمكن تعويضه، وتضيف أن استخدامها للإنترنت يقتصر على بعض الأمور الدعوية التي تفعلها بالاتفاق مع عدد من صديقاتها.

 

تفكك

الدكتور سمير عبد الفتاح أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة المنيا يؤكد أن التطور التكنولوجي الكبير الذي نعيش في ظله اليوم ساهم بصورة كبيرة في زيادة التفكك بين أفراد الأسرة الواحدة، فقديمًا كانوا يجتمعون في رمضان والمناسبات الإسلامية المختلفة على الطعام والشراب أما الآن فإن كل فرد يجلس في جزء من البيت ليتناول طعامه وهو يعبث بجواله أو يتحدث مع أصدقائه على (الفيس بوك).

 

ويضيف أن الشاب عندما يتجه إلى الإغراق في استعمال هذه الوسائل خلال المناسبات المختلفة فإنما يبحث عن الرضا الداخلي عن الذات، إلى جانب الاتصال مع بشر مختلفين ومتنوعين بما يتفق مع فكره، وهي العلاقة التي افتقدها على أرض الواقع وهو من خلال هذا يحاول الإيحاء لنفسه أنه حقق انتصارًا زائفًا!

 

ويرجع السبب في ذلك إلى الجذب والإبهار الذي تتميز به التكنولوجيا الحديثة. مضيفًا أن الشباب فقدوا الثقة في كل من حولهم وفي ظل هذا يقوم الواحد منهم بمحاولة لتعويض تلك الثقة والغموض المحيط به، من خلال الدخول في عالم الإنترنت الغامض، وخلق علاقات غير مباشرة، بعد اختفاء العلاقات المباشرة من حياته.

 

ويشير إلى أن الاستخدام السلبي أو الايجابي للتكنولوجيا الحديثة يتوقف على مدى الوعي والثقافة التي وصل إليها المجتمع، موضحًا أن مجتمع مصر يعتبر متأخرًا ثقافيًّا، مما يدفع الكثير منهم إلى الاستخدامات السلبية فقط للإنترنت والموبايل.