- سيف عبد الفتاح: القدس ترمومتر قوة وضعف العرب
- فهمي هويدي: النيران ما زالت مستمرة والعرب صامتون
- عبد القادر ياسين: لا بد من مناهضة القوى الحية للصهاينة
- عبد الحليم نور: قوة الساعد والسلاح ستعيد لنا القدس
تحقيق: الزهراء عامر
حلَّت أمس الذكرى الـ41 على قيام العصابات الصهيونية بإحراق المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؛ التي حدثت من قِبَل أحد المتطرفين الصهاينة، ويُدعى "مايكل دينس روهن".
وعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على تلك الجريمة المدبرة، وعلى إخماد نيران الحرائق التي قضت على كلِّ محتويات الجانب الشرقي للمسجد الأقصى، وهدَّدت بتدمير قبة الصخرة؛ فإن مسلسل التعدي على معالم القدس الأثرية والحضارية الإسلامية والتهويد ما زال مستمرًا منذ ذلك التاريخ بوتيرة متصاعدة، وظلَّت الحكومة الصهيونية تمارس سياسة تعسفية تجاه المسجد الأقصى ومدينة القدس والمقدسيين.
ويعيد المشهد نفسه بصورة أكثر خطورةً وأكثر إجرامًا؛ حيث تبذل الحكومة الصهيونية جهدًا، وتسارع الوقت من أجل تنفيذ مخططاتها الرامية لتهويد القدس بشكل مطلق من خلال الاستيلاء على أراضي سكانها، وإرهاب من يتمسك منهم بأرضه، وبناء المستوطنات.
بل إن الأمر تجاوز الأحياء ووصل إلى الموتى؛ حيث واصلت الحكومة الصهيونية تجريف عدد من مقابر المسلمين وحدائق ومتاحف أمام سمع وبصر المجتمع الدولي، فضلاً عن جملة الاعتداءات والجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال في المسجد الأقصى من خلال الحفريات التي وصلت إلى أساساته، ومحاولة تغيير معالم البلدة القديمة، وتغيير أبواب المسجد الأقصى، مثل محاولتهم إلغاء باب العامود وجعل باب الخليل هو المدخل الرئيسي للأقصى.
وكشف تقرير صادر عن مؤسسة القدس الدولية عن تزايد سرعة الحفريات تحت المسجد الأقصى؛ وذلك بمقدار الضعف تقريبًا خلال العام الماضي، لافتةً إلى وجود إشارات عدة تؤكد اكتمال بناء مدينة يهودية أسفل المسجد.
وأكد التقرير تزايد مواقع الحفريات حول المسجد إلى 34 موقعًا، منها 15 حفرية في جنوبه، و17 حفرية غربه، وحفريتان شماله.
وأشار إلى تبدُّل طريقة تعاطي الاحتلال مع الحفريات؛ فبعد أن كان يتعامل مع مواقع الحفريات بحساسية مفرطة، ويحاول إخفاءها خوفًا من ردود الفعل؛ أصبح يتعاطى معها اليوم دون حساسية أو خوفٍ من ردّات الفعل الفلسطينية أو العربية والإسلامية، بل أصبح مستعدًّا للدخول في مواجهات مع السكان المقدسيين لحماية سير العمل فيها.
ويرصد التقرير بلوغ عدد مواقع الحفريّات حول المسجد 34 موقعًا بزيادة 9 مواقع عن العام الماضي (21 منها نشطة، و13 مكتملة)، ومن الناحية الجغرافية تقع (15 حفرية منها جنوب المسجد، و17 حفرية غربه و2 شماله).
وفيما يتعلق بالبناء ومصادرة الأراضي في محيط الأقصى، تحدَّث التقرير عن النقلة النوعيّة التي شهدها بناء المعالم اليهوديّة في محيط الأقصى، مع افتتاح الاحتلال لكنيس الخراب غرب المسجد الأقصى، ورصد مصادقة الاحتلال على بناء كنيسين جديدين أكثر قُربًا إلى المسجد الأقصى من كنيس الخراب، وهما كنيس "مصلى المتحف الإسلامي" داخل ساحات الأقصى، وكنيس "فخر إسرائيل" في محيط الأقصى.
كما رصد التقرير افتتاح الاحتلال لمتحف "المعبد الثالث" في الطرف الغربي الجنوبي لساحة البراق؛ لترويج الرواية اليهوديّة لتاريخ القدس، مؤكدًا أن وصول الاحتلال إلى هذا المستوى من الجرأة على إقرار وتنفيذ مخططات البناء الضخمة يشير إلى أن هذه المخططات ستصبح أكثر ضخامةً في المستقبل وأكثر قُربًا من المسجد الأقصى.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء المهتمين بالشأن الفلسطيني؛ لمعرفة حجم المخاطر المحدقة بالمسجد الأقصى، والدور المطلوب لحمايته، وسبل تفعيل الدور الشعبي في التعريف بالمخاطر في خطة التهويد في التحقيق التالي.
وأجمع الخبراء والمتخصصون على أن الحكومة الصهيونية تمارس استهتارًا مفضوحًا بكلِّ العهود والمواثيق الدولية، والحقائق التاريخية، وأن الاحتلال الصهيوني يسعى من وراء الاستمرار في مخططات التهويد إلى الانتقاص من كرامة المسلمين والعرب، وفرض الاستسلام المهين على الشعب الفلسطيني، ويجري كل ذلك وسط صمت دولي مطبق ومخزٍ.
اشتعال النيران
![]() |
|
فهمي هويدي |
ويشير إلى أن الحرائق التي اشتعلت منذ أكثر من 4 عقود ما زالت مستمرة على الرغم من إخمادها؛ لأن قضية المسجد الأقصى مرتبطة ارتباطًا كبيرًا ووثيقًا بالقضية الفلسطينية، وبالتالي قضية المسجد الأقصى أصبحت مجمدةً مثلما تجمدت القضية الفلسطينية كلها.
ويطالب هويدي جموع العرب أن يتمسكوا بحقهم في المسجد، وأن يبذلوا الغالي والنفيس لحمايته من الدمار والهدم.
ويؤكد سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة؛ أن قضية المسجد الأقصى الذي يشكل قلب قضية القدس مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بها، ولا يمكن الفصل بينهما؛ لأنها جزء كبير من القضية الأوسع التي تتعلق بالمسجد والمكان الذي بورك حوله ككل، ولهذا يتطلب من العرب جهدًا كبيرًا ليتم التعامل مع القيمة الرمزية لهذا المكان.
ويوضح أن قضية القدس والحصول عليها تعتبر علامةً فارقةً في حقيقة الأمر، وتكاد تكون "الترمومتر" لقوة العرب والأمة الإسلامية إذا تم تحريرها من قبضة الاحتلال واستردادها مرة أخرى لقلب فلسطين، ومع مرور الوقت وضياع القدس من أيدي العرب فإن مؤشر الترمومتر ما زال يشير إلى الآن إلى الاستمرار في الوهن والضعف الشديد الذي يعاني منه جيل اليوم؛ لتخليهم عن قضيتهم الرئيسية.
ويشير إلى أن جملة السياسات التي تنتهجها الحكومة الصهيونية على الأرض وفي حق المقدسيين، الأمر الذي لا يقابله ردود أفعال واسعة وقوية من الزعماء العرب والشعوب العربية تجاه الأفعال الصهيونية الإجرامية؛ تؤكد أن العرب جميعًا تركوا المقدسيين في العراء، وبقي الضرب والتلاعب على أوتار أحزانهم وآلامهم، وعلى معانٍ شديدة الخطورة مع القدس.
ويضيف أن المسجد بدا محط للاهتمام الصهيوني خاصة في فترة حكم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني، في محاولة لتغيير معالم المسجد الأقصى، واستمرار عمليات التهويد المستمرة في مدينة القدس.
ويؤكد أن المساس بالمسجد الأقصى يعتبر من الخطوط ليست فقط الحمراء؛ ولكن من الخطوط التي يجب عدم الاقتراب منها، ومع ذلك استطاعت الحكومة الصهيونية أن تضرب المسجد من أساسه وجدرانه وكل مكان يحيطه.
ويشير إلى أن "اللجنة العربية للقدس" التي قامت الدول العربية بتأليفها لجنة صماء بكماء، لم تقم بعمل يتواءم ويتواكب مع طبيعة التهديدات التي تُمَارس بصدد مدينة القدس، مشيرًا إلى أن هذه اللجنة لا تقوم بأي عمل يُذكر، ولكنها تحركت لجمع تبرعات، ولا يمكن أن تؤدي وتقف في وجه المستهدف الصهيوني، سواء كان المستهدف ماليًّا من أصحاب الملايين والمليارات من الصهاينة، أو مستهدفًا سياسيًّا.
ويرى أن الدول العربية والنفطية تحاول الحفاظ على كراسيها، وهذا الأمر لم يقتصر على الحكام فقط، بل يمتد إلى عموم النخب التي ما زالت تشكل غطاءً لكلِّ الجرائم التي تحدث للمسجد الأقصى والقدس.
ضياع القضية
![]() |
|
عبد القادر ياسين |
ويتساءل قائلاً: "العدو الصهيوني الذي يمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى والقيام بشعائرهم الدينية؛ كيف لهذا العدو أن يسمح للعرب أن يدخلوا القدس، إلا إذا كان دخولهم يحمل أهدافًا ومعاني عديدة، يريد أن يرسلها هذا العدو إلى الشعب الفلسطيني، والشعب العربي والعالم كله؟!.
ويؤكد أن العرب جميعًا مقصرون في حقِّ القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، خاصةً حين يبادر وزراء الخارجية ويوافقون على جعل العدو الأكبر للقضية الفلسطينية وهو "الولايات المتحدة" يمثِّل الطرف الفلسطيني في المفاوضات المباشرة بعد فشل المفاوضات غير المباشرة، فنحن في مهزلة حقيقية.
ويرى أن الوضع العربي الرسمي المترهل والمتردي يغري العدو الصهيوني بمزيد من الوقاحة والإجرام في حقِّ الشعب الفلسطيني، وفي حقِّ ممتلكات ومقدسات الأمة الإسلامية، وقد يتكرر حريق المسجد الأقصى، فضلاً عن استمراره في تنفيذ مشروع "التهويد" في مدينة القدس، موضحًا أنه لا يوجد في أيدي الشعوب العربية شيء يفعلونه تجاه حماية المقدسات الإسلامية والمسجد الأقصى من الانهيار؛ لأنها مغلوبة على أمرها وتائهة في المجاعات التي ابتكرها حكامهم لصرف أنظارهم عن كلِّ القضايا التي تحدث للأمة الإسلامية، مُحملاً المسئولية الكاملة للقوى الحية التي أعطت ظهرها للقضية في سبيل بلورة موقف شعبي وقوي ليضغطوا ويقفوا في وجه حكامهم.
عودة الحق بـ"القوة"
د. عبد الحليم نور الدين
ويشير الدكتور عبد الحليم نور رئيس المجلس الأعلى للآثار إلى أن الموقف الراهن وما يحدث بشأن المسجد الأقصى يستدعي استخدام القوة؛ لردع هؤلاء الصهاينة؛ لأن إثبات أحقية المسلمين والفلسطينيين بالحقائق التاريخية أو عن طريق الضغوط الدولية أصبحت لا تعطي أي نتيجة، ويستمر العدو الصهيوني في تهويده للمدينة، وفي الحفريات تحت المسجد.

ويضيف: إن السلوك البربري للصهاينة لا يستطيع أحد أن يمعنه إلا بالقوة، التي تتمثل في قوة المال وقوة السلاح والجيش، فنحن الآن لا نحتاج لنشرح للعالم قضيتنا؛ لأن العالم كله حفظ القضية، ولا بد ألا نترك قَدَرَنا في أيدي الكيان الصهيوني.
ويتساءل: "هل الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى المفاوضات المباشرة ستعود بمدينة القدس وسيقف المشروع التهويدي للقدس؟ فالإجابة واضحة وهي: لن تأتي المفاوضات المباشرة بجديد للقدس.
ويؤكد أن الكيان الصهيوني لن يقوم بإحراق المسجد الأقصى مرة أخرى؛ لأن مستهدفهم هو تدمير المسجد الأقصى نهائيًّا وبناء مكانه "الهيكل المزعوم"، وإذا حدث حريق مرة أخرى فمن يقوم به فإنه مجنون؛ الأمر الذي سيفتح عليهم بابًا من أبواب جنهم؛ لأنه ستندلع نيران المظاهرات مرة أخرى.

