- د. محروس عبد الغني: الاختيار قرار سيادي وليس له تفسير منطقي
- رئيس شركة سابق: الحكومة تتعامل بمنطق "القمح من إبليس ولا للمحلي"
- مستشار برنامج القمح الأمريكي: الشكوك متوافرة بسبب اللجوء للأرخص
- د. حمدي حسن: السياسة الأمريكية تهدف إلى وضع مصر في مهب الريح
تحقيق: إيمان إسماعيل
أعلنت الهيئة العاملة للسلع التموينية عن شراء 55 ألف طن من القمح الأمريكي من شركة "كارجل" بسعر 321.50 دولارًا للطن، وسيتمُّ شحنها في الفترة من 16 إلى 30 سبتمبر المقبل.
وكان وزير التجارة المصري رشيد محمد رشيد أوضح أن مصر سوف تحتاج إلى استبدال أكثر من 500 ألف طن كبديل عن القمح الروسي؛ حيث تلقَّت الهيئة 8 عروض لتوريد الكميات المطلوبة من ألمانيا وأستراليا وأمريكا، وتمَّ اختيار عرض واحد منها فقط وهو العرض الأمريكي، على الرغم من ارتفاع سعره؛ حيث يتجاوز الفارق في الثمن 200 دولار للطن الواحد!.
وبرَّر مسئولو هيئة السلع التموينية لجوءهم إلى ذلك العرض بأن نوعية القمح المتعاقد عليه تختلف عن 120 ألف طن من القمح الذي استوردته الهيئة الأسبوع الماضي من فرنسا بسعر 312.5 دولارًا.
(إخوان أون لاين) يتساءل في التحقيق الآتي عن أسباب تفضيل الحكومة لعرض القمح الأمريكي على وجه الأخص، على الرغم من ارتفاع سعره؟ ومن أين ستأتي الحكومة بتلك الأموال الطائلة، على الرغم من وجود عجز شديد في الموازنة؟ وعن طبيعة المناقصة التي عقدت والمعايير التي تم التفضيل بناءً عليها؟، باحثًا عن تأثير تلك الأزمة في الأوضاع مستقبلاً؟!
لا تفسيرات!
يقول الدكتور محروس عبد الغني أبو شريف "رئيس قسم بحوث القمح بمركز البحوث الزراعية": إن قرار اختيار عروض القمح من الشركات المتعددة من مختلف البلاد متعلق أولاً وأخيرًا بقرارات سيادية ولا يوجد لها تفسيرات منطقية.
ويدلل على ذلك بقوله: إن الاجتماع الطارئ الذي عُقد أمس لبحث الأزمة حضره وزير التجارة رشيد محمد رشيد، ولم يحضره وزير الزراعة أمين أباظة، على الرغم من إحاطة الأخير للأزمة بشكل أكبر.
ويرى أن الأزمة التي تمر بها مصر حاليًّا، والمأزق الحرج الذي تمر به؛ جعلها تقبل بأي عروض مهما كانت؛ حتى تخرج من تلك الأزمة بأي ثمن!.
ويضيف أن ردود الحكومة واهية جدًّا في عدم اهتمامها بتنمية الإنتاج المحلي للقمح ودعم الفلاح؛ حيث يكون ردها "الناس جعانين ميه فكيف سنزرع"!!، مشيرًا إلى أن هناك العديد من الطرق لزراعة القمح والتي لن تستهلك كميات كبيرة من الماء، منها استخدام الصرف الزراعي.
القمح من إبليس!
وهو ما يؤكده المهندس يوسف محمد "رئيس شركة الصالحية الأسبق لزراعة القمح"، متسائلاً: أين المحافظة على الإنتاج المصري من القمح في خطط الحكومة وتحركاتها؟ أو زيادته والنهوض به وتنميته؟!
ويعجب من لجوء الحكومة المصرية إلى استيراد القمح من العرض الأمريكي بسعر 321.50 دولارًا للطن، مشيرًا إلى أن ذلك السعر يعدُّ مرتفعًا للغاية؛ لأن الفارق كبير بين العرض الأمريكي وما كنا نستورده من روسيا سابقًا أو من غيرها من البلاد؛ حيث كانت تستورد من روسيا قبل الأزمة بسعر 150 دولارًا للطن فقط، وذلك فضلاً عن ارتفاع سعر نقل القمح الأمريكي والذي يقدَّر بـ300 دولارًا.
ويضيف قائلاً: كان أولى بالحكومة بدلاً من أن تلجأ إلى السحب من الموازنة لاستيراد القمح بذلك السعر المرتفع؛ أن توجه تلك الأموال إلى تشجيع الإنتاج المحلي، والذي سيوفر ما يزيد عن 70% من احتياجاتنا.
ويستنكر تحركات الحكومة المصرية لحلِّ تلك الأزمة، قائلاً: "الحكومة لو وجدت القمح عند إبليس لأخذته منه، ولن تلقي بالاً لتنمية الإنتاج المحلي"!!، لافتًا النظر إلى قمع الحكومة كل حقوق الفلاح المصري، والتي تحاسبه على الإردب الواحد بـ270 جنيهًاً، فضلاً عن الإكراميات التي تزيد عن 10 جنيهات، بالإضافة إلى الرشى التي تسهل استلام القمح!.
ويتوقع أن يثمر تسول الحكومة الحالي لطن قمح واحد من أيٍّ من دول الغرب عن كوارث مستقبلية، مشيرًا إلى احتمالية تواطؤ دول الغرب في ألا تصدِّر القمح لمصر إلا بثمن مرتفع جدًّا، كنوع من أنواع الضغط وليِّ الذراع، ولعلمها بالأزمة الطاحنة التي تمر بها مصر.
ويؤكد أن الـ8 عروض التي توافرت لدى الحكومة المصرية في مجملها لم يكن أمامها أي اختيار أو مجال للتفاوض؛ لأنها مرغمة على ذلك الاختيار لاعتبارات سياسية أكثر منها فنية!.
الحكومة "غرقانة"!
ويضيف الدكتور حمزة عبد العليم "مستشار برنامج القمح الأمريكي سابقًا" أن القمح الأمريكي من أغلى أنواع القمح، وشحنه يتكلف مئات الجنيهات نظرًا لبعد المسافة؛ ما يجعل الكثير من التساؤلات تثار حول أسباب لجوء الحكومة لذلك القمح في ذلك التوقيت تحديدًا، على الرغم من بعدها عنه طوال السنوات السابقة.
ويشير إلى أن نهج الحكومة المصرية دائمًا هو اللجوء إلى استيراد أرخص الأسعار على الإطلاق؛ ما يزيد علامات الاستفهام حول لجوء الحكومة إلى ذلك العرض تحديدًا، على الرغم من العجز في الموازنة العامة الكبير، مؤكدًا أن الحكومة المصرية لا يمكن أن تدفع أموالاً طائلةً، فقبولها بذلك العرض من المحتمل أن يكون في مقابل خفض أمريكا المواصفات القياسية للقمح، أو التغيير في نوعية القمح التي ستستوردها بشكل غير معلوم!.
ويضيف أن هناك مواصفاتٍ محددةً لا بد أن تتبعها هيئة السلع التموينية في الموافقة على أي عروض وإذا ما اكتشفت مخالفتها لا بد من مساءلتها، وهو ما ننتظره من الحكومة المصرية حاليًّا، مضيفًا أن كل تحركات الحكومة المصرية تدل على أنها "غرقانة" ومتخبِّطة ولا تعرف وجهتها.
ويلفت النظر إلى أن الحكومة المصرية هي السبب الأول والأخير في الأزمة الحالية؛ لأنها غير مؤمنة بأهمية الزراعة؛ ما جعلها تضيِّع الأراضي الزراعية، وتُحيل الكثير من الأراضي الزراعية إلى أنشطة مستفزة للشعب المصري، والتي كان آخرها تحويل 21 ألف فدان في جمصة إلى منتجعات سياحية وحمامات سباحة!.
مؤامرة
د. عبد الله الأشعل

وعلى الصعيد السياسي يوضح السفير الدكتور عبد الله الأشعل "مساعد وزير الخارجية الأسبق" أن عدم قيام الحكومة المصرية بزراعة القمح في مصر وسعيها لاستيراده رغم وجود كل مقومات نجاح زراعته في مصر؛ مؤامرة على مصر أولاً وأخيرًا!.
ويستنكر افتخار وزير الزراعة المصري بأننا حقَّقنا اكتفاءً ذاتيًّا من الكانتالوب، ونحرص بشدة على زراعة اللبّ، في الوقت الذي نتسوَّل فيه القمح وهو محصول حياة أو موت، مؤكدًا أن كل ما يحدث هو مهزلة وفضيحة كبرى، تستدعي محاسبة الحكومة والمسئولين على وجه السرعة.
ويؤكد أن الرابح الأول من تلك الصفقة هم رجال الأعمال اللصوص مع حفنة من الوزراء الذين سيحصلون على عمولة تفوق ملايين الجنيهات، وسيتقاسمونها فيما بينهم، مستبعدًا أن تعود تلك الصفقة بأية فوائد على الشعب المصري أو تنقذهم من أية أزمات؛ لأنها في المقام الأول والأخير مصالح مشتركة بين المسئولين ورجال الأعمال لا علاقة لها بمصلحة الشعب.
ويلفت النظر إلى أن أمريكا هي التي تمنع مصر طوال السنوات السابقة من أن تقوم بزراعة القمح أو أن ننهض بحال الزراعة المصرية؛ حتى لا نكون دولة قوية لها وزن؛ وبالتالي من غير المتوقع أن تكون هي نفس الدولة التي يؤمل منها أي نفع من خلال تصديرها قمحًا صالحًا بمواصفات قياسية وبسعر منخفض!.
ويضيف قائلاً: "ستكون كارثة كبرى إذا كانت الدولة تنوي أن يتم تمويل تلك الشحنة من المعونة الأمريكية على حساب مشاريع أخرى".
حكومة في مهب الريح!
د. حمدي حسن

ويضيف النائب الدكتور حمدي حسن "عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب عن اللجنة الاقتصادية" قائلاً: إن من حق الشعب المصري أن يأكل الطعام المناسب الذي يناسب الإنسان، وليس الصالح للاستهلاك الحيواني فقط، مثل آخر شحنة من القمح الأوكراني.
ويرى أن وضع الحكومة المصرية حرج للغاية؛ ما يجعلها تلجأ إلى أية بدائل متاحة لأنها في مأزق سياسي واجتماعي؛ مؤكدًا أن الحكومة مسئولة أمام الشعب عن توفير القمح المناسب بأي سعر، على الرغم من العجز المرتفع في الموازنة، في ظل رفع قانون العرض والطلب لأسعار القمح بسعر جنوني.
ويوضح أن سياسة أمريكا التي نعهدها منذ فترة طويلة هي كيفية السيطرة على "معدة" المصريين، بالتوازن مع الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني؛ ما يجعلها تحارب وبكل قوة أن تزرع مصر القمح على أراضيها، بل تدفعها دائمًا إلى الاستيراد من الخارج؛ حتى تكون حكومة في مهب الريح!.