في معظم مقالاتي أحاول تأكيد أننا في مصر نعاني من أزمات كبيرة في كل المجالات, سياسية اقتصادية اجتماعية؛ لكن هذه الأزمات لا تمثِّل المشكلة- في حد ذاتها- بل تمثِّل نتائج حتمية للمشكلة.. ألا وهي الازدواج الحضاري؛ حيث الدستور المصري يقرُّ هوية الدولة الإسلامية، لكن الواقع يتأرجح كثيرًا وعمدًا بين الإسلام والعلمانية.. فلننظر في تطورات هذه الأزمة وخطورتها.

 

وتتعدد المشكلات، وتتفاقم الأزمات، ونبحث في الأضابير، فلا نجد حلاًّ لأخطر المعضلات إلا في الشريعة الإسلامية، فهي الوحيدة بين الشرائع والنظم الوضعية التي تقدِّم حلاًّ نهائيًّا؛ فضلاً عن انفراد شريعتنا السمحة بتحديد الوضع القانوني لمالية المرأة دون غيرها من الشرائع والقوانين، بالإضافة إلى تدعيم الحرية والعدل كمبدأ حاكم في شتَّى مناحي الحياة، نجدها توجب إعطاء غير المسلمين الحرية، بالاحتكام إلى شريعتهم في الأحوال الشخصية والمحاكم، ملزمةً حتى الآن بقانون 1938م.

 

لكن إشكالات الخلاف بين المذاهب المسيحية تعترض تطبيقه، وهناك مشروع قانون منذ عقود؛ لتحكيم الشريعة الإسلامية، تقدَّم به الدكتور صوفي أبو طالب عندما كان رئيسًا لمجلس الشعب، وطُلب منه عدم تكرار إثارة الموضوع.. لماذا كل هذا؟

 

وفي إحدى الأزمات الأخيرة المتعلقة بالزواج والطلاق لأحد المذاهب المسيحية سارعت الدولة بتشكيل لجنة لإقرار قانون جديد؛ لكن الرفض جاء من جانب من سيكونون مستفيدين، بينما العلمانيون يؤيدون استمرار القانون القائم، مع إضافة تفاصيل لإباحة الطلاق وتكرار الزواج حسب شروط وضوابط، معظمها صادرة من روح وأحكام الشريعة الإسلامية.. سبحان الله إنها شريعة المنطق والفطرة.. وقد رفض الأنبا شنودة مؤخرًا مبدأ التبني؛ استرشادًا بالشريعة الإسلامية.

 

والحقيقة أن الكنيسة المصرية تحتاج لاجتهاد جديد؛ ليكون عمليًّا، فنحن مسلمون ومسيحيون، لا نتعارف مثل الغرب على علاقات الرجل والمرأة خارج مؤسسة الزواج، ولا الإشهار للزواج مدنيًّا بعيدًا عن الدين، كما أن الغرب اخترع أحكامًا كثيرة بين الزوجين، مثل توزيع الثروة بينهما بعيدًا عن المسيحية؛ ذلك لأن النظام الرسمي للدولة علماني، لا يعترف بثوابت الدين، ولذلك وصل إلى تقنين زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة والشذوذ الجنسي، وعمومًا المجتمع في الغرب يهرب من الزواج بالكنيسة، ويقبل على الزواج العلماني اللا ديني، ويستوعب تكوين الأسرة دون زواج, هذه الاختراعات اللا إنسانية يستحيل تصورها عندنا لا رسميًّا ولا شعبيًّا.

 

وهناك نقطة- غاية في الأهمية- وهي مواجهة الضغوط الدولية في هذه القضية، فذلك أمر لا يمكن مجابهته إلاَّ بالقانون والدستور، الذي لا بد أن ينطلق من الهوية الحضارية، التي يقرها المجتمع كنظام رسمي للدولة, ولا يوجد إلاَّ خياران هما الإسلام أو العلمانية لا ثالث لهما, والخيار عندنا هو الإسلام رسميًّا والأهم شعبيًّا, وأصل جميع مشاكل مصر هو أن النظام الحاكم لا يريد إعلاء الشرعية الإسلامية، والسبب أن التيار الإسلامي هو الوحيد الذي يتمتع بالشعبية، وبالتالي هو المؤهل لقيادة عملية التغيير السلمي الذي تنادي به كل القوى والتيارات في مصر.

 

لذلك؛ الدولة ظلت عقودًا لا تستطيع أن تواجه إقرار القانون الجديد للأقباط؛ لأن الشريعة الإسلامية توجب أن يخرج هذا القانون من المؤسسة القبطية، وليس من مجلس الشعب، حتى تتفادى الدعوة المؤصلة في المجتمع بتطبيق الشريعة الإسلامية بالمثل.. ولضعف الدولة لا تستطيع الأغلبية تطبيق شريعتها، والسبب الوحيد هو أن الشاغل الأكيد لنظام الحكم هو إضعاف التيار الشعبي.

 

ولنفس السبب ستظل الدولة تتفادى الأزمات تراكميًّا حتى تتلاشى الدولة تدريجيًّا!!.

--------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار

hassanelhaiwan@hotmail.com