د. حلمي محمد القاعود

لست أدري كيف يقنع آية الله محمود عباس ميرزا، رئيس حكومة رام الله المحتلة وما حولها، نفسه أو غيره من الناس أنه يمضي في الطريق الصواب الذي يحقِّق للشعب الفلسطيني الأسير الشريد التعيس حريته واستقلاله وأمنه وكرامته وجمع شمله!.

 

لقد اجتمع فخامة الرئيس المذكور مع رؤساء تحرير الصحف المصرية على هامش اجتماع  لجنة مبادرة السلام العربية في القاهرة 30/7/2010م، وأكد فخامته رفضَه الانتقال إلى مفاوضات مباشرة مع العدو؛ ما لم يتوقف "الاستيطان" ويتم القبول بالعودة إلى حدود عام 1967، وكشف عن قبوله بـ"طرف ثالث" للإشراف على الأمن في حال قيام الدولة الفلسطينية، وشدَّد على أنه لا دولة فلسطينية بدون قطاع غزة.

 

ما جرى في هذا اللقاء يفسِّر سرَّ خيبة الوضع الفلسطيني، وبؤس المستقبل الذي ينتظر الشعب الفلسطيني على يد آية الله محمود عباس ورفاقه وتلاميذه النجباء من عيِّنة الأخ ياسر عبد ربه والفتى دحلان!.

 

الطريف أن أبا مازن اعترف في حواره مع الصحفيين بأن "الأمور ليست جيدةً كالعادة، بل ربما تعود للوراء"، وقال فخامته: "ذهبنا إلى مفاوضات مباشرة بعد مؤتمر أنابوليس (نوفمبر 2007م)، وأمضينا ثمانية شهور في المفاوضات مع إيهود أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني السابق، وطرحنا في ذلك الوقت كل قضايا الحل النهائي".

 

وتابع: "اتفقت مع أولمرت على حدود الدولة، وهي حدود 67، وكدنا أن نصل إلى حلٍّ، لكن مع الأسف الشديد لم نتمكن من استكمال هذه المفاوضات؛ بسبب أن أولمرت خرج من السلطة، ومنذ أن جاء بنيامين نتنياهو إلى السلطة لم نجرِ أية مفاوضات معه".

 

وشدَّد فخامته على أنه "إذا لم تكن هناك رؤية واضحة بشأن حدود 67، ووقف كامل لـ"الاستيطان"، فلن أستطيع الذهاب إلى المفاوضات المباشرة"، ومضى قائلاً إن "الحكومة الحالية في الكيان الصهيوني تريد مفاوضاتٍ مباشرةً، وأنا أريد مفاوضات مباشرة.. الجميع يتحدث.. وحتى الآن لم يصلني شيء بشأن الموافقة على حدود 67، وعندما يصلني بشكل مباشر أو غير مباشر سأذهب إلى المفاوضات".

 

واشترط أبو مازن أن يأتيه ما ينتظره "من جهة يطمئن إليها مثل مصر أو أمريكا أو الأردن، أو أن يخرج نتنياهو بنفسه يعلن أنه موافق على حدود 67"، وفق ما ورد في خطة "خارطة الطريق"، وأشار إلى أنه أبلغ الصهاينة من قبل أن الحدود الدولية ما بين فلسطين والكيان الصهيوني "هي الحدود التي شملها قرار التقسيم عام 1947م، وبالتالي لا محل لما يدَّعيه الكيان بعدم وجود حدود دولية بيننا"، مشيرًا في هذا الشأن إلى "تعديلات معقولة على هذه الحدود"، دون ذكر تفاصيل حول تلك التعديلات (صحف 31/7/2010م).

 

وهذا الكلام يكشف عن طبيعة ما سوف تسفر عنه المفاوضات المباشرة التي ستجري بين الطرفين: الفلسطيني والصهيوني، وهو لا شيء!.

 

فالرئيس أبو مازن ظل يتفاوض مع الحكومة اليهودية السابقة ولم يسفر التفاوض عن شيء، وتفاوض مع الحكومات السابقة عليها بمفرده أو من خلال الرئيس عرفات، ولم يحقق شيئًا، وسيتفاوض مع الحكومة الحالية، ولن يتوصل إلى شيء، فالسفاح نتنياهو هو الذي أقرَّ بأنه هو الذي دمَّر اتفاق أوسلو، وتفاخر بذلك؛ بما يعني أنه لن يعطي شيئًا في المستقبل.

 

لقد كان نتنياهو يتحدث في زيارة لمغتصبة عوفرا شرق رام الله سنة 2001م، وكان يظن أن عدسات التصوير مطفأة، وتبجَّح بأنه هو الذي أوقف تنفيذ اتفاقات أوسلو، وعرضت القناة العاشرة في التلفزيون "الصهيوني" وجه نتنياهو الحقيقي (والمحتال)؛ حسب وصف الكاتب جدعون ليفي في صحيفة "هاآرتس" التي نشرت التقرير بعنوان "محتالياهو".

 

وتساءل ليفي عن موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما فيما لو شاهد الشريط، وهو الذي أبدى ثقته بقدرة نتنياهو على "المجازفة من أجل السلام" ورأى أن نتنياهو تفوَّق على كل زعماء "الكيان الصهيوني" السابقين في "الخداع وتضليل أمريكا وبلبلة الفلسطينيين وتضليلنا جميعًا"، مضيفًا أن الشخص الذي يظهر في الشريط (نتنياهو) يشهد على نفسه بكلامه أنه محتال، وأضاف: "دعوكم من خطبة بار إيلان.. انسوا الإنجازات الموهومة في زيارته الأخيرة لأمريكا.. هذا هو نتنياهو الحقيقي".

 

لقد عد ليفي أن هذا الشريط يشكِّل نهاية مزاعم اليهود أن الفلسطينيين مذنبون في إخفاق اتفاقات أوسلو؛ حيث كشف نتنياهو أمام مستضيفيه في "عوفرا" عن الحقيقة العارية؛ فهو قد قضى بيديه وبأفعاله على اتفاقات أوسلو، بل يفخر بذلك بعد سنين حاولوا فيها إفهامنا أن الفلسطينيين مذنبون، كشفت الحقيقة من فم صاحب الشأن، وكيف فعل هذا؟ روي أنه اشترط توقيعه على اتفاق الخليل بموافقة أمريكية على ألا تقع انسحابات من "مواقع عسكرية محددة"، وأنه سيقرر ما هي هذه المواقع، مثل غور الأردن كله، ويتباهى نتنياهو: "إنني وقفت منذ ذلك الحين ضد اتفاقات أوسلو"، وفي استصغار من شأن حليفته (أي أمريكا) قال نتنياهو في الشريط: "أنا أعلم ما هي أمريكا.. أمريكا شيء يمكن تحريكه بسهولة"، وقال عن الفلسطينيين: "إنهم يريدون رمينا في البحر"، ويعقِّب ليفي: "لا يستطيع أحد إقناعنا بأنه (نتنياهو) متجه إلى تسوية مع اعتقاد بدائي كهذا".

 

بيد أن فخامة الرئيس أبا مازن لم يجد غضاضةً في القول بالعامية المصرية السوقية إنه إذا لم يتوصل إلى شيء فإنه "سيخلع!"، والتعبير يشير إلى طريقة الهروب غير المسئولة من المهمة أو الواجب المفروض أن يقوم به المسئول أو الشخص المكلَّف بأمر ما.

 

وبغضِّ النظر عما يقوله الغزاة اليهود القتلة، وممارساتهم على الأرض بالتهويد والاغتصاب اليومي للأرض الفلسطينية والبناء فوقها، وإخلاء القدس من أهلها العرب، وتشديد الحصار على غزة وقصف أهلها، فضلاً عن القبض على الفلسطينيين وأسرهم، فإن الرئيس الموقَّر أبا مازن، يصرُّ على رفض المقاومة، ويسخر من حماس؛ لأنها في مرحلة التقاط الأنفاس لا تقوم بعمليات ضد الغزاة القتلة اليهود، ويسوق نظريته التي يتصوَّر من خلالها أن التفاوض ثم التفاوض، ولا شيء غير التفاوض، هوا الحل الوحيد والممكن، وإذا لم يتمكن من تحقيق شيء فإنه سيخلع"!.

 

لقد التقي فخامته في نيويورك (يوليو 2010م) بعصابات الإيباك (كبار اليهود والموالين لهم في أمريكا)، وخرج ليقول إنه حقق كسبًا عظيمًا من هذا اللقاء، ما هو هذا الكسب يا مولانا؟ الكسب- كما يقول- أنهم وجدوا شريكًا فلسطينيًّا في المفاوضات مع الغزاة القتلة، بعد أن وجَّهوا له عشرات الأسئلة التي أجاب عنها، وأقرَّ فيها بما يسمَّى الحقوق اليهودية التاريخية في فلسطين؟!

 

طيب إذا كانوا قد وجدوا شريكًا فلسطينيًّا، أين هو الشريك الصهيوني الذي يلتزم بالوصول إلى حل شبه مقنع؟

 

مولانا الذي في رام الله مشغول بقضايا أكبر وأهم، من نوعية زيارة المسلمين للقدس بتأشيرة صهيونية، ويفاخر أنه يتحرك بهذه التأشيرة وأنهم- أي اليهود الغزاة- يرسلون إليه فتاة في عمر بناته أو حفيداته تقدم إليه التأشيرة لينطلق بعدها إلى حيث يريد أو يريدون.

 

ومن هذا المنطلق فقد وجد في نفسه الجرأة ليعلن أن الشيخ يوسف القرضاوي لا يفهم في الدين!! مرةً واحدةً لا يفهم، وليس عالمًا ولا يحزنون، وأن أحد شيوخ السلطة (بطحه!).. بهذا اللفظ السوقي عبَّر فخامته عن هزيمة الشيخ القرضاوي أمام شيخ السلطة كما يدَّعي، واستشهد مولانا الذي في رام الله بآراء فضيلة الجنرال المصري وصلح الحديبية، وهو ما أشرت إليه في مقال سابق، ودحضته علميًّا، ولكن مولانا آية الله محمود عباس ميرزا البهائي وجد في نفسه الجرأة ليشلح الشيخ القرضاوي- كما وصف المسألة فهمي هويدي- ولينصب نفسه عالم دين لا يشقُّ له غبار، فضلاً عن المنِّ بأنه عيَّن الشيخ القرضاوي لدى القطريين؟ ما رأيكم دام فضلكم في مولانا الذي في رام الله؟ ألا يصلح أن يكون شخصيةً طريفةً من أطرف شخصيات الأمة في القرن الحادي والعشرين؟!

 

ثم إن مولانا حريصٌ على أن يخاطب مجتمع الغزاة القتلة ليقنعهم بالسلام.. يا سلام؟! لقد دعا ستة صحفيين من الصحف العبرية في فلسطين المحتلة على مائدة غداء فاخرة في مقر المقاطعة برام الله المحتلة، وأبدى مولانا أسفه على عدم قبول قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة، وأبدى تأييدًا لمقولة القيادي الصهيوني أبي إيبان بأن "العرب لا يفوِّتون فرصةً لتفويت فرصة"، ونقلت "هاآرتس" عن عباس قوله: "حتى اليوم أنا آسف على أننا رفضنا قرار التقسيم في العام 1947م، الآن أقول للصهاينة: لا تفوِّتوا الفرصة التي قدمتها الجامعة العربية لكم، وهي مبادرة السلام".

 

وقد تناولت صحيفة "يديعوت أحرونوت" اللقاء، فتحدثت عن مفارقات الواقع بين السلطة ورجالها من ناحية، والشعب الفلسطيني من ناحية أخرى. قالت الصحيفة: "الطريق إلى مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مقاطعة رام الله تمر بسلسلة طويلة من الدارات (الفلل) الفخمة، التي تستهوي الأبصار في الظلام أيضًا.. من الباني؟ من هم الأثرياء الجدد وعلى حساب من جمعوا ثروة ضخمة؟ من لا يخاف أن يستثمر ملايين؟!".

 

وقالت: "لمن من الفلسطينيين إذن ملايين الشواكل (جمع شيكل وهو العملة اليهودية في فلسطين المحتلة) للاستثمار في الدارات الفخمة والفنادق؟ شوارع رام الله فارغة، لا تكاد توجد نسمة حية، فالجميع في البيوت قبالة الشاشات، ملازمين لألعاب كأس العالم!"، "ونحن 6 صحفيين "إسرائيليين" وقعت علينا دعوة احتفالية للثرثرة وتناول الطعام على مائدة الرئيس المليئة، وأن نتنياهو أدخل الرئيس عباس في وضع انتظار إلى أجل غير معروف، وربما يكون لقاء نتنياهو للرئيس أوباما (يوليو 2010م) في البيت الأبيض هو سبب "الحديث من القلب إلى القلب" معنا".

 

وتضيف "يديعوت" أن الرئيس عباس أبدى رفضه لكل إشكال العنف، وقال: "منذ 3 سنوات هناك محافظة على الهدوء (الأمني في الضفة).. الحفاظ على الأمن دون شروط مصلحتنا، ورئيس الشاباك يوفال ديسكين يثني علينا بالرغم من انعدام الاتصال بيني وبين نتنياهو، التنسيق الأمني بيننا قائم طيلة الوقت".

 

نعم.. أهم شيء التنسيق الأمني، ورحمة الله على الشهداء وعلى الشعب الفلسطيني، ومزيدًا من الشواكل للسلطة، وثق يا مولانا أنك لن "تخلع"!.