- فهمي هويدي: المناخ السياسي لا يسمح بالإبداع الحقيقي

- د. حلمي القاعود: الانفلات الأدبي كشف خوار وضعف الكُتَّاب

- د. صفوت العالم: المجتمع يرفض الشطط والاستهانة بالثوابت

- د. رفيق حبيب: تصادم الحريات مع قيم المجتمعات.. خلل خطير

- عاصم شلبي: نتبنى إعداد "ميثاق شرف" لتحصين الإبداع الحقيقي

 

تحقيق: هبة مصطفى وأسامة عبد السلام

شهدت الفترة الأخيرة عددًا من الكتابات المنفلتة تحت ستار حرية الفكر والتعبير كان آخرها ما نشره موقع (اليوم السابع) عن عزمه نشر كتابٍ يُسيء إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم وقدره لدى المسلمين الذين يمثلون سواد الشعب المصري وبعد غضبة الجماهير وحملة انتقادات واسعة صدر قرار بعدم النشر وقدم الموقع المذكور اعتذارًا للغاضبين الذين بادروا بإدانة محتوى ما سيتم نشره وخطورة انفلات الكاتب وإساءته لمشاعر المسلمين وطعنه في عقيدتهم.. والسؤال الآن: ما الضوابط التي يجب تحديدها لإلجام هذا النوع من انفلات بعض الكاتبين؟ وبخاصة أن هذا الإفراز يستفز المشاعر ويستبيح المحرمات ويستدعي ردود أفعال تهدد أمن الوطن واستقراره.

 

(إخوان أون لاين) طرح القضية على كبار الكُتَّاب وخبراء الإعلام في هذا التحقيق.

 

المناخ سياسي

 الصورة غير متاحة

 فهمي هويدي

الكاتب الكبير فهمي هويدي يؤكد أن المناخ السياسي السائد وراء نشر الكتابات المنفلتة، مشيرًا إلى أن هناك نوعًا من الكُتَّاب فقدوا أخلاقيات التعبير، ويحتاجون إلى مَن يوقظ ضمائرهم، وفي هذا الصدد يطالب المفكر الكبير وسائل الإعلام بالاهتمام بقضايا الأمة الرئيسية وتجاهل هذه الكتابات وعدم إعطائها قدرًا كبيرًا من الاهتمام لا تستحقه.

 

وفي تحليله للظاهرة يوضح أن المناخ السياسي الذي يسيطر على دفته الفساد والاستبداد لا بد أن ينتج كُتَّابًا يروجون للشائعات والمضامين المغلوطة والمشينة والمتجرئة على القيم والأخلاق والثوابت الإسلامية والإنسانية التي تصدم الجماهير والنخب معًا، مشيرًا إلى أن الفساد ساهم في صنع مبدع مزيف لا يملك آليات الإبداع تمامًا وعملت الأنظمة الفاسدة وسياساتها المتخبطة على ارتقاء المبدعين المزيفين لمواقع الصدارة الأدبية والإعلامية والمهنية المختلفة وتشن حملات أخرى لإقصاء المبدع الحقيقي.

 

ويرى أن صياغة ميثاق شرف لضبط الأعمال الإبداعية والكتابية ما هي إلا مواد تصنعها الضمائر وتجد دعم أصحاب الرأي الحر والضمير اليقظ.

 

انفلات وخوار

 الصورة غير متاحة

د. حلمي القاعود

ويرى الدكتور حلمي القاعود أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة طنطا أن ظاهرة "انفلات" الكتاب تعود لأسباب متشعبة يترأسها سيطرة اتجاهات معادية للإسلام على وسائل النشر والتعبير عن الرأي؛ مما يتيح الفرصة لمعدومي الموهبة والراغبين في الشهرة وخصوم الإسلام أن يكتبوا وينشروا أشياء تُسيء إلى هوية الأمة وتراثها وثقافتها وعقيدتها.

 

ويضيف: إن ظاهرة "انفلات الكتاب" تبلورت وازدادت مع تولي فاروق حسني وزير الثقافة منصبه ليعطي الضوء الأخضر لأصحاب الأقلام لتبني الكتابات المناهضة للإسلام، مؤكدًا أن الرواية الأخيرة التي أثارت جدلاً واستياءً واسعين للكاتب أنيس الدغيدي "محاكمة النبي محمد"، كشفت خوار التيار الذي انتشر مؤخرًا للتصدي للإسلام الذي سعى للتكسب من ورائه والدعاية والانتشار على الفضائيات.

 

ويصف ما يحدث من "انفلات" لبعض الكُتاب بأنها ظاهرة معقدة ومتشابكة الأسباب، ولكن يجمعها خيط واحد وهو "العداء للإسلام" ويتبناها من يدَّعون البطولة بأنهم ضحايا للقمع والوصاية رغم ما ينشرونه من آراء تناهض الإسلام، ولم يستبعد أن يكون تجاوز بعض الكتاب للأصول والمعايير الأخلاقية للإبداع هو محاولة لإلهاء الناس عن القضايا السياسية والأساسية، والتي تشغل المواطن كارتفاع الأسعار، وأزمات "طوابير" رغيف الخبز، والتصدي لقضايا الفساد التي يُتهم فيها حيتان النظام ورموزه خاصة نهب أراضي الدولة والقروض.

 

ويطالب النظام بتخليه عن سيطرته على بعض الكُتاب وتحقيق المساواة والسماح للمبدعين بعرض الرؤى الإسلامية في الصحف والفضائيات كغيرهم من التيارات التي تعرض رؤيتها.

 

إثارة واستفزاز

 الصورة غير متاحة

د. صفوت العالم

ويوضح الدكتور صفوت العالم الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة أن هناك فروقًا كبيرةً بين الإبداع والإثارة؛ حيث إن هناك عددًا كبيرًا من الكتاب يبحثون عن أفكار مثيرة تنحرف بالحقائق إلى مسارات تدعو إلى الاستفزاز والإثارة بهدف زيادة المبيعات وترويج المنتج الإعلامي والصحفي، مؤكدًا أن كتابات المنفلتين قصيرة العمر وتموت موتة شنيعة ولا تلقى أدنى تأثير من المجتمع والنخب.

 

ويشدد على أن الإبداع الحقيقي الذي يبرز ويعيش بتأثر الجمهور بمضمونه لدعوته إلى القيم النبيلة وما تربى عليه الشعب ومع إعادة الاطلاع والمشاهدة له تصبح مضامين الإبداع الحقيقي حديث العامة والنخب لقناعتهم بصدقها وأمانتها، مشيرًا إلى أن كل عمل يبحث وراء الإثارة والانحراف سرعان ما ينتهي عمره وينقلب على سمعة الكاتب وتاريخه الأدبي والعلمي والمهني لاستخدام الجهالات دون أي استناد للمنطقية أو الشواهد أو لإطلاقه مدلولات نصية غير مفهومة لأحد.

 

ويضيف أنه مع تعدد وسائل الإعلام أصبح الجمهور لديه القدرة على التصنيف بين الإبداع وخلافه وعدم الانبهار بالأعمال المسفة والمثيرة، مطالبًا بالتخلص من أساليب الدعاية الكاذبة التي تعلن عنها العديد من الوسائل الإعلامية من خلال العنوان الرئيسي للمادة الخبرية أو المضمون الفكري أو الأدبي أو الكتابي، والذي يبالغ كثيرًا بتضمن المتن وقائع وأسماء ويكون المتن في الحقيقة غير ذلك؛ مما يخالف أدبيات العمل الصحفي والإبداعي تمامًا.

 

ويؤكد أن المشكلة ليست في الكاتب أو المبدع لإيجاد ميثاق شرف إنما المشكلة في دعم بعض جهات النشر والطباعة للأشخاص الذين لديهم شطط أو انحراف أو من يبحثون عن الشهرة؛ مما يعطي كاتب الإثارة شرعية في ترويج مادته المزيفة والمجهلة، موضحًا أن مؤسسات النشر لها كيان اعتباري، وقد تحاسب على مضمون النص وقد يمنع من التداول، مطالبًا مؤسسات النشر والطباعة والصحافة والإعلام بالبعد عن هؤلاء الكتاب ورفضهم ورفض مضامين موادهم المثيرة والكاذبة والتدقيق في المواد التي تقدمها للجمهور.

 

ويطالب بتحكيم ضمير الكتاب والمبدعين لأن كل كلمة تزن طنًّا مما تسهم في التأثير على الأجيال المقبلة بالإيجاب أو السلب وتوظيف وسائل النشر والإعلام لتحسين أحوال المجتمع والعمل على توعيته وإخراجه من أزماته وأوجاعه التي تعصف به وحث المجتمع على احتضان أخلاقياته وموروثاته الأصيلة.

 

تغريب المجتمع

 الصورة غير متاحة

د. رفيق حبيب

ويتفق الكاتب الدكتور رفيق حبيب مع رأي الدكتور صفوت العالم، مضيفًا أن صياغة ميثاق شرف للمبدعين والكتاب يتعلق بإجراء إصلاحات كاملة للنظام العام وإيجاد ضوابط رسمية تكرم مؤسسات النشر والطباعة وغيرها على تبني الأعمال والإنتاج الذي يدعم الأهداف النبيلة والحفاظ على الأصول والقيم وتحث المبدع والأديب على العمل من أجل المجتمع، مؤكدًا أن الفساد العام يدفع بالعديد من الكتاب والمبدعين إلى عدم الالتزام بذلك والاندفاع نحو الشهرة والكذب والتزييف، موضحًا أن الروايات التي نشرت من خلال بعض المواقع تهدف إلى دعم وتسويق المشروع الغربي.

 

ويقول: "إن كثيرًا من المبدعين يحاولون ممارسة الحرية بالتصادم مع قيم المجتمع مما يكشف عن خلل كبير لأن القيم التي تنتمي إليها النخبة الثقافية تختلف عن القيم السائدة في المجتمع"، مؤكدًا "أن الكتاب الذين يمارسون الحرية بطريقة خاطئة على هذا النحو يختبرون مؤشر تحقق الحرية في الوطن من خلال تجاوز قدسية الدين وكأن الحرية لا تتحقق سوى في مواجهة الدين والتصادم معه".

 

ويشير إلى أن كل مجتمع لديه قيم يلتزم بها الجميع سواء من الدستور أو القانون أو التزام أخلاقي أو اجتماعي وأن ما حدث في المجتمع المصري ومجتمعاتنا العربية من خرق الكتاب ومن يسمون أنفسهم مبدعين لقيم وثوابت وموروثات شعوبهم يعد خروجًا عن الحالة الطبيعية أدَّى إلى حدوث شرخ وفجوة بين القيم التي تحملها النخبة الثقافية وبين القيم التي يحملها المجتمع، مؤكدًا أن الأصل التزام المجتمع والنخبة معًا بالقيم السائدة الأصيلة.

 

ويؤكد أن المجتمع مصدر القيم العليا، والتي يجب أن يتبعها النظام العام للدولة والنخبة معًا، مشيرًا إلى أنه تجاوز الكتاب لقداسة الدين وممارسة الحرية في مواجهته يهدف إلى دفع المجتمع لتبني القيم العلمانية والغربية، وهو جزء من حالة العلمنة التي طالت كافة المجتمع المصري محذرًا من علمنة المجتمع في مصر والوطن العربي في حال تمكن الغرب وأعداء الوطن من فتح باب واحد له بالتصادم والتجرؤ على قيم وقداسة الدين.

 

حرية منضبطة

 الصورة غير متاحة

عاصم شلبي

ويرى عاصم شلبي أمين عام اتحاد الناشرين المصريين أن تجاوز بعض الكُتاب للأصول الأخلاقية والمهنية والمجتمعية له ارتباط وثيق بالنظام السياسي في مصر، مشيرًا إلى أن تلك الظاهرة تُبدي علمانية الدولة ومحاربة الدين وكل ما يخصه، وتبنت بعض الرموز الثقافية ذلك بدعوى التقدم والحرية إلى أن وصل الأمر للاعتداء على الثوابت رغم أن الدستور والقانون يمنعان ذلك.

 

ويشدد على أنه ليس ضد التعبير والإبداع، ولكن ما حدث هو اعتداء على حقوق المجتمع وثوابته وأخلاقه، مؤكدًا أن الحرية ليست انفلاتًا بلا قواعد دستورية ولكن النظام السياسي يُسوّق لذلك، وعلى المجتمع أن يحمي نفسه، وأن يتم تفعيل المحاربة المهنية لكل مَن يعتدي على الأصول والقواعد، ولفت إلى أن اتحاد الناشرين المصريين يسعى الآن لإعداد ميثاق شرف يضع ضوابط لضمان عدم التجاوزات مع تأكيد الحرية في التعبير.

 

وأكد أن ميثاق الشرف لا يتنافى مع الإبداع والتعبير؛ لأن لكل مهنة ضوابطها، ويجب أن يعي الجميع أن حدود الحرية تقف عند عدم الإضرار بالآخرين، ولكن أن يُسمح لأي كاتبٍ أو جهةٍ بعرض ما يُخل بأصول المجتمع بدعوى الإبداع فهو حقٌّ يُراد به باطل.