- أحمد حشاد: الإعلان عن بدء العمل في المشروع النووي دعاية للوطني

- ممدوح الولي: الحكومة عاجزة عن التمويل بسبب الديون وعجز الموازنة

- أحمد قورة: بيع البنوك للأجانب يقف في وجه تمويل المشروع القومي

- عبد الخالق فاروق: نظامنا أضعف من أن يتبنَّى مشروعًا بهذه الضخامة

 

تحقيق: الزهراء عامر

تواجه الحكومة المصرية الآن أزمةً لتحديد الجهة التي ستقوم بتمويل المشروع النووي المصري بعد اختيار منطقة الضبعة بمحافظة مطروح مقرًّا لإقامته، لاسيما وأن التكلفة تتجاوز الـ20 مليار جنيه من أجل إقامة أربع محطات نووية.

 

ووضعت الحكومة ثلاثة سيناريوهات للتمويل من نماذج في دول أوروبية حسب تقرير الاستشاري الدولي للمشروع والخاص بالتمويلات وأوضاع المؤسسات المالية حاليًّا، وهي:

أن تقوم الحكومة المصرية بتدبير التمويل من خلال مواردها الذاتية وتدبير المكون المحلي من خلال الاقتراض من البنوك المحلية أو توفير التمويل من خلال نموذج المشاركة بين الحكومة ورجال الأعمال.

 

أما السيناريو الثالث فهو مناقشة احتمالات أن تقوم الشركات الموردة لمكونات المحطة النووية بتقديم عروض لحزم تمويلية ضمن العطاء المالي الذي ستتقدم به في المناقصة لتمويل أجزاء المفاعل المورد من الخارج.

 

ومع إعلان وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي أن مصر لديها القدرة الكاملة على تمويل المشروع الذي تبلغ قيمته التقديرية 20 مليار دولار لإقامة 4 محطات نووية بمنطقة الضبعة، شكك خبراء الاقتصاد في قدرة الحكومة المصرية على تمويل البرنامج النووي‮ ‬المصري، معتبرين أن عملية التمويل تعد أحد أهم العقبات التي ‬تقف في‮ ‬طريق إتمام المشروع،‮ ‬حيث تصل ‬تكلفة المحطة الواحدة ما‮ ‬يزيد على 5 مليارات دولار،‮ والاقتصاد المصري لا يستطيع القيام بذلك في الوقت الحالي.

 

وأضافوا أن السيناريو الثاني الخاص بمشاركة القطاع الخاص ورجال الأعمال في التمويل يتعارض مع مواد القانون النووي الجديد الذي يقصر تملك المشروع وتشغيله على الحكومة ويحظر دخول رجال أعمال.

 

البيزنس ممنوع!

ويؤكد الدكتور محمود بركات الرئيس الأسبق للوكالة العربية للطاقة الذرية أن إنشاء المحطة الأولى النووية يجب ألا يتدخل في تمويلها رجال الأعمال، ولا بد أن تمولها الدولة وفي أسوأ الحالات من الممكن أن يتم اللجوء إلى الاكتتاب الشعبي؛ لأن رجال الأعمال تجاربهم في الخدمة العامة غير مُبشِّرة؛ وذلك لأنهم يهتمون بتنمية رءوس أموالهم، حسب قوله.

 

ويقول: إن الشعب من الممكن أن يقوم بتمويل هذا المشروع مثلما فعل وساهم في تمويل التليفونات، وتقاتل المواطنون من أجل دخولها، وبعد ذلك يتم دفع الأرباح للمساهمين، ويتم التعامل مع هذه المؤسسات على أنها مؤسسات إنتاجية صناعية تخضع لمسألة تحدي الأرباح.

 

ويشير إلى أن الزمن هو الذي سيحدد مدى جدية الحكومة المصرية في القيام بهذا المشروع وبداية إنشاء مشروع كبير اقتصادي مصري، قائلاً: "المياه ستكذب الغطاس".

 

مخالفة القانون

ويرى الدكتور أحمد حشاد الرئيس الأسبق لهيئة المواد النووية أن قرار اتخاذ البدء في العمل في المحطات النووية قرار تأخَّر كثيرًا، وكان لا بد أن يتم اتخاذه منذ وقت كبير، موضحًا أن توقيت اتخاذ هذا القرار قبيل انتخابات الحزب الوطني يهدف لكسب رضاء مجموعة كبيرة من الساخطين عليه.

 

ويرى أن التصريحات المتوالية الخاصة ببدء العمل معظمها لا ترقى لكونها إلا للاستهلاك المحلي، ولكن تنفيذ هذا المشروع ضروري وعدم تنفيذه كارثة ينتج عنها تخلف علمي وتقني كبير جدًّا في البلاد.

 

ويشير إلى أن هذا المشروع يحتاج إلى تمويل دولي كبير تتحكم فيه الجهة أو المقاول، ويعمل جاهدًا في سبيل توفير هذا التمويل، ولكنَّ هناك ضغوطًا أمريكيةً على البنوك الدولية بعدم تمويل هذا المشروع حتى لا تتسبب في إحراج حكومة الكيان الصهيوني.

 

ويوضح أن مشاركة القطاع الخاص في تمويل هذا المشروع يتعارض مع مواد القانون النووي الجديد الذي يقصر تملك المشروع وتشغيله من خلال الحكومة، ويحظر دخول رجال الأعمال، فضلاً عن أن رجال الأعمال سيرفضون المشاركة في هذا المشروع؛ لأنه سيعطي أرباحًا قليلة لا تتجاوز 5 أو 6%، وهذه النسبة لا يمكن أن تُرضي طموحات رجال الأعمال.

 

ضعف الاستثمارات

 الصورة غير متاحة

ممدوح الولي

ويستبعد ممدوح الولي الخبير الاقتصادي قدرة الحكومة على تمويل مشروع ضخم مثل مشروع الضبعة؛ لأن عجز الموازنة الحالي تجاوز 191 مليار جنيه هذا العام، وهذا الرقم لا يعطي فرصةً لتمويل هذا المشروع في ظلِّ لجوء الحكومة لتخفيض نسبة الاستثمارات الخاصة بالبنية التحتية إلى 40 مليار جنيه، فضلاً عن أن تكلفة الدين المحلي والخارجي وصلت إلى 173 مليار جنيه.

 

ويلفت إلى أن أزمة الكهرباء التي تعاني منها مصر كشفت عدم وجود من الاستثمارات ما يكفي لحل الأزمة، وفي النهاية كل مسئول سيرحلها على الآخر.

 

ويشير إلى أن الحكومة المصرية في مأزق لأنها لم تستطع تحديد الأولويات؛ لأنه كان من الممكن أن يتم تأجيل الحديث عن المشروع النووي واستثمار هذه المبالغ في أشياء أخرى أجدى لتوفير الكهرباء مثل استخدام الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، خاصةً أن مصر لا تمتلك كوادر بشرية مؤهلة لتنفيذ هذا المشروع، فضلاً عن أن الغرب لا يمكن أن يسمح بتخصيب اليورانيوم مثلما فعل مع دولة الإمارات.

 

وفيما يتعلق بالاكتتاب الشعبي يوضح الولي أن هناك ظاهرتين موجودتين في المجتمع تعرقل اللجوء لهذا الأمر للتمويل، وهما انعدام الثقة في الحكومة المصرية، والثانية هي زيادة نسبة الفقر، فضلاً عن أثرياء هذا الوطن الذين اعتادوا على الأرباح السريعة ولا يمكن أن يشاركوا في أسهم وينتظروا 7 سنوات للحصول على الربح إن وُجِدَ.

 

ويبين أن هناك عقبات تقف في وجه الاقتراض من البنوك الدولية مثل البنك الدولي أو بنك التنمية الإفريقي، منها أن البنك الدولي يعمل بنظام الشرائح لإقراض الدول حسب دخلها وحديث وزارة التنمية الاقتصادية والأرقام الوهمية التي تخرجها كل فترة والخاصة بزيادة النمو جعلت مصر خارج نطاق الاقتراض الرخيص أو الاقتراض بمزايا، فضلاً عن أن توقيت الاقتراض توقيت غير مناسب في ظل الأزمة المالية العالمية التي تتسبب في إحجام هذه البنوك على الإقراض، وأصبحت هناك صعوبة في الاقتراض من الأسواق المالية العالمية.

 

ويشير إلى أنه من الممكن الاستعانة بالاقتراض من بنوك القطاع العام مثل البنك الأهلي، وبنك القاهرة، والبنك المصري، وبنك الاستثمار القومي لأن هذه البنوك ستقرض هذا المشروع بالأمر حتى وإن كان المشروع فاشلاً ويطلق عليه في هذه الحالة التمويل السياسي.

 

ويرى في حال وجود علاقات طيبة مع بعض الدول العربية أن يتم الاقتراض من بعض الصناديق لأن هذه الدولة لديها سيولة تكفي لإمداد مشروع ضخم بفائدة ميسرة على سبع سنوات.

 

بيع البنوك للأجانب

ويؤكد الخبير المصرفي أحمد قورة رئيس البنك الوطني المصري سابقًا أن البنوك يمكنها تمويل مشروع المحطة الأولى النووية بالضبعة بشرط أن تقدم الحكومة دراسة جدوى اقتصادية مقبولة لهذه البنوك وعلى أساسها ستتخذ البنوك القرار، وتتمثل الدراسة في تقديم، على الأقل، الضمانات الكافية لهذه البنوك، وتحديد برنامج السداد والمدة الكافية له، ثم بعد ذلك تقديم نسبة الفوائد والأرباح التي تعود على البنك في حالة تمويله هذا المشروع.

 

ويرى أن المشكلة الرئيسة التي ستقف في وجه تمويل البنوك هي بيع البنوك المصرية للأجانب، ومن حق الدولة المالكة لهذه البنوك أن ترفض تمويل مثل هذه المشروعات لأن المالك الأجنبي ليس لديه أهداف قومية ووطنية تدفعه للقيام بذلك وما يهمه في النهاية هو الحصول على أكبر فائدة ممكنة.

 

ويوضح أن مثل هذه المشروعات تحتاج إلى العمل بنظام القروض المشتركة ليتم توزيعها على أكثر من بنك، وفي حالة حدوث نوع من التعثر لا تحدث أزمة لهذا البنك لأن نسبة القرض تكون صغيرة.

 

ويرى أن الأضمن للتمويل مثلما يفعل النظام العالمي هو أن الجهة التي تتعاقد مع مصر للإنشاء هي التي تتولي إيجاد التمويل، وبالتالي تخرج مصر من مأزق التمويل وإمداده والضمانات الكافية له.

 

الحمى النووية

 الصورة غير متاحة

 عبد الخالق فاروق

ويقول عبد الخالق فاروق الخبير والباحث الاقتصادي إن تمويل المشروع النووي قرار دولة وسلطة دولة، وكل الدول المحترمة في العالم هي التي تقوم بإنشاء المحطات النووية لأنها ستستفيد من المنتج بحسب تكلفة إنتاج الطاقة، أما رجال الأعمال المصريون- وللأسف الشديد- يمشون على خطى الرؤية الأمريكية تجاه المشروعات النووية.

 

ويوضح أن الاقتصاد المصري لو تمت إعادة ترتيب أولوياته مرةً أخرى وإذا تم استغلال الموارد الاقتصادية بشكلٍ صحيح سيستطيع أن يمول هذا المشروع دون الحاجة إلى الدين الخارجي بقروض مشروطة.

 

وفيما يتعلق بالاقتراض الخارجي يؤكد فاروق أن المشكلة في الأصل تكمن في أن المؤسسات الدولية لا تقرض إلا مَن يتوافر لديه إرادة سياسية قوية، وفي حالة رفض المؤسسات الدولية التمويل وتواجد إرادة سياسية قوية من الدولة فإن هذه المؤسسات تنصاع للموقف السياسي وتوافق تحت الضغط، أما النظام المصري فإنه أضعف من أن يقوم بعمل مشروع بهذا الضخامة، وهذا ما فعله من قبل عندما استخدم النظام حادثة تشرنوبل لوقف المشروع فهذا النظام يُقدِّم قدمًا ويؤخر قدمين في تنفيذ المشروع.

 

ويرى أن كل الإجراءات التي تستخدمها اللجنة الموكلة لإنشاء المحطات النووية كلها إجراءات من أجل الاستهلاك المحلي فهذه الخطوات تم استخدامها منذ أكثر من 20 عامًا، ولكن الجديد الآن هو وجود ما يُسمَّى بالحمى النووية في المنطقة عقب نجاح إيران في إتمام المشروع النووي الخاص بها.

 

ويستكمل كلامه موضحًا أن النظام المصري موقفه في الداخل سيئ بعد أزمة انقطاع الكهرباء، فكان لا بد أن يصدر هذا القرار حتى يبدو لمواطنيه وكأنه مقدم على مشروع كبير ليعفي نفسه من التساؤلات.