- عبد الرحمن عليان: الحكومة مستفيدة من زيادة الممارسات الاحتكارية

- د. أحمد جويلي: التمويل بالعجز وراء زيادة الطلب على معظم السلع

- د. حاتم القرنشاوي: من الصعب تحديد هامش ربح في ظل غياب الرؤية

- د. حمدي عبد العظيم: زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي زادت أسعار الغذاء

 

تحقيق: الزهراء عامر

لا تترك الحكومة أية أزمة تمر بالشعب إلا وتثبت مسارعتها للتخلي عن المواطنين وتنصُّلها من أداء دورها الأساسي في حل تلك الأزمات أو حتى على الأقل محاصرتها.

 

وفي أزمة الغلاء الحالية يعاني المصريون الارتفاع الكبير في أسعار المتطلبات والاحتياجات الأساسية، بدءًا من المواد الغذائية بأنواعها وحتى المواد المنزلية والصناعية والإنشائية وغيرها، وهو ما قابلته الحكومة بترك الرقابة على الأسواق والتخلي عن ضبط الأسعار، وترك الجمل بما حمل لجشع التجار، خاصةً مع تزايد استهلاك المواطنين في شهر رمضان بنسبه تزيد عن الـ50%.

 

وكعادة حكومة نظيف في كل أزمة، تلقي كل وزارة بالمسئولية على كاهل الأخرى، فوزارة التجارة والصناعة تنصَّلت من مسئوليتها في أزمة ارتفاع الأسعار، وألقت بالمسئولية على كاهل وزارة الاستثمار، بينما نقلت وزارة الاستثمار المسئولية الكاملة في ارتفاع أسعار السلع والمنتجات إلى وزارة التجارة والصناعة؛ لعدم قيامها بوضع تسعيرة جبرية بزعم اقتصاديات السوق الحر، والذي تحدد فيه الأسعار بناء على آليات العرض والطلب.

 

وأجمع الخبراء والمتخصصون على أن خضوع السوق المصري لاقتصاديات العرض والطلب والمنافسة لا يحمل عن الحكومة مسئوليتها في وضع سقف لارتفاع الأسعار، وفرض هوامش ربحية معقولة بحساب التكلفة الحقيقية للسلع.

 

وقالوا إن التجار والمنظومة الفاسدة تحاول أن تحافظ على مستوى ما وصلت إليه من مكاسب، والجهاز الحكومي مستفيد من ذلك، وأنه يقوم بتقسيم الأرباح معهم، ويربح ويعمل لحساب فئات أخرى، وهذا إن دلَّ يدل على أن هناك صفقة بين الحكومة ورجال الأعمال.
(إخوان أون لاين) حاول فك طلاسم أزمة ارتفاع الأسعار؛ وما سبب إصرار الحكومة على تنصلها من مسئوليتها في التحقيق التالي:

فجوة العرض والطلب

يقول الدكتور عبد الرحمن عليان عميد المعهد العالي للاقتصاد: إن الأزمة التي يعاني منه السوق ليست مجرد ارتفاع أسعار أو زيادة عملية استيراد السلع من الخارج، وإنما تكمن في الخطأ في تحديد الفجوة ما بين العرض والطلب على السلع واتساع هذه الفجوة، ومن المؤسف أن الحكومة لم تلجأ إلى تحديد هذه الفجوة إلا عندما تتلقى شكاوى عن وجود أزمة أو نقص للسلع في الأسواق.

 

ويفند أسباب استمرار تصاعد الأسعار في الأسواق حتى وصلت إلى هذا الحد إلى أن مستوى دخول الأفراد أقل من معدلاتها في الخارج، بجانب أن المخرجات في ضوء القدرة السوقية ضعفت، ووزارة التجارة لا تتحرك لزيادتها، فضلاً عن عدم فهم المستهلك لطبيعة السوق في بعض الحالات.

 

ويرى أن الحل الرئيسي لمواجهه ارتفاع الأسعار هو مراقبة الأسعار على أساس السعر العالمي ودراسة أسباب الزيادة والانخفاض على أساسها، وهذا لا يتطلب ضرورة وجود سعر جبري للسلع، بالإضافة إلى أن تقوم المجمعات الاستهلاكية بعرض السلع بوفرة التي يوجد فيها مغالاة للأسعار، وتكون في متناول الجميع، حتى لا تكون المجمعات مثلها مثل السوق السوداء تشتري سلعًا وتخصِّصها لكبار القوم والمسئولين.

 

ويشدِّد د. عليان على ضرورة أن تكون هناك ضبطية قضائية لمنع ممارسات الاحتكار في الأسواق؛ لأن ارتفاع أسعار السلع الغذائية يتنافى مع الدين والقانون والأخلاق حتى لا يسمح للتاجر أن يخزن السلع ولا يبيعها بسعرها الطبيعي ليحتكرها.

 

ويحلِّل أسباب تراخي الحكومة عن قيامها بدورها في تسقيف الأسعار ومنع الاحتكار إلى 3 محاور:

الأول: هو ضعف الأجهزة الرقابية، ووجود نوع من الإهمال "إهمال جسيم يصل إلى حد الخيانة"- على حد قوله- وتبرأ الحكومة إهمالها وعجزها بنقص وعدم وفرة المعلومات لديها.

 

والثاني: هو وجود نوع من التواطؤ بإخلاء مسئولية كل جهة عن الفساد وإلقاء كل منها اللوم على الأخرى.

 

أما الثالث: هو أن التراخي متعمد لصالح رجال الأعمال ضد الضعفاء؛ مما يزيد معاناة المستهلكين أصحاب الدخول الضعيفة.

 

ويوضِّح أن زيادة معدل التضخم في السلع الغذائية بيَّن مدى ضعف الرقابة في مواجهة هذا التضخم، على الرغم من أسعار السلع في العديد من دول العالم بدأت تصل إلى معدلاتها الطبيعية بعد الأزمة العالمية، وبدأ الإنتاج يزيد والمعروض يكون في نفس معدل الزيادة في الدخول.

 

ويضيف أن التجار والمنظومة الفاسدة تحاول أن تحافظ على مستوى ما وصلت إليه من مكاسب، والجهاز الحكومي مستفيد من ذلك، أو أنه يقسم معهم ويرابح ويعمل لحساب فئات أخرى.

 

التمويل بالعجز

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد جويلي

ويؤكد الدكتور أحمد جويلي "رئيس مجلس الوحدة الاقتصادية العربية السابق" أن الأسعار لا يمكن أن تنخفض، وستستمر في طريقها للارتفاع؛ نتيجةً للسياسة المالية التي تعتمد على التمويل بالعجز، وهي زيادة متعمَّدة في الإنفاق عن الإيراد، ويكون الإنفاق بطرق عشوائية دون أن يكون هناك رصيد كافٍ له؛ ما يؤدِّي إلى زيادة التضخم وزيادة الطلب على سلع غير متوفرة.

 

ويوضح أن سياسة التمويل بالعجز سياسة غير ناجحة في إطار التنمية المتوازنة؛ لأنها  تأخذ شكل إعداد موازنة بها عجز يمول بالاقتراض؛ وذلك بهدف تنشيط الاقتصاد القومي والتوظيف عن طريق ضخ قوة شرائية إضافية، وقد ترتب على زيادة وظائف الدولة وزيادة نفقاتها تبعا لذلك، وأصبح وجود عجز في الموازنة العامة أمرًا عاديًّا، ولهذا فالتمويل بالعجز أصبح يعني التوسُّع في العجز عن مستواه العادي.

 

مسئولية الإعلام

ويؤكد الدكتور حاتم القرنشاوي "أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية‏‏ وعضو مجلس إدارة البنك المركزي سابقًا" أن تحديد هامش ربح معقول عملية متفق عليها في كثير من الأحيان، ولكن من الصعب تحقيقها في ظل عدم توافر المعلومات الكافية عن التكلفة الحقيقة للسلع، ووجود تربيطات ومضربات احتكارية في السوق.

 

ويضيف أن عدم الدقة في نقل المعلومة الحقيقة للأسعار كان له دور رئيسي في ارتفاع الأسعار، ووجود نوع من الإثارة الصحفية التي لا تصب في مصلحة المستهلك، فتارة تكتب جريدة عن وصول أسعار اللحوم البلدية في بعض الأماكن الراقية إلى 100 جنيه للكيلو،  في حين أنه ما زال هناك محال تبيعها بسعر 40 و50 جنيهًا؛ فيرفع أصحاب هذه المحال الأسعار إلى 70 جنيهًا، وهو مقتنع أنه أرحم من غيره.

 

ويشدِّد على ضرورة أن يوجد نوع من الإعلام المستمر للأسعار الحقيقة يعتمد على وزارة التجارة والصناعة في نقل معلوماته، ويقوم بالمقارنة بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية، ويوضح لماذا انخفضت أسعار السلع عالميًّا، ومع ذلك لم تنخفض في مصر، وأن يكون هناك نوع من الدقة في محاربة الغلاء ورفع الأسعار المفتعلة.

 

تنصل حكومي

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي عبد العظيم

ويرى الدكتور حمدي عبد العظيم "أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية وعضو المجالس القومية المتخصصة" أن عملية ارتفاع الأسعار عملية مركبة، كلٌّ منها يصب في قالب الآخر.

 

ويوضح: وأزمة اللحوم وارتفاع أسعارها كان نتيجة ارتفاع أسعار العلف الذي أدَّى إلى ارتفاع تكاليف الماشية، وارتفاع أسعار الدواجن كان بسبب قلة المعروض والذبح العشوائي للطيور، والسلع الأخرى تخضع لعملية الاحتكار، خاصةً السلع المستوردة  كالسكر وزيوت الطعام.

 

ويضيف أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي الناتج عن ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور وارتفاع فوائد بنوك التنمية والائتمان الزراعي يعتبر جزئًا كبيرًا من أسباب ارتفاع أسعار الخضروات، بجانب ارتفاع أسعار الطاقة التي أدَّت إلى ارتفاع أسعار النقل وزيادة تكاليف حمل المحاصيل الزراعية، موضحًا أن الممارسات الاحتكارية يترتب عليها تربيطات بين التجار بعضهم البعض لرفع الأسعار، وهذا بسبب وجود سياسات حكومية خاطئة.

 

ويشير إلى أن الحكومة تتحجج دائمًا عند مطالبتها بمواجهة الانفلات، بأن السوق يخضع إلى عمليات العرض والطلب، وجهاز حماية المستهلك ليس له علاقة بضبطية الأسعار، فكل ما عليه هو ضبط أو عمل محاضر للمحال أو تجار محتكرين.

 

ويؤكد أن الحكومة لا تريد أن تتدخل وتكون مسئولة عن تخفيض الأسعار؛ لأنها يوجد عليها ضغوط من قبل رجال الأعمال والحزب الوطني ومجلس الشعب وتترك الملعب للمحتكرين.

 

وفيما يخص اللجوء إلى وزارة الاستثمار بالاستيراد من الخارج لسد العجز يرى عبد العظيم أن هذا الأمر تنصل حكومي من المسئولية وغير مُجدي؛ لأن عملية الاستيراد تحتاج لفترات طويلة، ما يترتب عليها ارتفاع أكبر في الأسعار وعملية الاستيراد لا يمكن أن تعالجها.

 

ويضيف أن عملية الاستيراد ستؤدِّي إلى زيادة العجز في الميزان التجاري، مما يؤثر على انخفاض قيمة الجنيه أكثر وأكثر، موضحًا أن الحل الموضوعي في هذا الوقت يقتصر على وضع الحكومة لحد أقصى بالنسبة للسلع الغذائية على الأقل لأسعار الغذاء والأدوية، مثلما يحدث في الولايات المتحدة، بجانب زيادة الإنتاج موازيًا مع عملية الاستيراد والتخفيض من الجمارك، بشرط أن يتم بيع السلع بالسعر الذي تحدده الحكومة، ولم يتم عملية البيع بالسعر الذي يراه التاجر حتى لا يكون التاجر مستفيدًا مرتين بالأرباح والإعفاءات الجمركية.

 

المنتج المحلي

ويتساءل فياض عبد المنعم أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر هل الحكومة درست أسباب نقص المعروض من السلع فمن أجل ذلك تحاول أن تلجأ للاستيراد لسد العجز وتتنصل من مسئوليتها؟ وأين دور جهات الرقابة في ضبط الأسواق في حالة أن المنتج المحلي لا يكفي لإشباع الطلب؟ موضحًا أن هيكلة السوق غير متوافرة.

 

ويرى أن توفير الحكومة عرضًا محليًّا ومنتجًا محليًّا كافٍ لإعادة الأسعار إلى وضعها الطبيعي، دون الحاجة إلى الاستيراد من الخارج.

 

وينتقد اللجوء إلى وزارة الاستثمار لحل مشكلة الفجوة بين العرض والطلب؛ لأن وظيفتها تقتصر على جلب الاستثمارات الأجنبية وما زالت في مرحلة التأسيس.