- المواطنون: الأسعار مرتفعة جدًّا وتفوق طاقتنا
- خبراء يطالبون بالمقاطعة لمواجهة جشع البائعين
تحقيق: أحمد الجندي
شهدت أسواق الياميش ارتفاعًا ملحوظًا هذا العام مقارنة بالسنة الماضية، وهو ما جعل مجرد الاقتراب منها من قِبل "الغلابة" مغامرة غير مأمونة العواقب تهدِّد بحرق جيوبهم، وحرمانهم من شراء احتياجات الأبناء الأساسية!.
وارتفعت أسعار البلح بنسبة تصل إلى 35% عن أسعاره في الفترة نفسها من العام الماضي، وأرجع التجار الأمر إلى نقص الكمية المعروضة في الأسواق بنسبة تتجاوز الـ50%؛ حيث انخفضت كميات البلح التي تدخل إلى الأسواق لتصل إلى 500 طن يوميًّا بفارق يصل إلى 700 طن عن مثيلاتها في العام الماضي، والتي كانت تُقدر بـ1200 طن يوميًّا.
وأرجعوا الأمر إلى الدمار الكبير الذي لحق بمزارع البلح في أسوان؛ بسبب السيول التي ضربتها في الشتاء الماضي؛ حيث تعد المحافظة الجنوبية المورد الرئيسي للبلح في مصر.
وكعادة كلِّ عام اعتاد البائعون أن يطلقوا أسماء بعض المشاهير والفنانين ولاعبي الكرة والسياسيين على أنواع البلح المختلفة، تماشيًا مع أشهر أحداث العام سواء كانت سياسية أو رياضية أو فنية.
ورجحت كفة الرياضيين؛ حيث تصدَّر اسم "جدو" المنتقل حديثًا للأهلي والمتنازع عليه بين قطبي الكرة المصرية قائمة أسعار البلح، بعد أن سجل سعره 15 جنيهًا للكيلو جملة طبقًا لأسعار سوق العبور.
ولم يغب مونديال 2010م عن السوق المصري؛ حيث حضر من خلال ممثله الوحيد وهو بلح "الأخطبوط" نسبة إلى الأخطبوط "بول" الذي كان يقوم بتوقع نتائج مباريات كأس العالم الماضية، والذي سجل ثاني أعلى سعر بـ12 جنيهًا للكيلو جملة طبقًا لأسعار سوق العبور.
وجاءت بعد ذلك أصناف (السكوتي، الملكابي، البرتمودة، الشامية، الجندويلا، البلدي)، وتعد الأنواع الثلاثة الأولى من أفضل أنواع البلح المطروحة في الأسواق، ويبلغ سعر كيلو بلح "السكوتي" بـ10 جنيهات للجملة، و"الملكابي" بـ5 جنيهات، و"الجندويلا" بـ6 جنيهات، و"البرتمودة" بـ7 جنيهات، طبقًا لأسعار سوق العبور.
(إخوان أون لاين) تجوَّل في أسواق الياميش، وعايش المواطنين استعداداتهم لرمضان:
إقبال ضعيف
سامي عمارة تاجر بلح (سوق العبور) يقول: إن إقبال المواطنين على شراء الياميش هذا العام منخفض جدًّا عن الموسم الماضي، ونتعرض لخسائر كبيرة، وإذا ما استمر الوضع هكذا ستتعرض كميات كبيرة من الياميش للخسارة؛ لأنها لن تُباع بعد رمضان.
![]() |
|
أخذ ورد بين مواطن وبائع بسبب أسعار الياميش |
وأرجع ضعف الإقبال إلى سوء الحالة الاقتصادية التي يعيشها الناس، وتتابع المواسم (المصيف، رمضان، العيد، المدارس)؛ ما يحمل الناس أعباء كثيرة في ظل ارتفاع الأسعار وضعف الرواتب.
ويشير عماد سيد (تاجر بالسوق نفسه) إلى أن أسعار البلح هذا العام مرتفعة عن العام الماضي؛ حيث وصل سعر كيلو البلح "السكوتي" إلى 10 جنيهات، و"الملاكابي" بـ5 جنيهات، و"الجندويلا" بـ6 جنيهات، و"البرتمودة" بـ7 جنيهات.
أما محمد صابر تاجر بلح (سوق العبور) يرى أن هناك تفاوتًا كبيرًا في الأسعار، مرجعًا ذلك إلى جشع التجار الذين يشترون السلع بأسعار منخفضة جدًّا من سوق العبور، ويعرضونها في الأسواق بأسعار مرتفعة جدًّا.
ويوضح أن تجار التجزئة يشترون البلح من سوق العبور بسعر 6 جنيهات للكيلو، ثم يقومون بفرز كميات البلح هذه وتصنيفها إلى فئات مختلفة، ويضعون عليها أسعارًا تتراوح ما بين 20 إلى 28 جنيهًا للكيلو.
أما أسواق وسط القاهرة فشهدت ارتفاعًا كبيرًا؛ حيث وصلت أسعار أجود أنواع البلح إلى 28 جنيهًا للكيلو، في حين أن سعرها في الجملة لا يتجاوز الـ10 جنيهات، وسجلت أردأ الأنواع أسعارًا وصلت إلى 8 جنيهات للكيلو، أما باقي أنواع الياميش فشهدت المشمشمية والزبيب وقمر الدين ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار عن العام الماضي.
الأسعار نار
وعلى صعيد المواطنين، يقول محمد إبراهيم (موظف): "ياميش إيه مش هشتري ياميش.. هنجيب فلوس منين للياميش؟!! هي الحكومة خلت معانا حاجة كل يوم يرفعوا الأسعار ويمصوا في دمنا.. بس إحنا نلاقي ناكل الأول وبعدين نبقى نشوف الياميش".
وتقول أم علي (موظفة): "إن الأسعار مرتفعه جدًّا، بعد ما كنا بنشتري كيلوات بقينا نشتري أرباع علشان الأولاد".
![]() |
|
الركود أصاب أسواق الياميش بسبب ارتفاع أسعاره |
وتضيف: "إحنا تعودنا على رفع الأسعار خلاص كل سنة، في شهر يوليو يصرفوا لنا العلاوة الاجتماعية من هنا، ويضاعفوا الأسعار من هنا، مش عايزين العلاوة بتاعتهم دي بس يسيبونا في حالنا وميرفعوش علينا الأسعار"!.
وقابلنا في سوق "السيدة زينب" عم محمود (بالمعاش) وبمجرد أن أخبرناه بهويتنا قال: "إنت صحفي؟" فقلتُ: نعم.. قال: "قول للريس يرحم الشعب المصري.. الشعب تعبان والناس مش لاقيه تاكل"، ورفض الكلام بعد ذلك.
وتقول الحاجة مديحة: "أنا مش هشتري ياميش، هما 2 كيلو بلح وشوية عرقسوس وخلاص.. حد يقدر يشترى ياميش دلوقتي الياميش ده بتاع الناس الأغنياء بس".
غياب الرقابة
من جانبه، يقول الدكتور علي حافظ منصور أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة: إن ارتفاع أسعار الياميش يرجع إلى عدم وجود آليات محددة لضبط السوق، الذي يحكمه العرض والطلب، ومع قلة كمية المعروض وزيادة الطلب على السلع يحدث ارتفاع الأسعار، وخاصةً بعد غياب الجمعيات الاستهلاكية التي كانت منتشرة في كل مكان، وتُسهم في زيادة كمية المعروض وتُجبر التجار على الالتزام بهامش ربح متوسط يتقارب مع أسعار السلع فيها.
ويرجع نقص كمية المعروض في السوق إلى تخوف التجار من جلب كميات كبيرة من الياميش؛ لأنه يُعتبر من السلع الموسمية التي لا تُباع سوى في شهر رمضان، بالإضافة إلى أن شهر الصوم هذا العام أتى في غير موسم التمر، وكل الكميات المعروضة من المخزون عن الموسم الماضي.
وحول ارتفاع فارق الأسعار بين تجار الجملة في سوق العبور وتجار التجزئة في أسواق وسط القاهرة والمحافظات، يقول إن تجار التجزئة يعملون في هذا الموسم بسياسة "اخطف واجري"، فهم يهدفون إلى تحقيق أكبر ربح ممكن في فترة قياسية وهي فترة الموسم، مرجعًا هذه الممارسات إلى غياب الرقابة الحكومية على الأسواق وترك المواطنين فريسة في أيدي التجار.
وانتقد الدور الهش لجمعيات حماية المستهلك التي هي- على حدِّ وصفه- "حبر على ورق" وليس لها أي دور على أرض الواقع؛ حيث تقتصر مهمتها على التحقيق في الشكاوى المرفوعة إليها، أما التفتيش على الأسواق والتحقيق في الأسعار فهذا غير موجود، فضلاً عن أنها تراقب جودة السلع، وأما ضبط الأسعار فهو خارج نطاق اهتماماتها.
ويرى أنه يجب على الحكومة أن تتخذ قرارات بشأن إلغاء ياميش رمضان، ومنع عرضه في الأسواق، وتكتفي فقط بالسلع التقليدية مثل الكركديه والعرقسوس، وتؤجل الباقي حتى تنضبط الأسعار، كما طالب الحكومة بإعادة تنشيط دور الجمعيات الاستهلاكية في عرض السلع بأسعار مناسبة لضبط السوق ولحماية المواطنين من جشع التجار الذين يهدفون لتحقيق أكبر المكاسب المادية.
درس المقاطعة
محمود العسقلاني

ويؤكد محمود العسقلاني منسق حركة "مواطنون ضد الغلاء" أن الارتفاع الكبير في الأسعار الذي تشهده أسواق الياميش يرجع إلى غياب الحكومة عن الأسواق التي وصفها بأنها حكومة مكتبية تعمل من المكاتب المكيفة بعيدًا عن أرض الواقع ومعاناة المواطنين، مضيفًا أن الحكومة المصرية لا تظهر على الساحة، ولا تخلع "طاقية الإخفاء" التي ترتديها إلا عندما تكون هناك جباية جديدة تفرضها على الفقراء.
وطالب الشعب بالتحرك الذاتي لضبط الأسعار من خلال مقاطعة الياميش قائلاً: إن الشعب يستطيع أن يعيش دونه فهو ليس من الأساسيات، موضحًا أن المقاطعة ستكون أكبر درس يُلقنه الشعب للتجار المستغلين الذين يرفعون الأسعار، وحتى يعلموا مؤكدًا أن الحلول الشعبية هي الأنجح في ظل غياب الحكومة.
وشدد على ضرورة التدخل الحكومي لاحتواء أزمة التحول من النظام الاشتراكي إلى نظام الاقتصاد الحر، والتدخل لتحديد أسعار السلع التي ترتفع دون مبرر، كما طالب الحكومة محاسبة الوسطاء العشوائيين الذين يرفعون الأسعار دون مبرر سوى تحقيق المكاسب الكبيرة فقط.

