إن كلمة التاريخ تظلُّ على مدى الأجيال حيةً لا تموت، ما دامت تتسم بالصدق والبعد عن التزييف، وقد صدق الشاعر الذي قال:
ومن وعى التاريخ في صدرهِ أضاف أعمارًا إلى عمرهِ
وفي السطور الآتية نستأنف كلمة التاريخ في قطاعات من جهاد الإخوان من أجل فلسطين:
وليكن مستهل كلامنا عن البطل المجاهد، الشيخ مصطفى السباعي، المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا..
تقدَّم إخوان سوريا تحت قيادة المجاهد الشيخ مصطفى السباعي، وأعدوا كتيبةً لمساعدة إخوانهم القادمين من مصر، واستقبلوهم في معسكر قطنة، حتى إن الإمام البنا حرص على زيارتهم في المعسكر، وطالب الإمام البنا الحكومات العربية بعدم التدخُّل في هذه الحرب؛ حتى لا يكتسب اليهود عطف العالم، وذكَّرهم بأنها حرب عصابات بين المجاهدين الفلسطينيين والعصابات اليهودية، وأنه لا تنفع معهم الجيوش المنظّمة، لكن الملوك والحكام رفضوا ودخلت جيوش سبع دول عربية، لكنها لم تكن معدَّة إعدادًا جيدًا، فلحقتها الهزيمة في كل معاركها، وكانوا يستعينون بالمجاهدين الإخوان في كثيرٍ من العمليات، وظهرت خيانة الحكام بقبول الهدنة، ثم اعتقال المجاهدين، ثم اكتملت المؤامرة باغتيال الإمام البنا في 12/2/1949م.
أصبح السباعي مسئولاً عن معسكر المجاهدين في قطنة، وبعد الإعداد الجيد لمدة شهر ونصف سافر الفوج الأول بقيادة الملازم عبد الرحمن الملوحي في صحبة الشهيد عبد القادر الحسيني، ثم لحق بهم الفوج الثاني، والذي كان فيه الشيخ السباعي، ووصلت هذه الكتيبة إلى القدس، وعملوا على حماية أهلها، واشترك في معركة القطمون ومعركة الحي اليهودي بالقدس القديمة، ثم معركة القدس الكبرى، غير أنه شعر بأن شيئًا يحدث على الساحة السياسية، وتحقّق ظنُّه بإعلان الهدنة، وعاد إلى سوريا في 8/12/1948م غاضبًا يصبُّ جام غضبه على المأجورين والعملاء، ولولا جهاد المتطوِّعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين من الإخوان المسلمين لما وُجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود.
يقول السباعي: "كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس أن هناك مناوراتٍ تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتباراتٍ متعدِّدة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفيةً إلى القدس مرةً أخرى.
*******
وقمت بجولةٍ في سوريا تحدَّثتُ فيها عن معارك فلسطين، وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تمامًا.
وبعد عودته سجَّل ملاحظاته على الحرب فقال:
1- إن جيش الإنقاذ الذي ألَّفته الجامعة العربية تحت قيادة فوزي القاوقجي لم يكن إلا تسكينًا لشعور العرب، ولم يستطع الذود عن مدينة واحدة.
2- إن قيادة جيش الإنقاذ لم تخُض معركةً واحدةً جديةً في فلسطين.
3- إن جيش الإنقاذ كانت مهمته تحطيم منظَّمة الجهاد المقدَّس، والتي كان قائدها عبد القادر الحسيني.
وانتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية، واعتقال المجاهدين من إخوان مصر، والزجِّ بهم في السجون في عهد إبراهيم عبد الهادي.
وإذا ما نظرنا إلى وضع قوات الإخوان آنذاك وجدناها كما يأتي:
- القوة الأولى كانت ترابط في النقب.
- القوة الثانية بقيادة اليوزباشي محمود عبده أوكلت لها مهمة الدفاع عن مرتفعات صور باهر الحصينة بجوار القدس، وهناك لحقت بها قوة كبيرة من متطوعي الإخوان المسلمين في الأردن بقيادة المجاهد عبد اللطيف أبو قورة المراقب العام للإخوان المسلمين وشكلوا معا قوة مشتركة.
- وفرقة ثالثة جاءت من إخوان سوريا يقودهم المجاهد مصطفى السباعي، عملت بهمة ونشاط في مناطق المثلث والقدس، وكانت هناك مجموعات أخرى شكَّلتها شعب الإخوان في فلسطين تعمل في المناطق الشمالية والوسطى تحت القيادة العربية المحلية.
- أما الإخوان فقد حملوا لواء التعاون مع الشعب الفلسطيني المجاهد ومع منظماته الشعبية الصادقة.
*********
ومن جهاد الإخوان المسلمين في النقب:
أولى المعارك التي خاضها الإخوان المسلمون في النقب؛ كانت معركة كفار ديروم الأولى، وكفار ديروم هي مستعمرة يهودية تقع على طريق المواصلات الرئيس الذي يربط فلسطين بمصر.
هاجم الإخوان المستعمرة في وقت مبكر من صباح 14 أبريل 1948م، وأظهروا من ضروب البطولة والتضحية ما لا يمكن حصره وتصوره، واستوعب الإخوان الدرس، فبدلوا خططهم وقرَّروا أن ينازلوا اليهود في أرض مكشوفة.
وهكذا نظَّم الإخوان أنفسهم ضمن مجموعات تشنُّ حرب عصابات تشمل صحراء النقب بأكملها.
*********
لم تسمح الحكومة المصرية لمزيد من كتائب الإخوان بالانتقال إلى فلسطين، ولكن الضغط الشعبي اضطر الحكومة للموافقة على تشكيل فرق من المتطوعين، يقودها ضباط من الجيش، تتولى الجامعة العربية تدريبها والإنفاق عليها، ورحَّب الإخوان بالفكرة، وتدفَّق متطوعوهم، وامتلأت بهم ساحات المركز العام، وكان يشرف على تنظيم وتدريب هؤلاء المجاهد الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان المسلمين وقائد وحداتهم العسكرية.
وفي 25 أبريل 1948م تحركت أول كتيبة إلى الميدان بقيادة البكباشي أحمد عبد العزيز، وكانت من أنشط الكتائب في مواجهة العدو.
كان مقدَّرًا لهذه القوات أن تقوم بدور أكثر فعالية، لولا أنها التحقت بقوات الجيش المصري الذي دخل فلسطين، وولاَّه قائد الجيش أحمد محمد علي المواوي قيادة منطقة بئر السبع؛ بشرط أن لا يتجاوزها إلى الشمال، ومع ذلك عندما استنجد به أهل الخليل أرسل قواته إلى هناك؛ مما فاقم الخلاف بينه وبين الجيش؛ لأن هذه المنطقة كانت من المناطق التي يشرف عليها الجيش الأردني.
*********
وعن الإخوان في الخليل وبيت لحم:
اتخذ أحمد عبد العزيز من مدينة بيت لحم مركزًا له، بينما القوات الأردنية تتخذ من دير (مار الياس) القريبة مقرًّا لقيادتها، وكان الجيش الأردني مشتبكًا مع مستعمرة (رامات راحيل) على طريق بيت لحم- القدس، غير أنه فشل في اقتحامها، فقرَّر أحمد عبد العزيز القيام بهذا الأمر، وبدأ الهجوم يوم 24 مايو وانتهى يوم 26 مايو 1948م، دمِّرت فيه المستعمرة، ومُني العدو بخسائر هائلة، فقد زاد عدد قتلاه عن مائتي قتيل مقابل تسعة شهداء من الإخوان.
في الهدنة الأولى التي فرضها مجلس الأمن وقبلتها الحكومات العربية لم يتزوَّد اليهود بما يحتاجونه من الأسلحة والعتاد واستقدام المقاتلين والضباط من الخارج فقط، بل اغتنموا فرصة وقف إطلاق النار ليحتلوا كثيرًا من المواقع المهمة الإستراتيجية؛ احتلوا العسلوج وهي بلدة مهمة جدًّا بالنسبة لمواصلات الجيش المصري، ولقد حاول الجيش إعادة احتلالها فأخفق، ومع ذلك تمكنت قوة الإخوان بقيادة الضابط الملازم يحيى عبد الحليم من تحريرها وتكبيد العدو خسائر فادحة.
حاول اليهود يوم 18 أغسطس 1948م احتلال جبل المكبر في القدس والهجوم على مرتفعات صور باهر؛ حيث ترابط قوات الإخوان لأخذهم على حين غرة، واستطاع الإخوان بقيادة محمود عبده أن يكبِّدوا اليهود خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، وحاول اليهود في اليوم التالي القيام بهجوم مضاد، ولكن قوات الإخوان حطَّمته وفرضت الأمر الواقع.
وفي ذروة الانتصارات التي حققها الإخوان بقيادة أحمد عبد العزيز تصيب رصاصة تنطلق بطريق الخطأ القائد.. فيستشهد من فوره.
*********
وأرسل الإخوان كتيبةً ثانية من المتطوعين:
على رأسها الأخ صلاح البنا، والتي كان مقررًا لها أن تستقرَّ في مدينة بئر السبع، وعندما استُشهد أحمد عبد العزيز تقرَّر دمجها مع كتيبته، وضمَّ المتطوعين الآخرين من السودانيين والليبيين إليها، وتمركزت في مدينة الخليل، وحافظت هذه القوة على منطقة الخليل وبيت لحم، وقامت بتسليمها لقوات شرق الأردن بعد إعلان الهدنة.
*********
وفي منتصف أكتوبر كانت الجبهة الجنوبية مسرحًا لعمليات واسعة النطاق، هوجمت فيه الفالوجة بعنف شديد، وتعرضت المجدل لقصف جوي مركز، وحاول اليهود السيطرة على صور باهر مركز قيادة الإخوان، ولكن الإخوان نجحوا في صدِّ هجمات العدو، وألحقوا بهم خسائرَ كبيرةً، يئس العدو من اقتحام الخليل وبيت لحم لوجود الإخوان فيها، ولكنه نجح في هجومه على مناطق أسدود والمجدل التي يوجد فيها الجيش المصري، كما تمكَّن من الإيقاع بقوة كبيرة من الجيش المصري حاصرها في الفالوجة، وظل يحاصرها حتى نهاية الحرب.
كان القائد الإخواني معروف الحضري يقود مجموعة فدائية، استطاعت اختراق خطوط العدو، وإيصال المواد الغذائية للمحاصرين.
**********
إنها كلمة التاريخ، وكلمة التاريخ تظل على مدى الأجيال حيةً لا تموت، ما دامت تتسم بالصدق والبعد عن التزييف، وقد صدق الشاعر الذي قال:
ومن وعى التاريخ في صدرهِ أضاف أعمارا إلى عمرهِ
-------------