بعد أن شُغل الرأي العام لمدة ثلاثة أشهر كاملةً في قضية مقتل شاب في عمر الزهور، أثارت ردود فعل شديدة حول شبهة مقتله على يد نظاميين في قسم سيدي جابر بالإسكندرية، وبعدُ استبشرنا خيرًا بأن العدل سوف يأخذ مجراه.. "عادت ريمة لعادتها القديمة"، ويبدو أن عُطلاً مفاجئاً قد أصابنا، فلم نعد نسأل عن هذا النموذج الذي حدث في مصر، من قتلٍ وتعذيبٍ وإهدارٍ لدماء مصرية دون ذنب؛ حيث أشارت منظمات حقوقية عديدة إلى أن الوفاة ليست طبيعية وإنما مُدبَّرة، فيما نفى بيانٌ رسمي من وزارة الداخلية الرسمية أن تكون الوفاة غير طبيعية، مؤكدين أن الشاب تُوفي بعد تعاطيه قطعة حشيش!.
في الوقت الذي أمر فيه النائب العام المصري بإعادة استخراج جثة خالد سعيد وإعادة تشريح الجثة من جديد بمعرفة ثلاثة من الأطباء الشرعيين المستقلين لمعرفة سبب الوفاة، والتي أودت بحياة خالد سعيد.. كل هذا جميل ولم يعد ينفعنا، المهم ما الفوائد التي حدثت بعد القضية ووقتها؟!
لماذا ماتت قضية خالد سعيد برغم عدم انتهائها؟ وهل ستكون مثل قضايا أخرى حدثت في مصر وكُتب عليها الغلق العمد مع سبق الإصرار على موتها؟ وهل كما يقولون عنا إننا ننسى سريعًا، ونتلهَّى في أكل العيش والحياة الصعبة؟!
إن النموذج الذي حدث في مصر من انتفاضة لجموع الشعب المصري، مسلمين وأقباطًا، يساريين وإسلاميين، ما هو إلا عنوان لما سُمِّي بالانتفاضة المتأخرة التي كانت تلزم الشعب منذ أزمنة.
إن طرح الأسئلة سهل، لكنَّ الإجابة عليها أصعب؟ ما الفتور الذي حدث للمصريين بعد العاصفة القوية التي كادت تُحدث أمواجًا من التغيير الجذري، لولا براعة الداخلية والأمن في تمويت القضية.
لقد حدثت في مصر أمور لا يستطيع الفرد تفسيرها تجعلك تبحث وتتساءل: ما مصلحة قوم يريدون أن يدمروا شعوبهم؟.. إن المشكلة التي تبدو للعيان حاليًّا هي أن هؤلاء الحكام يسعون إلى أن يخلقوا في شعوبهم الكثير ممن على شاكلتهم، أن يكونوا نموذجًا لهم، حينها تكون المصيبة أعظم والعذاب أطول والحياة أكثر إرهاقاً على البشر.
لعلك تتذكر محمد علي عبد اللطيف أو ما يُعرَف إعلاميًّا بـ"قاتل بني مزار"؛ والذي اتهم فيها بقتل 10 أشخاص قام خلالها ببتْر الأعضاء التناسلية، سواء للذكر أو للأنثى، أصبح بعدها محمد علي رد سجون انتهكت فيها كرامته وعُومل فيها مجرمًا، رغم عدم ثبات الجريمة عليه، بالإضافة إلى تحديد إقامته في منزله بوضع 5 جنود ومخبرين سريين وثلاثة أمناء شرطة حتى لا يهرب!! فجاء الحكم التاريخي لمحكمة النقض ببراءة محمد وخرج، وبقي الجاني مجهولاً!! فلماذا لم تخرج أجهزة الأمن بعدها، وتعلن أن محمد بريء، وتعتذر له وتمنحه بدل سجنه، لكن للأسف ماتت قضيته؟!
وهل تتذكر محمود العيسوي الذي حُكم عليه بالإعدام، بعد أن اتُّهم بقتل هبة ونادين ابنة المطربة المغربية المعروفة، ظلَّ العيسوي محبوسًا عامين وبعدها حُكم عليه بالإعدام، والخبراء يقولون: "محمود راح ضحية وشال الموضوع من بابه، والجاني هارب حتى الآن".. فلماذا لم يتفاعل الشعب مع محمود العيسوي مثلما تفاعلوا مع خالد سعيد؟ ولماذا قُتل محمود ظلمًا رغم كل الإشارات التي تقول إنه بريء؟!
إن الشاهد من الموضوع أن الشعب المصري بطبيعته وفطرته ينسى، ما دام هناك جديد يغيب معه، علينا أن ننظر بموضوعية إلى تلك القضية الشائكة على أنها قضية كل مصري غيور، وأنه إن لم يكن خالد سعيد لكان هو مكانه في المشرحة.
إن صورة خالد سعيد وهو ملقى في المشرحة بتلك الصورة البشعة دليل إدانة على ديكتاتورية فرعون.
أذكر قضيةً مشابهةً، وهي التي حدثت لحمادة عبد اللطيف في الإسكندرية منذ سنوات، وهي الأحداث التي عُرفت باسم "مدرسة الجزيرة" بالإسكندرية؛ حيث هُتك جسد حمادة من قِبل جنود الأمن المركزي، يدعمهم مأمور القسم وضابط بالقسم، وكان حمادة بين الحياة والموت، وبعد مرور سنوات على القضية ما زال يتلقَّى العلاج الطبيعي من التهتك الذي أصيب به في العمود الفقري وقطع في النخاع الشوكي، وللأسف نسيها الشعب مثلما نسي مئات القضايا المماثلة.
إن لحظات البكاء التي انتابت والدة خالد سعيد عقب مقتله وهي تقول: "عاوزة ابني يرجع لي" لحظات لربما لا تكتب وإنما تشاهدها دون تعليق.
أنتظر منك الإجابة ولا تقل: "الله يرحمه مات وارتاح"، وهي حقيقة أن الله أراحه من المصائب واختصه، ولكن لا أريد ذلك فقط منك، فلقد طرحت حادثة خالد سعيد سؤالاً مهمًّا علينا هو:
هل المصير المرتقب لنا أن نكون مثل خالد سعيد أم التغيير المنتظر؟!