- د. علي ليلة: الحكومة استقالت معنويًّا وذهبت إلى مارينا
- د. حمدي عبد العظيم: زيادة الطلب طبيعي والمسئولون نائمون
- حافظ أبو سعدة: المواطن ينفس عن غضبه في طابور الخبز
تحقيق: يارا نجاتي
عاد مسلسل ضحايا طوابير العيش إلى العرض من جديد أمام المخابز في شهر رمضان، وكانت إحدى الحلقة دمويةً في مركز العياط بالجيزة، والتي انتهت بإصابة ثلاثة من الشباب نتيجةً لإطلاق أعيرة نارية عليهم على أثر مشاجرة في طابور العيش على أولوية الحصول على الخبز.
وفي حلقة أخرى توفي شاب في الخامس والعشرين من عمره في أحد طوابير العيش بنجع حمادي في حادثٍ غريب، وكان قرار مفتش الصحة أن الوفاة جاءت لهبوط حادٍّ في الدورة الدموية، أما أهل المتوفى فتظاهروا أمام المستشفى مؤكدين تعرضه للضرب أثناء الوقوف في الطابور.
وكان الجزء الأول من المسلسل شاهدناه عام 2008م، وانتهى بسقوط الكثير من الضحايا في النصف الأول من العام وصلوا إلى 14 قتيلاً، وإصابة 191 آخرين، كما اعتقل الأمن 137 مواطنًا خلال المصادمات في طوابير الخبز.
واتخذت الحكومة على أثر تلك الحوادث عدد من الحلول أثبتت فشلها بدليل عودة الأزمة مرةً أخرى، كان من أهم تلك الحلول الفاشلة فصل أماكن التوزيع عن أماكن إنتاج الخبز، بإنشاء أكشاك للتوزيع بعيدًا عن المخابز، وأيضًا تحديد نصيب الفرد من الخبز لكل يوم.
أما الجزء الثاني فيدور في الوقت حول نفي الحكومة وجود أي مشاكل أو تداعيات على مصر وسط أزمة القمح الروسي، المصدر الأكبر للقمح في مصر، وتؤكد الحكومة وجود مخزون من للقمح يصل إلى أربعة أشهر قادمة، فماذا سيحدث إذا نفد ذلك المخزون؟ ولماذا عاد ضحايا طوابير العيش للظهور من جديد؟
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
طرحنا أسئلتنا على الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا فقال: إن عودة ضحايا طوابير الخبز أصبح ظاهرةً رمضانيةً طبيعية، حيث تظهر تلك الأزمة بشدة خلال الشهر نتيجةً لزيادة الطلب على الخبز المدعم، وشراء الكثيرين لكميات أكبر مما يحتاجه الفرد بكثير، فضلاً عن استحواذ جهات محددة على كميات كبيرة من المستحقة للأفراد، كموائد الرحمن والمطاعم وبعض الجهات الأخرى، ما يؤدي إلى نفاد الخبز قبل وصوله إلى أيدي المواطن البسيط.
ويضيف: من هنا تنشأ المشاجرات التي تنتهي بسقوط ضحايا، سواء كانت المشاجرة مع البائع أو فيما بين الأفراد بعضهم البعض عندما تطول مدة الوقوف في الطابور ولا يحصل على ما جاء من أجله، مشيرًا إلى أن تلك المشكلة لا يفترض أن تكون لها علاقة بأزمة القمح الأخيرة مع روسيا، حيث نمتلك مخزونًا يكفي لأربعة أشهر، إنما تتعلق بكثرة الطلب في شهر رمضان مع محدودية الكميات وبقائها كما هي.
ويؤكد أن كافة الحلول التي تلجأ إليها الحكومة لإنهاء صراع طوابير الخبز لا تأتي بثمارها؛ لأنها تكون غير مدروسة، فمثلاً الحل الذي أقرته الحكومة بفصل أماكن التوزيع عن أماكن إنتاج الخبز، من خلال عمل أكشاك بعيدة عن المخابز يشتري منها المواطن ما يحتاجه، يقول أنه حلاًّ ساذجًا لأن المشكلة لم تكن في المكان إنما في الكمية غير الكافية، والتي تؤدي إلى صراع المواطنين عليها.
ويستطرد كما أن الفصل لم يكن سوى في المكان أما تبعية الخبز فظلت لنفس الأشخاص، فإذا أراد صاحب المخبز محاباة بعض الجهات والأشخاص على حساب المواطن الذي يقف في الطابور بالساعات فلن يجد مانعًا من القيام بذلك.
ويشدد على أن حل تلك الأزمة كان في أيدي الحكومة من قبل بداية رمضان، إذا قامت بعمل برنامج شامل لمواجهة الضغط وزيادة الطلب المتوقع في كل عام مع مجيء رمضان، قائلاً إن من أبسط تلك الحلول العمل على زيادة كميات الخبز البلدي من خلال إعادة توزيع الدقيق وتوجيه جزء كبير من الدقيق الموجه إلى الخبز العادي (المطاعم) لصالح الخبز البلدي، مع زيادة كميات الدقيق الموجه إلى المطاحن.
ويؤكد أن تلك الإمكانية متوافرة؛ حيث تمتلك هيئة السلع التموينية فائض كبير من خلال المخزون الإستيراتيجي، موضحًا أن أهم كل تلك الحلول هي زيادة وتفعيل الرقابة على أكشاك التوزيع.
اختفاء الطموح
د. علي ليلة

ويرجع الدكتور علي ليلة رئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس عودة صور ضحايا طوابير العيش إلى المخابز مرةً أخرى، فيقول إنها تدل على الضيق الذي وصل إليها المواطن المصري؛ حيث (وصل الزبد غايته)، نتيجة للتوتر العالي الذي صار يشعر به المصريون في مشوارهم لتأمين حاجاتهم اليومية.
ويقول: إلى جانب أن سقوط ضحايا في شجار للحصول على العيش يعتبر مؤشرًا على تدني أوضاع الشعب، فلم يعد لدينا آمال أو طموحات، ومشروعات كبيرة لنضعها نصب أعيننا ونحاول تحقيقها، مشبهًا الحكومة أنها استقالت معنويًا وسافرت إلى مارينا، وتركت الشعب ليتناحروا فيما بينهم ولم تلتفت لحل مشاكلهم، فضلاً عن القانون الرخو بسبب سياسات النظام المصري، ولم يبقِ مَن يعاقب على جرائم القتل أو أي صورة من الصور الهزلية التي تظهر في المجتمع بسبب الفساد المستشري.
ويؤكد أن ذلك النظام السياسي يدفع الشعب إلى التحايل من أجل الحصول على شيء رخيص جدًّا، وهو رغيف العيش، مشيرًا إلى أن تلك الظواهر لا تُرى في البلاد الأخرى لأن بها نظمًا توفِّر الحاجات الأساسية للإنسان، وإن لم تفعل تُجبَر على الاستقالة الفورية، كما أن الشعب المصري له ظروف خاصة به منها الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.
ويعتبر د. ليلة اللجوء إلى العنف والقتل، خاصةً في شهر رمضان دلالة على انخفاض مستويات التدين؛ حيث يستسلم الفرد إلى السلوك الاستهلاكي ولا يرى أي واعظٍ أمامه، مستنكرًا ذلك السلوك في شهر رمضان!!
ويقول إن تلك الظاهرة قد تختفي إذا بدأت الحكومة القيام بمسئوليتها تجاه الشعب، ويطالب أي وزير لا يقوم بعمله المطلوب على الوجه الأمثل بالخروج بعيدًا عن المنصب، مؤكدًا أن الظاهرة ستنتهي إذا توفَّر للشعب الحاجات الأساسية، واعتاد المواطن على الاكتفاء بتلك الحاجات الرئيسية وعدم التطلع إلى الاستهلاك الفائض.
ثورة الجياع
"الحكومة هي المسئول الأول دائمًا عن مصائب الشعب المصري".. هكذا أرجعت الدكتورة كريمة الحفناوي القيادية بحركة كفاية وعضو الجمعية الوطنية للتغيير ظهور ضحايا جدد في طوابير العيش، قائلةً: إن الحكومة المصرية لا تحل شيئًا أبدًا من مشاكل المواطنين، ولا تُوفِّر لهم المستلزمات الأساسية، ومن أهمها السلع التموينية ورغيف الخبز، الذي أصبح أرخص شيء يتمكن المصري من إطعامه لأبنائه بدلاً من البقاء جوعى بعد ارتفاع أسعار بقية السلع البديلة.
وتؤكد أن السياسات الخاطئة للحكومة منذ زمنٍ طويلٍ هي التي تظهر مثل تلك الأزمات، ففي البداية منعت الحكومة زراعة القمح، وتقول: منذ 30 عامًا اتخذنا سياسات زراعية جديدة جعلتنا نحصل على كل ما كنا نزرعه وننتجه في مصر من الخارج، موضحةً أننا بذلك ألغينا كافة أشكال الاكتفاء الذاتي، وألزمنا أنفسنا بالتبعية المطلقة للدول التي نستورد منها، تملي علينا اشتراطاتها وسياستها في مقابل حصولنا على قوت الشعب.
وتشير إلى أن أزمة القمح مع روسيا أكبر دليل على فشل السياسات والحلول الحكومية في توفير الخبز للمواطن المصري، وعللت ظهور ضحايا لطابور العيش من جديد لكونه نتيجة طبيعية مبكرة لأزمة القمح، التي ما زالت الحكومة تنفي وجودها والواقع يؤكدها، مشيرةً إلى أن الشعب لم يعد يصدق أي تصريحٍ للمسئولين المصريين، نتيجة لتأكدهم من أن أي تخطيط حكومي يكون تحت أرجلنا فقط ولا يرقى إلى التخطيط السليم.
وترى أن تلك الأزمة ستستمر في الازدياد مع استمرار سياسات الحكومة في التعامل مع الأزمات من عدم الشفافية أو الاعتراف بواقع الأزمة وإشراك الشعب في المعلومات الحقيقية للأزمة، مؤكدةً أن ضحايا طابور العيش لم يكونوا ليظهروا إذا عاملت الحكومة الفلاح الذي يزرع القمح معاملة مناسبة، واشترت منه القمح بأسعار معتدلة بدلاً من الاعتماد على استيراده من الخارج، وترك الفلاح فريسة للتاجر الذي يبتزه في رزقه، ويتحكم في الأسعار كيفما شاء.
وتلفت إلى ارتفاع الأسعار الهائل في كافة السلع الغذائية بمصر في ظهور ضحايا لطابور العيش، حتى صار الخبز الطعام الوحيد الذي يملأ بطون الفقراء.
وتطالب الحكومة بعدد من الخطوات إلى جانب الشفافية منها، إنشاء لجنة أو هيئة مستقلة لإدارة الأزمات حتى لا نفشل فيها كما فشلنا في أزمات أخرى كإنفلونزا الطيور والخنازير وثورة العطش التي ظهرت هذه الأيام، وتضيف أن على الحكومة التفكير في القمح كأولوية مع محاولة الحصول على بدائل وتنويع مصادر استيراده، مؤكدةً أن الشعب يحتاج القمح بدلاً عن الملايين التي تتكلفها رحلات الوزراء.
وتقول إن حكومة رجال العمال من الطبيعي ألا تفكر في العذاب الذي يلاقيه المواطن حتى يصل إلى رغيف العيش، وستكون ثورة الجياع هي الخطوة التالية للمواطنين بعد نفاد الخبز من مصر.
غضب من الحكومة
حافظ أبو سعدة

ويرجع حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ظهور ضحايا جدد في طوابير الخبز إلى الغضب وانعدام الرضا والشعور بالإهانة والتجاهل الذي وصل أقصاه لدى المواطن المصري نتيجة لعدم حصوله على أبسط حقوقه وهو الخبز؛ مما دفع إلى تصاعد معدلات العنف والجريمة بشكل عام في مصر؛ حيث أصبح العنف نزعةً داخليةً في أفراد المجتمع.
ويقول إنه صار من الطبيعي مع سياسات الحكومة التمييزية، وإبعادها للمواطنين عن الحجم الحقيقي للمشكلة أن يتخذ العنف أشكالاً متعددة، بجانب عدم إشراك المواطنين في أمور الدولة، موضحًا أن المواطن الذي يَضرب أو يَقتل مَن يقف معه في طابور العيش لا يشعر إلا بغياب الحكومة الكامل من خلال انعدام السياسات العادلة أو مراعاة حقوق الطبقات المتوسطة.
ويكمل: فالمواطن لا يتمكن مع ارتفاع الأسعار الهائل إلا من اللجوء إلى العنف كمحاولةٍ لتنفيس غضبه في سبيل الحصول على حق بسيط في رغيف عيش واحد، مشيرًا إلى أن تلك الأزمة ستظل في تصاعدٍ وانفجارٍ عندما لا يجد الناس طرقًا تقليديةً للتنفيس عن غضبهم، إذا وجدت حكومة تقف بجانبهم وتساندهم في الحصول على حقوقهم، بتنفيذ سياسات عادلة يحصل من خلالها كل فرد على كافة حقوقه، وأولها البسيطة منها كالخبز والحق في الطعام.
