يذهلك المشهد حين تطلع على ما يجري في غزة ومصر، هناك ظلام دامس في غزة بسبب انقطاع الكهرباء لتوقف إمداد المحطة الرئيسية بالوقود القادم من المعابر، التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني.
ولكننا في مصر نعيش في ظلام حالك لساعات طويلة، ليس في مدينة واحدة أو قرى متعددة أو حتى بعض المحافظات، ولكن في جميع أنحاء القطر؛ حيث ينقطع التيار الكهربائي لمدد طويلة.
ولكن الغريب في المشهد المأساوي الذي تعيشه مصر هو أن السبب في انقطاع هذا التيار في مصر هو نفس السبب في غزة؛ لقلة الوقود المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء العملاقة في طول مصر وعرضها.
وعلى ما يبدو فقد دارت الدوائر، والنظام المصري الذي يحاصر غزة ويمنع عنها الوقود والطعام ومستلزمات الحياة هو نفسه يعاني من نقص شديد في هذا الوقود من غير أن يكون هناك حصار مفروض على مصر المحروسة.
تعالوا معًا نحلِّل ونفسِّر ما جرى؛ لأن ما جرى سيسجِّله التاريخ كأحد أهم إنجازات العار في سجل النظام المصري:
1- تصدِّر الحكومة المصرية للكيان الصهيوني الغاز المصري بأبخس الأثمان (أقل من دولارين للوحدة الحرارية) وأسعاره العالمية تتجاوز 10 دولارات.
2- يقوم الكيان الصهيوني الغاصب باستيراد الغاز المصري وتصنيعه وإدخاله كوقود لتشغيل محطات الكهرباء في الكيان الغاصب، ومن المعروف أن العدو الصهيوني ينتج 20% من احتياجاته من الكهرباء عن طريق الغاز, ومعظم هذا الغاز يستورده من مصر.
3- يقوم الكيان الصهيوني بمنع وصول الغاز والوقود المشغل لمحطة كهرباء غزة عن طريق المعابر لتضييق الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة التي تغرق في ظلام دامس، وتتوقف المصانع والمستشفيات وأجهزة التهوية ومحطات الصرف الصحي ومحطات المياه (يستورده من مصر ليمنعه عن غزة).
4- وبسبب تصدير الغاز للكيان الصهيوني يحدث نقص شديد فيه، ولا تستطيع وزارة البترول المصرية أن تفي بحاجة محطات الكهرباء المصرية التي تعمل بالغاز، فيتوقف الكثير منها، وتغرق مصر كلها في ظلام دامس لعدة ساعات وتتوقف فيها محطات الصرف الصحي والمياه ويحدث نقص شديد في مياه الشرب.
5- أكد نواب الشعب من الإخوان المسلمين أكثر من مرة- وعلى رأسهم النائب أشرف بدر الدين عضو لجنة الخطة والموازنة- أن مصر لا يمكنها تصدير الغاز؛ لأنه لا يوجد فائض فيه، وأن احتياطي الغاز سينتهي بحلول 2015م، وأن احتياطي البترول المصري سينتهي بحلول 2025م، وهي مدة قليلة جدًّا لنفاد هذا الوقود الحيوي، ومن ثَمَّ من الواجب التوقف عن تصدير الغاز والبترول وتوفيرهما للاستهلاك المحلي.
6- تواترت أنباء لو صحَّت لكانت فضيحةً مدويةً بكل المقاييس، وهي أن وزارة البترول المصرية تتفاوض مع الكيان الصهيوني لاستيراد الغاز المصري مرةً أخرى، الذي صدَّرته للكيان وبأثمان باهظة لسدِّ العجز الكبير في إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء المصرية (كشفت مصادر بوزارة البترول المصرية عن أزمة تهز الحكومة حاليًّا وتتعلق باتجاه الوزارة إلى إعادة شراء نحو 1.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سبق أن صدَّرته للكيان الصهيوني، وذكرت المصادر أن مصر ستضطر لشراء نصف الحصة التي تعاقد الصهاينة على شرائها من مصر بالأسعار العالمية، والتي لن تقل عن 10.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، في حين أن الصهاينة يستوردونها بسعر يتراوح من 0.7 إلى 1.25 دولار؛ أي بأقل من تكلفة إنتاجها البالغة 2.8 دولار).
وذكرت مصادر صحفية أن ذلك يعني أن مصر ستدفع للصهاينة نحو 14 مليار دولار، في حين حصل الصهاينة على تلك الكمية من مصر بنحو مليارَي دولار؛ أي أن مكسب الصهاينة في نصف الكمية يتعدَّى 12 مليار دولار، وأوضحت المصادر أن وزارة البترول ستتقدم رسميًّا خلال هذا الأسبوع بطلب الشراء للجانب الصهيوني للموافقة عليه، فيما تتوقع أن يرفض الصهاينة الطلب أو أن يبالغوا في سعر البيع.
7- من المعروف أن محطات الكهرباء في مصر يتم تشغيلها بالمازوت والوقود الصناعي والغاز, والأول والثاني نستوردهما، أما الثالث فننتجه ثم نصدِّره للكيان الصهيوني، ثم هكذا تحاول الحكومة المصرية استعادته مرةً أخرى لسد العجز.
8- هناك حلول ظهرت لمشكلة انقطاع التيار الكهربائي في غزة بسبب نقص الوقود؛ حيث قامت الحكومة الفلسطينية في غزة بالتغلُّب على الحصار الصهيوني والحصار الذي تفرضه وزارة مالية رام الله؛ باستقطاع مبالغ من رواتب الموظفين الكبار في غزة لدفعها مباشرةً للشركة التي تجلب الوقود، ولكن على ما يبدو أنها في مصر عصيَّةٌ على الحل؛ حيث لا يزال النزاع قائمًا بين وزارتي الكهرباء والبترول في مصر لتوفير الغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.
الظلام في غزة سببه المحتل الصهيوني وحكومة عباس في رام الله, والظلام في مصر سببه المحتل الصهيوني أيضًا؛ الذي خضع له النظام المصري في إمداده بالغاز.
الظلام في غزة يشعُّ نورًا وصمودًا وعزةً وبطولةً والظلام في مصر يشعُّ فسادًا واستبدادًا وظلمًا.