لم يدر بخلدي الكم الهائل من الحِرَاك المجتمعي الذي أظهرته حملة القوى الوطنية وفي القلب منها الإخوان المسلمون على التوقيعات على مطالب التغيير السبعة المعروفة، والتي تتمحور حول إلغاء حالة الطوارئ، وضمانات لانتخابات حرة نزيهة مع تكافؤ الفرص لكافة المرشحين، وضرورة تصويت الجاليات المصرية في الخارج، وتعديل بعض مواد الدستور.

 

وكانت هناك مفارقات وعجائب وطرائف وأيضًا مفاجآت، لكن الدرس الذي لا يمكن أن نغفله أنها أحدثت حراكًا هائلاً وغير مسبوق في المجتمع بطريقة هادئة وعملية.

 

وأحكي لكم تجربتي بعد أن نجحت- بفضل الله- في تسجيل ما يقرب من مائتي اسم حتى الآن:

1- معظم المصريين وبخاصة النساء لا يحملون بطاقة الرقم القومي في جيوبهن، وعلى ما يبدو فإنهن لا يحملن هذه البطاقة إلا عند السفر أو قضاء بعض المصالح، وهذا عطّل كثيرًا من التوقيعات.

 

2- لا يوجد مواطن أو مواطنة ممن حدثتهم عن هذه المطالب إلا ووافق على هذه المطالب، مؤكدًا حرصه على تنفيذها وحرصه على المشاركة في حملة التوقيعات، ولكن وقعت مفارقات بين التوجس والخوف والجرأة في مسألة التوقيع.

 

3- عندما قَرَأَت إحدى الأمهات المترددات على عيادتي المطالب السبعة تحمَّست بشدة لها، واعتَذَرَت لعدم وجود بطاقة الرقم القومي معها، ولكنها وقعت باسمها بحماس شديد في الاستمارة الورقية التي بها المطالب السبعة، وقالت: إنها عندما تصل منزلها ستتصل على الفور وتبلغ رقمها القومي لي, وانتظرتها طويلاً لكنها لم تتصل، فقلت: لعل معوقًا عائليًّا حال دون ذلك، وفي الاستشارة على طفلها بعد 4 أيام من الكشف لم تفتح معي الموضوع ولم أفاتحها في الموضوع لكي لا تتحرج مني لو سألتها عن سرِّ هذا الفتور بعد الحماس الكبير، وخَرَجَت ولم نتكلم في الموضوع، ولكن بعد دقائق معدودة قالت لي مساعدتي في العيادة إن هذه السيدة اتصلت بها وأبلغتها برقمها القومي، وعندما سألتها عن اسمها بالكامل قالت لها إنها وقعت باسمها أمام الدكتور ولم يبق سوى الرقم القومي، وكان لهذا الموقف دلالة كبيرة على طيبة مشاعر المصريين والمصريات، وأنها ربما بعد محاولات أقنعت زوجها أو المحيطين بها بضرورة الاستجابة لهذه المطالب.

 

4- فوجئت من صيدلي طيب رقيق القلب له باع كبيرة في عمل الخير وهو يرفض بشدة التوقيع على المطالب خوفًا وتوجسًا، وعندما حاورته في ضرورة العمل الإيجابي للتغيير؛ لأن الله لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وافقني على ذلك وقال: أنا خائف، فقلت له: إن التوقيع إلكتروني وسوف يتوه اسمك بين عشرات الآلاف من التوقيعات، ردَّ قائلاً: ولكنه سيكون مكتوبًا على "النت".

 

5- بقدر ما صدمني مفاجأة الصيدلي في رفضه التوقيع ليس لرفض المطالب ولكن الخوف الأمني بقدر ما أدهشني التجاوب الرائع من بسطاء الناس من جيراني وأقاربي مع حملة التوقيعات، ووافق العشرات على كتابة أسمائهم مع الرقم القومي في تسابق محموم لبلوغ أكبر عدد ممكن من التوقيعات، بل الغريب أن بعضًا من هؤلاء البسطاء جنَّد نفسه لتجميع أكبر عدد ممكن من الأسماء وأرقامهم القومية.

 

6- من الطرائف أن عاملاً بالمستشفى التي أعمل بها طلبت منه التوقيع على المطالب بعد أن قرأها فبادر على الفور بالتوقيع بالرقم القومي ثم بادر بالقول بأن بإمكانه أن يجمع لي عددًا لا بأس به من الناس، فشجعته على ذلك وفي نفس اليوم ليلاً فاجأني بجمعه لعشر بطاقات من أقاربه للتوقيع، فأردت أن أطمئن على أنه أبلغهم بالمطالب السبعة أو حتى بعضها فقال:

لا لقد طلبت منهم هذه البطاقات على أساس تسجيل أسمائهم من أجل شنطة رمضان، فبادروا على الفور بإعطائي هذه البطاقات، فضحكت، وقلت له لن أسجلهم إلا إذا عُدت إليهم وأخبرتهم ببساطة أنها للتوقيع من أجل مطالبة الحكومة بانتخابات حرة نزيهة، ففعل.

 

7- إحدى جاراتي استجابت بصعوبة شديدة هي وزوجها وأولادها الأربعة لما طلبته منهم من ضرورة التوقيع، وبررت جارتي عدم الاستجابة السريعة بالخوف على مستقبل الأولاد، فكان ردِّي عليها سريعًا بأن هذه التوقيعات من أجل مستقبل الأولاد، وبعد حوار مطول طلبت مني الانتظار للتفكير ثم أرسلت لي الأسماء بالرقم القومي، ولكني عند تسجيلها وجدت أن الأرقام مع كلِّ الأسماء 11 رقمًا فقط ناسية أو متعمدة لإزالة 3 أرقام من اليسار، وعندما أرسلت لها في طلب استكمال الأرقام ماطلت لكن حظها العاثر أن التسجيل على الموقع قبل الأسماء بالأرقام السبعة اليمنى.

 

8- بادرت إحدى الأمهات المترددات على العيادة بالتوقيع على المطالب، ولم يعجبها أو يثير انتباهها في هذه المطالب سوى المطلب الخامس الذي يتحدث عن ضرورة تصويت المصريين في الخارج في السفارات والقنصليات المصرية، وقالت: إنها وزوجها في سفر دائم للسعودية، وهي محرومة من حقِّ التصويت في الانتخابات، ولم تصوت مطلقًا بسبب وجودها بالخارج أثناء الانتخابات.

 

9- في المستشفى الذي أعمل به وقَّع العديد من الأطباء والطبيبات والممرضات على مطالب التغيير، ولكن لفت نظري أن إحدى الطبيبات وقَّعت باسمها على الاستمارة الورقية، وقالت:

أذهب للسكن لإحضار بطاقة الرقم القومي، ولكنها عادت فاترة، وأجَّلت استكمال توقيعها، وربطت ذلك بتعيين شقيق خطيبها في وظيفة نائب مقيم بكلية الطب.

 

10- أحد الجيران مع عائلته أخذ يُفكِّر ويُفكِّر بعد عرض الأمر عليه، وكلما أرسلت له رسالة للرد أبلغني بأنه لا زال يُفكر ويُفكر، وبعد مخاض عسير أرسل لي توقيعه مع العائلة كلها دون استثناء.

 

11- تحدثت مع مجموعة من البسطاء ببساطة عن المطالب السبعة فقالت لي إحدى السيدات المسنات والتي على ما يبدو لم تفهم ما قلته بالضبط، مهما فعلت فلن أعطي صوتي للنائب (فلان)، وهو نائب الحزب الوطني بالدائرة، فقلت لها: أنا لست مع النائب فلان بل ضده هو وحزبه، فقالت لي بشغف: إذن خذ اسمي وبطاقتي وافعل ما شئت، وأعطتني البطاقة.

 

12- جاءني خبر أن سيدة هي رئيسة العمل بأحد المعاهد الأزهرية (شيخة المعهد) كان مشهورًا عنها التوجس الرهيب من الأمن، ولكنها فاجأت الجميع عند طلب التوقيع منها على المطالب السبعة، بتوقيعها على الفور دون تردد أو توجس، والغريب في الأمر أن أحد المشايخ العاملين بالمعهد عارض تصرفها بشدة ولامها بعنف على موقفها مذكرًا إياها بأنها ستضر بموقف المعهد، وأن الأمن سيأتي لها وستحدث مشكلة كبيرة مع الأمن والإدارة، ولكن المفاجأة المذهلة أنها عنَّفته وقالت له: إلى متى ستظل جبانًا؟

 

الأيام حبلى تنبئ بمفاجآت ومتغيرات في المجتمع تمهيدًا للتغيير القادم لا محالة، هذا ما لمسته من الحِرَاك المجتمعي الذي أحدثته حملة التوقيعات على مطالب الإصلاح.

 

ولكي ننجح في جمع أكبر قدر ممكن من التوقيعات، والذي في ظني أنه يمكن أن يصل للملايين، أنصح بالآتي:

1- تبسيط الحديث عن المطالب السبعة التي تتمحور حول إجراء انتخابات حرة نزيهة؛ لكي يختار الشعب ممثليه الحقيقيين الذين على أيديهم يتم التغيير، وبخاصة في الحديث مع بسطاء الناس.

 

2- حملة طرق أبواب على الأقارب أولاً ثم الجيران ثانيًا ثم عامة الناس ثالثًا مع الاستمارة الورقية مكتوبًا بها مطالب التغيير ثم في الأسفل الاسم والرقم القومي فقط.

 

3- توظيف المتحمسين من عامة الناس لجمع التوقيعات وبخاصة في محيط الأقارب والجيران.

 

4- التركيز على ربِّ الأسرة الذي بدوره يأتي بتوقيعات العائلة كلها.

 

5- عدم القلق من التوجس والخوف في البداية أو السلبية فسينتهي الأمر بالتوقيع مع الحوار والإقناع.

 

6- المرور على الناس بالاستمارة موقعًا عليها عدد من المواطنين العاديين، فهي بدورها تشجع الآخرين على التوقيع.

 

7- في حالة فقدان البطاقة يمكن الحصول على الرقم القومي من شهادة الميلاد.

 

8- العمل الدءوب المستمر بلا كلل أو ملل مع استهداف الوصول لكلِّ شرائح المجتمع.

 

إن دوام الحال من المحال، والتغيير قادم لا محالة، وتلك سنةُّ الله في الكون ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140).