قال الله تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)﴾ (النساء).
عن محمد بن يزيد بن خُنَيس قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده- وأومأ إلى دار العطارين- فدخل عليه سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتني به عن أم صالح اردُدْه عليَّ. فقال: حدثتني أم صالح، عن صَفية بنت شَيْبة، عن أم حَبيبَة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إِلا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرًا لِلَّهِ"، قال سفيان: فناشدته. فقال محمد بن يزيد: مَا أَشَدَّ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله أَلَيْسَ قَدْ جَاءَكُمْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: من الآية 114)، فهو هذا بعينه أو ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)﴾ (النبأ)، فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ (العصر)، فهو هذا بعينه (1).
عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا"، وَقَالَتْ لَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ، فِي الْحَرْبِ وَالإِصْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا. وَكَانَتُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ اللاَّتي بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم" (2).
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ". قَالُوا بَلَى. قَالَ: "إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" (3).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية 114) أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا كثيرًا واسعًا.
قال القرطبي: والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها.
وقال صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ" (4)، وقال صلى الله عليه وسلم: "المعروف كاسمه، وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله".
وقال الحطيئة:
مَن يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
وأنشد الرياشي:
يد المعروف غنم حيث كانت تحملها كفور أو شكور
ففي شكر الشكور لها جزاء وعند الله ما كفر الكفور
وقال الماوردي: "فينبغي لمَن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثقٍ بالقدرة فاتت فأعقبت ندمًا، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلاً، كما قال الشاعر:
ما زلت أسمع كم من واثق خجل حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن فُتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه"، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح" (5).
وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت.
وقال عبد الحميد: من أخَّر الفرصة عن وقتها، فليكن على ثقةٍ من فوتها.
وقال بعض الشعراء:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون
وقال العباس رضي الله عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته.
وقال بعض الشعراء:
زاد معروفك عندي عظمًا أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطير
ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر.
قوله تعالى: ﴿إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: من الآية114)، عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يُراد به وجه الله تعالى.
وفي الخبر: "كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إِلا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرًا لِلهِ" (6)، فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب.
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب: "أَلا أَدُلُّكَ عَلَى عَمِلٍ يَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؟" قَالَ: بَلَى، قَالَ: "تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَارِبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا" (7).
وقال الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار.
وقال محمد بن المنكدر: تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما، فلم أزل بهما حتى اصطلحا، فقال أبو هريرة وهو يراني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد".
----------------
1- سنن الترمذي برقم (2412) وسنن ابن ماجه برقم (3974) ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت برقم (14) من طريق محمد بن يزيد بن خنيس بنحو سياق ابن مردويه.
2- أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب: لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ 5/638 (2692)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: تَحْرِيمِ الْكَذِبِ وَبَيَانِ مَا يُبَاحُ مِنْهُ 4/2011 (2605/101)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب: إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ 4/331 (1938)، وأحمد واللفظ له 6/403.
3- أخرجه أحمد واللفظ له 6/444، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (4919)، والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب: صلاح ذات البين 4/663 (2509).
4- أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب: مَا جَاءَ فِي طَلاَقَةِ الْوَجْهِ وَحُسْنِ الْبِشْرِ 4/663 (2509)، وأحمد 3/360.
5- السراح: التعجيل.
6- سبق تخريجه.
7- أخرجه الطبراني في الكبير 4/138 (3923)، والطيالسي 81، (598)، والبيهقي في شعب الإيمان 7/490 (11094).