تحقيق: شيماء جلال

في وقعة جديدة من وقائع نزيف المال العام داخل وزارة الصحة، أعلنت الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات (فاكسيرا) اعتزامها بيع 6 آلاف متر مربع من أرض مقرها بحي العجوزة في مزاد علني، بشرط ألا يقل سعر المتر عن 30 ألف جنيه؛ وذلك لسداد الديون المتراكمة على الشركة التي تقدَّر بنحو 600 مليون جنيه.

 

 وحدَّدت الشركة آخر موعد لتقديم المظاريف أول أغسطس القادم، على أن تبدأ جلسة المزايدة في السابع من أغسطس بمقر الشركة، مع تسديد مبلغ تأمين ابتدائي مؤقت قدره 4 ملايين جنيه.

 

وحاولت الشركة تبرير موقفها من بيع الأرض، قائلةً إنها غير مستغلة، وهو الأمر الذي يخالف الحقيقة؛ لأن الأرض مقام عليها مصنع لمشتقات الدم اقترضت الشركة القابضة من أجل إنشائه وتدريب كوادره 18 مليون جنيه.

 

وقالت الشركة- في الإعلان الذي نشرته في الصحف- إن البيع يتم إعمالاً لتوصيات الهيئات الدولية بنقل الأنشطة الصناعية خارج الكتل السكنية وتماشيًا مع خطة تطوير الشركة في إنشاء قلعة صناعية بمحافظة 6 أكتوبر، على الرغم من إفلاس الشركة وتراكم الديون عليها؛ نتيجة الممارسات الإدارية المتخبِّطة على مدار العشرة أعوام الأخيرة، خاصةً في عهد رئيس الشركة السابق- بحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات- الذي تسبَّب في إهدار مئات الملايين من الجنيهات في مشروعات لم تكتمل وأجهزة تمَّ شراؤها بالأمر المباشر ولم تستغل حتى أكلها الصدأ، بالإضافة إلى عمليات التخريب المتعمَّدة لخطوط الإنتاج الحيوية المختلفة بدعوى التطوير؛ حيث توقف خط إنتاج أمصال شلل الأطفال والمحاليل العلاجية والسرنجات ومصنع مشتقات الدم، فيما استمر التخبُّط الإداري في عهد الإدارة الحالية من خلال محاولات جدولة الديون وإيقاف نزيف المال العام، لكنَّ تلك المحاولات باءت بالفشل، بل تفاقم حجم الدين على الشركة.

 

وقد قدِّرت الخسائر التي تكبَّدتها شركة خدمات نقل الدم التابعة للشركة القابضة بنحو 51 مليون جنيه؛ منها 21 مليونًا خسرتها في عام واحد فقط من 2008م إلى 2009م، بالإضافة إلى سحب مجلس إدارة تلك الشركة نحو 21 مليون جنيه أخرى من البنوك دون تقديم غطاء مالي، فيما يطلق عليه بالسحب على المكشوف؛ ما يهدِّد الشركة القابضة ذاتها بالإفلاس.

 

وعلى الرغم من ادِّعاء الشركة القابضة أن البيع يهدف إلى إعادة الهيكلة وضخِّ رأس المال بالشركة، فإنها لن تستفيد من حصيلة البيع، خاصةً أن وزارة المالية تشترط أن تعود حصيلة البيع التي تقدَّر بنحو 180 مليون جنيه لسداد مديونياتها لديها، خاصةً المديونية لدى بنك الاستثمار القومي البالغة نحو 168 مليون جنيه، بالإضافة إلى سداد مستحقات وزارة المالية من حصيلة الدولة في الأرباح التي تقدَّر بـ5.6 ملايين جنيه، بالإضافة إلى سداد مستحقات مصلحة الضرائب البالغة 16.9 حتى منتصف شهر يونيو من 2006م، وهو ما يعني أن مديونية الشركة القابضة لدى وزارة المالية البالغة 191 مليون جنيه تفوق قيمة الأرض البالغة 180 مليون جنيه، وفقًا للتقديرات الأولية.

 الصورة غير متاحة

صورة مستند لتحقيق بيع شركة المصل واللقاحات (اضغط للتكبير)

 

وكشفت مصادر مسئولة بشركة فاكسيرا عن مفاجأة من العيار الثقيل تتمثل في أن إجراء بيع الأرض ليس الخطوة الأولى في طريق خصخصة الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات (فاكسيرا)، خاصةً أن مجلس إدارة الشركة القابضة وافق على بيع 49% من مصنع المحاليل العلاجية لمستثمر مصري إماراتي يُدعى الدكتور شاكر عشماوي، وأسفرت تلك الشراكة عن إنشاء الشركة المصرية للمحاليل الطبية التي انضمَّت إلى الشركات التابعة للشركة القابضة (فاكسيرا).

 

وأكد المصدر أن مصنع المحاليل العلاجية تمَّ إيقاف العمل به في السابق بحجة التطوير، وهو الأمر الذي لم يحدث؛ حيث اشترت الشركة القابضة خطًّا للإنتاج ظل معطلاً لأكثر من 5 سنوات، وقد أكد تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الصادر عن السنة المالية المنتهية في يوليو 2008 أن مشروع المحاليل العلاجية الذي لم يكتمل أدَّى إلى إهدار 87 مليونًا و800 ألف جنيه أُنفقت على خط إنتاج وأجهزة لم تكتمل.

 

يُذكر أن شركة "فاكسيرا" تتولى إنتاج احتياجات البلاد من المستحضرات الحيوية واللقاحات؛ تدعيمًا للخطة الصحية في المجال الوقائي درءًا للأوبئة, كما تقوم بتصدير جزء من إنتاجها إلى العديد من الدول العربية والإفريقية.

 

ما سبق يثير العديد من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تكمن خلف صفقة بيع أرض شركة فاكسيرا؟ وهل سداد الديون مبرر لبيع أصول الدولة؟ وما السيناريو المتوقع التي تنتهي به صفقات البيزنس التي تسير وفقها وزارة الصحة؟

 

بدايةً يؤكد الدكتور فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن هيئة المصل واللقاحات تشهد منذ فترة كبيرة تخبُّطات وعشوائية قرارات لم يُلقِ لها بالاً أي مسئول حكومي.

 

وحمَّل النائب الحكومة مخاطر وتبعات هذا القرار، مؤكدًا أن القطاع الصحي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن الحكومة هي المتهم الأول فيما يحدث من إهمال طبي وتدنٍّ في مستوى الرعاية الصحية والخدمات الطبية، بجانب سياسة التخبُّط والعشوائية غير المقبولة في التفريط في المرافق الحيوية بالدولة والتي بلا شك تُعد إحدى أعمدة القطاع الصحي بمصر.

 

وأعرب عن اندهاشه من تراخي المسئولين في الدفاع عن هذا الصرح، مشيرًا إلى أنه يسدُّ احتياجات قطاع كبير في الدولة، ملمِّحًا إلى أن وزارة المالية تنصَّلت من الأزمة ولم تساند في التصرف لسداد ديون الشركة.

 

ووجَّه النائب جملةً من التساؤلات للحكومة ممثلةً في وزارتي الصحة والمالية؛ أهمها: ما هو سبب التقاعس في الدفاع عن أصول الدولة؟ وهل تسعى الحكومة لتدهور صحة المصريين ولا تهتم بارتقائها؟ مطالبًا جميع المسئولين بأن يوقفوا نزيف بيع أراضي وأصول الدولة، التي هي بالأساس ملك للشعب ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التفريط فيها من أجل سياسة الخصخصة الهدامة.

 

خصخصة الصحة

 الصورة غير متاحة

 د. محمد حسن خليل

  من ناحيته يثير الدكتور محمد حسن خليل "منسق لجنة الحق في الصحة" أمورًا بالغة الأهمية في هذا الصدد، مبينًا أن وزير الصحة يسعى لتحقيق مخطط كبير في خصخصة وزارة الصحة خلال الفترة القادمة بشكل مكثف.

 

ويضيف أن معهد القلب يُعدُّ المحطة القادمة في مخطط الوزير بشأن خصخصة القطاع الصحي، مؤكدًا أن برنامج الوزير حاتم الجبلي يقوم على التعامل مع الصحة وكأنها "بيزنس" وليس قطاعًا لعلاج قطاع كبير من المرضى المصريين.

 

ويستنكر أن يتم بيع شركة "فاكسيرا"؛ لأنها من أقدم وأهم الأصول المصرية المعنية بإنتاج الأمصال واللقاحات- خصوصًا- في بلادنا بعد تفشِّي عدد كبير من الأمراض كأمراض الكبد والفيروسات والسرطانات التي تعاني منها النسبة العظمى من الشعب المصري.

 

ويوضح أن الوزير يتعامل مع أصول الصحة وكأنها استثمارٌ عقاريٌّ يبيع ويشتري فيه كيفما يشاء، وكما يحلو له دون مراعاة للصلاحيات التي اؤتمن عليها، والتي من المفترض أن يتعامل معها على أنها قيمة إستراتيجية، مشيرًا إلى أن معاملاته في البيع والشراء في أجهزة الصحة بالدولة باتت أشبه ببيع "عمر أفندي" والصفقات التجارية.

 

ويذكر أن الوزير هو من قرَّر بيع مستشفى الرمد بالجيزة، ولكن ما جعل الوزير يتراجع هو غضب واعترض العاملين على القرار بجانب التكتم على هذا الأمر ولم يحاسب أو يحقق معه.

 

حكومة البيزنس

ويستنكر الدكتور رشوان شعبان المتحدث الرسمي باسم حركة "أطباء بلا حقوق" تلك الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة في بيع منشأة حيوية مهمة، مثل المصل واللقاحات، منبهًا على أن الحكومة ستتحمَّل تبعات هذا القرارات الخاطئ في المستقبل.

 

وأوضح أن الحكومة تعمل بمنطق وفكر رجال الأعمال في إدارة أموال البلاد، مشيرًا إلى أن منطق البيزنس تسبَّب في انهيار الصرح الصحي في مصر.

 

وعاب على فكر حكومات الوطني في خصخصة القطاع الصحي، مؤكدًا أنه فكر عقيم يتسبَّب في إهدار العديد من الأموال والمؤسسات العامة؛ ما من شأنه أنه يعدُّ فكرًا عقيمًا لا جدوى منه، خصوصًا أن مؤسسة فاكسيرا لا يمكن تقديرها بأموال.

 

وحول الدوافع التي أعلنت بشأن صفقة البيع يذكر د. شعبان أنها دوافع واهية وغير مقبولة؛ لأنه لا يمكن التضحية بصرح صحي من أجل ديون، وإن كان المسئولون أنفسهم هم من قاموا بهذه الديون والأعباء وليس للمواطن ذنب فيها.

 

وفي دهشة واستنكار تساءل: هل معنى أن نعرض شركة حكومية للبيع لمجرد أن عليها ديونًا ومستحقات للحكومة؟!

 

وفيما يتعلق بسيطرة الأجانب على إنتاج اللقاحات، خاصةً بعد ما قيل بأنهم مستثمرون أجانب سيأخذون أرض الشركة ويقيمون عليها مشروعًا للقاحات، يشير إلى أنه أمرٌ بالغ الخطورة؛ لأنه بمثابة احتكار للقطاع الاستثماري، محذِّرًا من مخاطر احتكار الأجانب لإنتاج الأمصال واللقاحات.

 

ويضيف أن الأجانب بهذا المنطق سيتحكَّمون في توريد الأمصال واللقاحات وتحديد أسعارها بما يحلو لهم وكما يقدرون، وعلى المواطنين أن يتحمَّلوا تبعات الاحتكار والخصخصة التي تصنعها الحكومة، وهذا لا يقبله عقل.

 

مصيبة كبرى

وتعليقًا على مسألة بيع أرض شركة "فاكسيرا"، قال الدكتور محمود محمد عمرو مدير المركز القومي للسموم الإكلينيكية إنها مصيبة كبيرة.

 

ويفسر صفقة بيع أرض شركة "فاكسيرا" بأنها عملية تجارية من الدرجة الأولى في مرفق حيوي، لا يجوز بأي شكل من الأشكال أن يُترَك في يد الحكومة بهذا الشكل، وأن هذا الأمر يمثل تحكمًا وسيطرةً من جانب الرأسمالية الخارجية في أمر شراء الأمصال التي تعدُّ سلعةً إستراتيجيةً وتعدُّ أهم من قطاع الدواء نفسه.

 

ويضيف: "هذا يقودنا لنفكر في المستقبل، وماذا سيحدث للقطاع الصحي من تدهور وفساد، في حين أن تلك المرافق التي تتحكَّم فيها الدولة والحكومة تُعدُّ الملاذ الوحيد للفقراء ومحدودي الدخل من المصريين".

 

ويؤكد أننا نعاني من فشل كبير في الإدارة، فالحكومة ترى في الخصخصة والاستثمار الأجنبي المنقذ لها، في حين لو أتاحت الحكومة الفرصة للمتخصصين والخبراء سيتمكنون من حل تلك الأزمات، ولكن الحكومة تهدف إلى إيجاد هذه الأزمات وافتعالها.