د. حسن يوسف الشريف

الدولة الحديثة في عالمنا المعاصر ليست "أداة سلطة"، وإنما هي "مؤسسة أهداف"، والسلطة أداة لتحقيق هذه الأهداف، والنظام الحاكم ترتبط شرعيته وقيمته بنجاحه أو فشله في تحقيق هذه الأهداف، كما أن وسائل الوصول إلى السلطة عندهم لا تعرف التزوير أو التحوير لصوت الناخب ولا لإرادة الأمة، فالكل من حقه الوصول، والأمة لها حق الاختيار الحر بدون تضليل إعلامي أو إرهاب أمني أو ضغط إداري؛ لذلك فالكفاءات هي التي تصل، وهي التي تحقق النجاح في تحقيق الأهداف.

 

والأهداف عندهم ثلاثة مستويات:

- مستوى الإستراتيجية العليا.

- مستوى الإستراتيجية.

- مستوى التكتيك.

ولا يستطيع أي حاكم أو أية سلطة أن تنقلب على أي هدف من أهداف الإستراتيجية العليا ولا الإستراتيجية، بل مجال التفكير أمامه فقط الأهداف التكتيكية.

 

في العالم المتقدم لا يرحم القانون المفسدين، وإن كانوا رؤوس السلطة، أما في عالمنا العربي فأهل السلطة ترتفع قاماتهم فوق هامة الدستور أو القانون.

 

في أمريكا والكيان الصهيوني وبريطانيا لا تخدم السلطة أي مسئول- سواء رئيس جمهورية أو رئيس وزراء- في أن توفر له حصانة تمنع التحقيق معه، بل يخضع الجميع للتحقيق، مثله مثل أي فرد عادي، وهذا أيضًا يساعده على الاستقامة والنزاهة وعدم الإهمال، أما السلطة التي تساعد المسئولين على عدم الخضوع لأي مساءلة قانونية وتحيطهم بهالةٍ من القداسة فهي تساعدهم على الفساد والإفساد، وكما تقول الحكمة العربية "من أمِن من العقاب أساء الأدب".

 

ونظرًا لغياب المساءلة والمحاسبة للسلطات الحاكمة؛ فالكل يتكالب للوصول إليها؛ لأن كلها مكاسب لا مغارم فيها، وجمع أرباح من غير خسائر ولو محتملة، أما لو كانت هناك محاسبة للمخطئين فإن المغرضين والنفعيين لن يجرؤوا على الاقتراب منها، وهذا يمثل حراسة للسلطة من غير المخلصين لمصلحة الأمة، فالعدالة هي الأساس لأي سياسة ناجحة، وأي مساس بنزاهتها واستقلالها هو إسراع في انتشار الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

 

ويعجب أي عاقل من استخفاف سياستنا بعقول شعبها في عالمنا العربي، فقد لاحظ المراقبون للانتخابات البرلمانية في مصر (عام 2005م)، زيادة حصة المعارضة في حصولها على عدد من المقاعد أكبر من المتوقع، وكان أقوى سبب في هذا النجاح هو وللمرة الأولى الإشراف القضائي، بتوفير قاضٍ لكل لجنة ولم يستطع التزوير أن يلعب دوره المتوقع.

 

فماذا يفعل النظام؟!

قام بحملة دعائية ظاهرها إصلاح الدستور، للمساهمة في الإصلاح السياسي، وإذا بالمفاجأة الكبرى، وهي وضع نص بالدستور يمنع الإشراف القضائي على الانتخابات!!.

 

إنها مهزلة سخيفة..

إنّ منْع العدالة من حقها في حراسة صوت المواطن ورأيه من التزوير، ومنع المواطن من حقه في طلب الإشراف القضائي كضمانة لعدالة ونزاهة الانتخابات هو (جريمة سياسية)، يجب أن يخضع كل من شارك فيها للمحاكمة أمام القانون.

 

إنّ النُظُم الفاشلة والاستبدادية هي التي تُقنّن الإجرام السياسي والاقتصادي؛ وذلك يعمل على انتشار الفساد وحماية أصحابه من أي محاسبة قانونية؛ وبذلك يتجذر الفساد وتصعب مقاومته.

 

نعم.. في كل الدنيا هناك فساد، وأما أن يكون الفساد هو القاعدة لا الاستثناء، أو هو من نصوص الدستور أو القانون، وليست فسادًا في الضمير والأخلاق فقط، هنا تكون المحنة التي تتميز بها الدول المتخلفة؛ حيث يسكن الفساد والاستبداد مواد الدستور ونصوص القانون، مثل قانون (الطوارئ)، أو (الإرهاب)، أو غيرهما.

 

وإذا قمنا بتقييم النظام السياسي في الدول العربية، بمعنى خصائص الأوضاع المؤسسية التي تقود الجماعة لتحقيق فاعليتها وتحقيق أهدافها، فستعرف مدى المحنة التي تعانيها الشعوب العربية ويعانيها العمل السياسي فيها من تضييقٍ للعدالة، واغتيال المبادئ الأخلاقية، وتكميمهم للأفواه، ومصادرة الرأي الآخر، واحتكار السلطة، واحتكار الإعلام، ومطاردة الأحرار والتضييق عليهم، حتى في كسبهم لمعاشهم ورزقهم.

 

الواقع يشهد أن العالم العربي يعيش في ليلِ التاريخ ولا ندري متى سيبزغ الفجر!.

 

احتفلت إسرائيل العام الماضي-(2008م)– بالعيد (الستين) لإنشائها، وهي تمتلك كل أسباب ووسائل الدولة الناجحة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وعلميًّا وتقنيًّا؛ فجامعاتها وعلماؤها يتصدرون قائمة الجودة العالمية، بينما السياسة العربية مشغولة في أشياءٍ تافهةٍ لا تُفيد تقدمنا شيئًا، بل على العكس فهي تعمق الاستبداد الذي يقتل الإبداع وحرية الرأي والسباق إلى اللحاق بالعالم الأول؛ فهم حريصون على الاجتماع الدوري لوزراء الداخلية واجتماع وزراء الإعلام العرب، أما اجتماع وزراء الاقتصاد أو وزراء الدفاع العرب فنادرًا ما يحدث، فهم لا يهمهم إلا الإبداع في التضليل الإعلامي، ومنع الفضائيات العربية الناجحة، والقهر الأمني للمعارضة تحت ستار "حرب الإرهاب" أو "قانون الطوارئ".

 

إنَّ التلاعب بحقوق الشعوب، وإهدار المال العام، والإمعان في القهر والتضليل، وتقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة، وتجذر الفساد، واجتماع السلطة والثروة للنخبة الحاكمة، هو من أهم سمات السياسات العربية.

 

لقد كشف العالم والمفكر المصري الدكتور (أحمد كمال أبو المجد) عن حقيقةٍ مذهلةٍ تُصيب الشعوب التي تخضع لسيطرة الأنظمة الاستبدادية وهي "إصابة بنيتهم الأخلاقية بعاهاتٍ حقيقيةٍ" فيقول: "إنّ النُظم الاستبدادية التي تقوم بالقهر والقسر، والتي تستند في قيامها واستمرارها على سلب الحريات، وإهدار الحقوق، وامتهان الكرامات.. وتسليط أجهزة الإعلام، والتوجيه على العقول والنفوس إلى درجة حجب الحقائق وتزييف الوقائع.. وغسل الأدمغة.. هذه النُظم تترك بصماتٍ ظاهرة على سلوك الناس، وتصيب "بنيتهم الأخلاقية" بعاهاتٍ حقيقيةٍ"! (حوار لا مواجهة ، د. أحمد كمال أبو المجد، ص 173).

 

لقد صدر قانون محاكمة الوزراء عام (1958م)، عند قيام الوحدة بين مصر وسوريا، وسقط القانون مع سقوط الوحدة، فحرمنا من الخيْرين معًا: خير الوحدة، وخير حرب الفساد.

 

ولا يُتصور من أي عاقل مخلص لوطنه أنْ يقف أمام عودة هذا القانون إلى الحياة؛ لأن هذا القانون سيسدد الضربة القاضية للنُخب الفاسدة التي ترى أن السلطة هي أقصر طريق لجمع الثروة، ويتساءل الدكتور (عاطف البنا) أستاذ القانون الدستوري: "لماذا يبقى هذا القانون من عام (1958م) وحتى الآن بدون إنشاء هذه المحكمة؟!، وينبِّه إلى أنَّ هذا الأمر يدلُّ على أحد احتمالين: عدم وجود الرغبة والإرادة السياسية لإنشاء هذه المحكمة لمحاسبة الوزراء وهم في الخدمة، والاحتمال الثاني أن الوزراء ملائكة لا يخطئون، وبالتالي لا داعي لمحاكمتهم"! (الأهرام- بتاريخ 8/12/2006م).

 

إنّ السياسة الناجحة هي التي تشجِّع الناس على أن يتكلَّموا، وتربِّيهم على أن يكونوا أحرارًا، لا يخافون النصح أو النطق بالحق، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للرعية: "رحم الله رجلاً أهدى إلينا عيوبنا"، أما السياسة الفاسدة فتكره النصيحة والناصحين، وتودُّ حبسهم وراء الشمس، وكأنهم سياسيون بلا أخطاء، فمن نصحهم أو نقدهم فهو خائن وحقود.

 

يجب على كل من يعمل بالسياسة أن يعلم أن العمل لمصلحة الوطن وتنميته هو جهاد وتضحية وبذل سخي، لأن مقياس الحب والولاء هو البذل بسخاء، والصبر والوفاء لتحقيق الأهداف الكبرى للأمة، وهذه هي صفات العظماء من الزعماء، أما عبدة المال والمناصب والسلطة من المترفين العابدين لشهواتهم وأهوائهم العابثين بمصالح الأمة فالواجب عليهم أن يبتعدوا عن مسئوليات هي فوق طاقاتهم وإمكانياتهم؛ فالعاقل يتحمَّل ما يحسنه ويتقنه وبعدالة وأمانة.

 

إنّ ميلاد وإيجاد نظم سياسية جادة وناجحة ومخلصة تعمل لمصلحة الأمة حتى تكون أمتنا طرفًا فاعلاً على خريطة السياسة الدولية وليس طرفًا ضعيفًا تابعًا يمكن تجاوزه، هو واجب قد يستغرق وقتًا لتحقيقه، كما يحتاج أيضًا إلى تضحيات؛ لأن الاحتلال الجديد بقيادة أمريكا لن يسمح بوجود الحكومات الوطنية التي تعمل للاستقلال السياسي والاقتصادي الذي لا يخضع للتبعية.

 

كما يجب أن نعمل على إيقاظ الغافلين من موتى الأحياء في أمتنا، ونحررهم من الأفكار القاتلة والميتة، وحمايتهم من التدمير الكامل الذي يتعرضون له، يقول الدكتور (خالص جلبي): "العالم العربي معظمه لا يتمتع بالضمان لأي إنسان، بل في تدميرٍ كاملٍ ساحقٍ للبنى النفسية والاجتماعية لمجتمعٍ ما زال يعيش في ليلِ التاريخ فلم يتنفس الصبح عنده بعد... المجتمع الغربي قطع شوطًا واسعًا من تحقيق الرفاهية والديمقراطية ونقل السلطة السلمي وأمْن الناس على أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، أما في مجتمعاتنا فنحن خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا إلى إشعار آخر، نعيش على أفكار ميتة وأخرى قاتلة، نعيش كي لا نعيش"! (المعرفة- مجلة شهرية سعودية، أغسطس 1999، ص 66).

 

إن السياسة العربية في تعاملها مع الصراع العربي الصهيوني وفي السنوات الأخيرة قد خالفت العقل والمنطق والأعراف والعادات، ونلخص الحالة في وصفٍ بسيط، فعلى مستوى الأفراد: لو أن هناك ظالمًا ومظلومًا فمن الذي يقدم مبادرات الصلح؟، الإجابة: يقوم بمبادرات الصلح الظالم أو طرف وسيط، أما إذا قدم المظلوم مبادرات الصلح إلى ظالمه فهذا ينقص من كرامة المظلوم وينفض أنصار المظلوم من حوله.

 

وعلى مستوى الدول: لو أن دولة غير شرعية (إسرائيل) احتلت أراضي ثلاث دول عربية (سوريا ولبنان وباقي فلسطين بعد قرار التقسيم) كما احتلت مقدسات المسلمين (القدس بما فيها المسجد الأقصى وقبة الصخرة) فمن في هذه الحالة يقدم مبادرات الصلح؟!

 

الإجابة: (إسرائيل) هي التي تقدم مبادرات الصلح حتى تضفي على كيانها بعض الشرعية، أو أي طرف وسيط هو الذي يقدم مبادرات الصلح، أما إذا قام صاحب الأرض المحتلة والمقدسات المغتصبة بتقديم مبادرات الصلح مع المحتل الغاصب فهذا إما جنون وإما خيانة للقضية العربية ولا ثالث لهما, وقد يقول قائل: إن هذا التصرف من القادة العرب هو جهل في الخبرة السياسية، ونحن نجيب: وهل يصلح الجاهل لقيادة أمة؟!

 

إني أتهم هذه الأنظمة بالفساد والتضليل؛ حيث تجعل من قواعدها في الإصلاح السياسي نصًّا دستوريًّا يمنع من الإشراف القضائي على الانتخابات، وحين يكون المجلس النيابي بها يملك القدرة على وقف أحكام العدالة ذلك أن المجلس النيابي "سيد قراره"، فيظل الحكم القضائي بنجاح شخص واستحقاقه للعضوية بالبرلمان معطلاً حتى تنتهي مدة المجلس النيابي؛ لأن الذي صدر لصالحه الحكم معارض والذي صدر ضده من أنصار النظام.

 

إنّ النظام الذي لا يُحق الحق ولا يُبطل الباطل يكون الحديث في عصره عن الدساتير والبرلمانيات يصلح أن يكون مادة فكاهة يتسلَّى بها الفارغون.

 

أيّة كرامةٍ إنسانيةٍ نبحث عنها، وأيّ حقوق إنسانٍ نطالب بها في ظل أنظمةٍ تحمي نفسها من شعبها بـ"الطوارئ"، وبعد الوعد بإلغائها تأتي بقوانين أشد فتكًا بكرامة الإنسان وحقوقه إنها قوانين "الإرهاب"!!.

 

إنها حقًّا محنة أنْ تكون "عربيًّا" من أمة تضم مئات الملايين، ثم لا ترى وحدة عربية ولا سياسية عربية تعمل لصالح الأمة العربية، وأشد منها أن تعيش في ظل سياسة عربية ترهبك وترعبك بـ"قوانين الطوارئ" أو "قوانين الإرهاب".

إنها محنة السياسة العربية.