![]() |
|
قطب العربي |
تصريح الدكتور هلال الذي صدر على هامش مخيم طلابي في الإسكندرية يوم الأحد هو أول رد فعل من قيادي بالحزب الحاكم على الحملة النشطة التي زاد زخمها بدخول الإخوان على خط التوقيعات مع تدشين المرشد العام للإخوان الدكتور محمد بديع موقعًا خاصًّا لذلك قبل 3 أسابيع. (www.tawkatonline.com) وهو الموقع الذي جمع حتى كتابة هذه السطور أكثر من 300 ألف توقيع، يضاف إليها 87 ألف توقيع على موقع الجمعية الوطنية للتغيير، ورقم مماثل (أو يقل قليلاً) عبر حملات طرق الأبواب، ليصل العدد الإجمالي حتى الآن إلى حدود 450 ألف توقيع، ويقترب بسرعة نحو حاجز المليون الذي حدَّده الدكتور البرادعي لإثبات وجود إرادة شعبية فعلية مطالبة بالتغيير وتعديل الدستور، وحينها سيحمل البرادعي هذه التوكيلات (إن حقيقة أو مجازًا)، ويذهب بها إلى قصر العروبة مطالبًا مبارك بتنفيذ مطالب التعديل الدستوري.
مع وصول معركة التوقيعات إلى هذه المحطة بدأ الانزعاج يظهر على قيادات الحزب الوطني الذين حاولوا كثيرًا تجاهل هذه الحملة "الوهمية" بنظرهم، والذين راهنوا على سلبية المواطنين، فإذا بالتوقيعات تتصاعد بقوة ليزيد معدلها عن 20 ألف توقيع يوميًّا، هنا بدأت الماكينة الإعلامية للحزب الحاكم تتحرك، وأطلق الدكتور هلال طلقة البداية، وتبعته أبواق أخرى، ونقلت (أهرام) الجمعة عمن وصفته بمصدر مسئول بالأمانة العامة للحزب الوطني تشكيكًا في صحة التوقيعات، واندهاشًا من زيادة أعدادها بصورة كبيرة؛ خاصة على الموقع الذي يرعاه الإخوان، ومدعيًا أن رقم المليون توقيع لا يمثل سوى 1.4%من إجمالي السكان البالغ عددهم 84 مليون مواطن، وهذا ما يكشف جهله أو "استهباله"، فالمليون توقيع تحسب من بين من يتمتعون بحقوقهم السياسية من البالغين الذين يحملون بطاقات الرقم القومي، وبشكل أدق من بين المشتغلين بالعمل العام وليس من بين رقم الـ84 مليونًا الذي يشمل الأطفال والشيوخ، وإذا كان عدد المشتغلين بالحياة السياسية في مصر سواء أعضاء في أحزاب أو جمعيات أو منظمات أهلية أو نقابات لا يزيد عن 10 ملايين فإن رقم المليون يصبح في هذه الحالة بمثابة 10% من هذه الفئات النشطة، وهي نسبة تؤهل من يحملها للحديث باسم الشعب المصري، وهي نسبة تفرض على السلطات العامة أن تستجيب لمطالب الشعب، أو على الأقل تقوم بعرض التعديلات الدستورية المقترحة على استفتاء عام.
ما ذكره الدكتور هلال وردَّده مصدر آخر في (الأهرام) ثم تردد بصور أخرى على موقع الحزب الوطني الحاكم، من المتوقع أن يتصاعد خلال الأيام المقبلة، وسنسمع تصاعد المزايدات، فإذا كان الدكتور هلال قد توعد بجمع 5 ملايين توقيع فقد نجد من يزايد عليه من منافقي الحزب ليهدد بجمع 10 أو 20 مليونًا أو حتى مائة مليون رغم أن عدد سكان مصر لم يبلغ بعد هذا الرقم، فالأمر سهل ميسور لن يكلفهم شيئًا، "فالدفاتر دفاترهم والسجلات سجلاتهم".
لم يكتف الدكتور هلال بإعلان ذلك التحدي بجمع 5 ملايين توقيع، وهو رد يمكن التعامل معه بإيجابية في إطار التنافس والصراع السياسي السلمي، والاحتكام إلى الشارع بعيدًا عن التهديد بعصا الأمن، ولكنه راح يعطي دروسًا في السياسة تخالف تمامًا ما سبق أن علَّمَه لطلابه عبر عقود في قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مدعيًا أن ما يطلبه البرادعي من تعديل للدستور إنما هو أمر غير منطقي وغير واقعي، ولا أدري لماذا هو غير منطقي وغير واقعي، فالدستور في أي دولة محترمة هو تعبير عن الإرادة الشعبية، وإذا رأى الشعب تعديل هذا الدستور أو تغييره فهذا حق بدهي لا جدال فيه، ومن هنا إذا تحركت عينة واسعة من الشعب تبلغ المليون أو تزيد موقعة عريضة مطالب دستورية فلا بد من عرض هذه المطالب على عموم الشعب في استفتاء عام، وساعتها من حقِّ الحزب الوطني أن يحشد كل قواه لرفض هذه التعديلات، ومن حقِّ دعاة التغيير أن يحشدوا كل قواهم خلف هذه المطالب، ألم يقرأ الدكتور هلال المادة 63 من الدستور التي تكفل حق كل شخص في مخاطبة السلطات العامة مباشرة كتابة وبتوقيعه (الباب الثالث: الحريات والحقوق والواجبات العامة).
الدكتور هلال كرَّر أيضًا مقولات ممجوجة عن رفض إدخال أية تعديلات على الدستور بحجة أن ذلك سيكون دليلاً على ضعف الدولة، وهو كلام سبق أن قاله من هو أكبر منه مقامًا حين تصاعدت المطالب بتعديل الدستور في 2006م، إذ قيل ساعتها على لسان قمة هرم السلطة أن الدستور شيء مقدس لا يجوز العبث به أو تعديله بين الحين والآخر، وبعد ذلك بأيام قليلة فوجئنا بخطاب المساعي المشكورة المتضمن العديد من التعديلات، وقد بدا الدكتور هلال متناقضًا مع نفسه حين قال "وحتى لو جمع البرادعي مليون توقيع على هذه المطالب فسوف نتأكد من صحتها، ولو ثبت ذلك فسوف نجمع 5 ملايين توقيع ترفض هذا التعديل"، وهذا يعني أنه يقر بقانونية جمع التوقيعات لتعديل الدستور، وأن حزبه سيلجأ للآلية ذاتها لرفض تلك التعديلات، ويبلغ التخبط مداه حين يقول في نفس اللقاء "إنه لا يوجد شيء غير قابل للتغيير، إنما في الوقت ذاته لا نقبل أن يضغط علينا أحد" القضية إذن تكمن في شخص أو شخوص المطالبين بالتعديل، فالدكتور هلال الذي عاد للاعتراف أنه لا يوجد شيء غير قابل للتعديل أراد أن يقصر هذا الحق على حزبه فقط ليقترح التعديلات في الوقت المناسب له؛ حيث أجرى التعديلات السابقة عقب انتهاء انتخابات مجلس الشعب في 2005م وها هو اليوم يتحدث عن إمكانية التعديل بعد عامين، أي بعد الانتخابات الرئاسية.
إن مطالب الإصلاح التي يقاومها الدكتور هلال معروفة ومحددة بسبعة مطالب تتعلق بإنهاء حالة الطوارئ، وتمكين القضاء المصري من الإشراف الكامل على العملية الانتخابية برمتها، والرقابة على الانتخابات من قِبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي، وتوفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين، وخاصة في الانتخابات الرئاسية، وتمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت بالسفارات والقنصليات المصرية، وكفالة حقِّ الترشح في الانتخابات الرئاسية دون قيود تعسفية؛ اتساقًا مع التزامات مصر طبقًا للاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية، وقصر حق الترشح للرئاسة على فترتين، وأخيرًا الانتخابات عن طريق الرقم القومي، وما يستلزمه ذلك من تعديل المواد 76 و77 و88 من الدستور، فكيف للدكتور هلال أن يجمع 5 ملايين توقيع لرفض هذه المطالب التي تمثل أبسط حقوق المواطن؟!.
