- أغلب سكان عقار أرامل وليس لهم أولاد ولا أقارب

- 300 جنيه كل ما تمتلكه "فهيمة" ضاعت تحت الأنقاض

- النساء "نامت في الشارع" لعدم توفير أي بدائل من الحي

- مهندس متخصص: انعدام الإشراف الهندسي وراء الانهيارات

- مقاول: عدد كبير من عقارات مصر مخالف للمواصفات الهندسية

 

تحقيق- إيمان إسماعيل ويارا نجاتي:

"في وقت استرخاء ساعة العصاري؛ كنا ننفض أيدينا من غبار عمل مشحون طوال اليوم؛ طامحين في إراحة أجسادنا ولو لدقائق معدودة؛ فمنا من استلقى على سريره محاولاً نسيان آلامه والذهاب في النوم؛ ومنا من ذهب ليعد كوبًا من الشاي حتى يريح أعصابه من عناء الحياة؛ أغلبنا أرامل توفي أزواجنا منذ سنين وليس لنا إلا بعضنا البعض؛ وسط ذلك الهدوء فوجئنا بصيحات من الشارع تنادي: "المنزل ينهار"، وما أن سمعنا تلك الصيحات إلا انتفضنا من أماكننا وهرولنا فزعين إلى خارج المنزل؛ وبمجرد أن وضع آخرنا قدمه في الشارع انهار المنزل في الحال فوق كل أمتعتنا وأموالنا، وانهار معه مأوانا الوحيد في تلك الدنيا، وأصبح الشارع ملاذنا الوحيد إلى وقتنا هذا"!!

 

تلك القصة ليست ضربًا من الخيال، ولا هي رواية بائسة؛ إنما هي قصة أكثر من 15 فردًا من أهالي حارة "القاطنية" المتفرعة من شارع أبو الفرج بمنطقة شبرا بالقاهرة؛ والذين انهار منزلهم رقم "6" مساء أمس السبت الموافق 24/7/2010، المكون من ثلاثة طوابق؛ حيث أسفر عن وفاة امرأة مسنة وتشريد بقية السكان في الشارع!!

 

بعض الأهالي يدلين بحديثهن إلى محررة (إخوان أون لاين)

 

اللافت للنظر أن ذلك الانهيار ليس الأول من نوعه، حيث شهدت الفترة الأخيرة العديد من الانهيارات العقارية في مناطق عدة؛ حيث انهار خلال الشهر الماضي وحده أكثر من 7 منازل في مناطق متفرقة في شبرا والدرب الأحمر والهرم وشارع فيصل والإسكندرية، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى والمشردين، وإلى الآن لم تحرك الأحياء ساكنًا تجاه الأهالي سواء في صرف تعويضات للعقارات المنهارة، أو في قيامها بأي فحوصات على مدى صلاحية المباني الأخرى والتي صدر لها قرار إزالة أيضًا، وكل ما تقوم به الأحياء مجرد التأكيد على أن تلك العقارات المنهارة صدر لها قرارات بالإزالة منذ سنوات وتخلي مسئوليتها بالكامل.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية في المنطقة بين أهالي العقار للوقوف على حقيقة الأمر؛ محللاً مع الخبراء أسباب تكرار تلك الانهيارات؛ في التحقيق الآتي:

 

في بداية جولتنا في منطقة روض الفرج؛ والتي بها آخر العقارات المنهارة، شوهد إحاطة الحشود الأمنية الغفيرة بالمنطقة والتي أحاطت بالمنطقة بكردون أمني مشدد، وحاولت منع كثير من المارة من العبور أمام المنزل أو التحدث مع الأهالي الثائرين على الأرصفة.

 

 الصورة غير متاحة

الأمن يغلق كل الممرات المؤدية للمنزل المنهار

وتروي لنا ناهد "إحدى سكان المنزل المنهار" قائلة: "لم أشعر بأى اهتزاز أو ما يوحي باحتمالية سقوط المنزل، بل كل ما حدث أننا سمعنا بعض المارة في الشارع ينادون علينا ويخبرونا أن المنزل يسقط؛ حيث مال الحائط الجانبي للمنزل، فأسرعنا جميعًا بالنزول كما نحن دون أن نتمكن من إحضار أي من مستلزماتنا أو أموالنا".

 

وتضيف قائلة: "إن وقت انهيار العقار كان حرجًا للغاية بعد العصر مباشرةً؛ حيث كان أغلبنا إما نائمًا أو مسترخيًا، حتى أنني نزلت دون أن أتمكن من ارتداء حجابي بل نزلنا بما علينا من ملابس المنزل حفاةً.

 

وحيدة!

وقاطعتها جارتها "فهيمة" بنبرة تملأها الألم قائلة "وُلدت في بيتنا هذا منذ 50 سنة وليس لي أقارب ولا حتى زوج أو أبناء، وأخواتي تزوجوا جميعهم ولم يتبق إلا أنا، فلا أعرف إلى أين أذهب ولا إلى من أشكو، وحسبي الله ونعم الوكيل في كل من تسبب في شقائنا هذا".

 

وتضيف قائلة: "كل ما أمتلكه من ميراث زوجي 300 جنيه فقط انهارت في ركام المنزل ولا أحتكم على أي شىء آخر".

 

المالك المتهم!

وبجوارهم كانت تجلس "سعاد" بعباءتها السوداء المغبرة بالتراب من آثار النوم على رصيف الشارع منذ انهيار العقار عصر أمس، وبادرتنا بالحديث في استياء تام قائلة: "المنزل صدر له قرار بالإزالة منذ 4 سنوات مضت، ففرح ملاك المنزل بذلك القرار حتى يتكمنوا من الاستفادة من بناء الأرض من جديد والحصول على الأموال الطائلة بعد هدم المنزل".

 

وتضيف قائلة: "إن سكان العمارة لا حول لهم ولا قوة وليس لديهم ملجأ آخر يذهبون إليه فقاموا باستخراج قرار بتنكيس المنزل من الحي، إلا أن مُلاك العقار رفضوا تنفيذ ذلك القرار، لأنهم لا يهتمون بنا ولا يفرق معهم تشريدنا في الشارع من عدمه، إنما كل اهتمامهم هو الحصول على أكبر كم من الأموال الطائلة".

 

حائط الموت!

 الصورة غير متاحة

دورة المياه المجاورة لغرفة الحاجة نعيمة التي توفيت

واستكملت الحديث ساكنة أخرى قائلة: "قبل الانهيار بدقائق كنت أجلس مع جاراتي نشرب الشاي ففوجئنا ببعض الناس في الشارع يصيحون في حالة من الهلع التام "البيت بيقع.. كله ينزل حالاً"، فأسرعنا بالهروب من المنزل ونجونا جميعًا إلا الحاجة "نعيمة علي السيد" التي تسكن في الدور الأخير، ونظرًا لكبر سنها فلم تتمكن من النزول؛ حيث كان الفرق بين نجاتها وموتها حائطًا واحدًا وهو الحائط الفاصل بين غرفتها التي كانت فيها، ودورة المياه؛ فتأخرت في وصولها إلى السلم وسقطت الغرفة بها".

 

وتقول كريمة ساكنة بالدور الثاني: "منذ وقت الكارثة والمسئولون انهالوا علينا في زيارات خاطفة ولم يخبرنا أحد منهم عن مصيرنا وعن البدائل التي سيوفرونها لنا كبديل لمنزلنا المنهار، حتى أن رئيس الحي فؤاد رشدي قال لنا أمس عن البدائل والتعويضات: "ربنا يسهل كل حاجه هتيجي في وقتها وسنفكر لكم في حل"!!.

 

وتضيف إن ذلك نفس ما قام به عضو مجلس الشعب؛ حيث حضر لدقائق محدودة وقال لنا: "أنا معكم لا تقلقوا"، وتركنا ورحل!.

 

تعنُّت أمني!

 الصورة غير متاحة

الأمن يمنع الأهالي من الحصول على أيٍّ من ممتلكاتهم!

وتبكي "ساكنة أخرى" على حالها قائلة: "كل ما تبقى من أملاكنا وسط الركام بعض الملابس وأجهزة وأثاثات محطمة، وحتى الآن لم يسمح لنا الأمن بأخذ أي من ممتلكاتنا أو حتى البحث عنها، لحين الانتهاء من دفن الحاجة نعيمة، دون أن يوضحوا لنا وجه العلاقة بينهما، وعلى الرغم من تحايل الحاجة عليهم أن يسمحوا لها بالتقاط أي أكل أو حتى البحث عن أموال تستطيع أن تفطر بها نظرًا لعدم تناولهم أي طعام منذ أمس".

 

وتضيف قائلة: "لم أعد أمتلك أي شيء من الدنيا سوى فتات الملابس التي أرتديها وتوكلي على الله وحده في أيامنا القادمة"!.

 

ويقول محمد إبراهيم "حفيد المتوفاة": "أنا وأخي الرجلان الوحيدان في ذلك المنزل ومعي أطفالي، فنحن ولدنا فيه منذ 34 عامًا مضت، وتعيش والدتي معنا في الدور الثاني، وكنا بالكاد نصرف على احتياجاتنا الأساسية من المطعم والملبس وبعد انهيار منزلنا لا ندري من أين سنتمكن من حياة باقي عمرنا القادم في ظل انعدام المسكن؟".

 

انعدام الإشراف

 الصورة غير متاحة

الجزء الخلفي من المنزل بعد انهياره

ويرجع أيمن عبد ربه مهندس مدني تلك الانهيارات في العمارات القديمة بالأخص إلى سببين رئيسيين أحدهما أنها كانت تُبنى بنظام الحوائط الحاملة وفيها يتم بناء الحوائط أولاً مع أساس صغير جدًّا أو وبدون، ثم توضع الأسقف فوق الحائط ومنها ما يكون من الخشب والقليل منها يكون بالمسلح، على العكس من النظام الحالي الذي يعتمد على العواميد مما يجعل العقار ثابتًا بدون الحاجة إلى حوائط، واصفًا أساسات العقارات القديمة بأنها (شبه سطحية)، فالعمارة المكونة من ثلاثة طوابق وتبني بالطوب مثلاً تحتاج إلى أساس يصل إلى أكثر من متر ونصف، حيث تتحدد مساحة الأساس بناءً على عدد الطوابق، لكن في العقارات القديمة كان الأساس لا يتعدي النصف متر.

 

ويوضح أن ذلك يجعل الأساس يتأثر بسهولة بالمياه الجوفية التي تؤدي إلى تآكله، أو يتآكل بفعل نظام الصرف الصحي القديم الذي يعتمد على (الطرنشات) التي تتسرب للأساس الضعيف، قائلاً: إن السبب الآخر الذي يؤدي إلى انهيار العقارات القديمة هو بناء عمارة على النظام الحديث والتي تحتاج إلى حفر أساسات كبيرة مما يعمل على تحريك التربة تحت أساسات العمارة القديمة المجاورة لها، ثم تهبط الأساسات وتنتهي إلى تصدع العقار.

 

ويفسر أن انهيار العقار لا يكون على مرة واحدة كما يظهر للعين بل تظهر في البداية شروخ وقتها يمكن القيام بعمل تنكيس للمنزل وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ولكن ما أن تأخذ الشروخ في الاتساع مع الزمن، ثم يظهر أصوات طقطقة مع ازدياد عمق الشروخ وما هي ما تسمى مرحلة ما قبل الانهيار مباشرة التي يعرفها المهندسون وحدهم، ويكون من المتوقع عند حدوثها انهيار العمارة في أي لحظة.

 

 الصورة غير متاحة

ممتلكات الأهالي تناثرت تحت الأنقاض

وعن انهيار العقارات الحديثة في أحياء مصر المختلفة يقول م. أيمن: إن أسبابها عائدة إلى الإهمال المتمثل في السرقة في المونة التي تتكون من (الحديد أو الإسمنت أو الزلط أو الرمل)، ويستطرد أو انعدام الإشراف الهندسي أثناء بناء العقار حيث أصبح مهندسو الحي الملزمون بالإشراف على البناء يمضون على الأوراق دون التحقق من استخدام كميات وأساسات سليمة، أو دون التأكد من صلاحية تصميم العقار الذي من المفترض تقديمه (للمجموعة العشرية) التابعة للمحافظة بعدما يتم التصديق عليه من مكتب هندسي.

 

ويرى أن الحل حتى يتوقف نزيف المواطنين المصريين من سقوط العقارات يكمن في تطبيق قانون البناء الموحد بحذافيره من دون أي استثناءات، وتحديدًا إزالة العقار المخالف بشكل فوري في حال حدوث مخالفة وقت بنائه، مطالبًا بعمل سجل لكل منزل يظهر فيه التصميم الأصلي والأساسات وعلى ضوئها يتم تحديد التعديلات التي يحاول بعض السكان القيام بها تحت الإشراف الهندسي بدلاً من قيام كل سكن بهدم حوائط وعواميد تؤثر على البناء الأساسي للعقار كما يحلو لهم.

 

فساد مستشرٍ

 الصورة غير متاحة

ركام المنزل المنهار

ويوضح المهندس محمود عامر- مهندس مقاولات- أن انهيار العقارات المتتابع الذي تشهده مصر الفترة الحالية هو نتيجة طبيعية للفساد المستشري في مصر رقابيًّا وتطبيقيًّا، ويحلل أوجه الفساد تلك قائلاً: إنها تتنوع بين خطأ في المواصفات الهندسية للعقار من الأحمال والإسمنت والذي يجعله غير صالح كمنشأ هندسي.

 

ويشير إلى أن أول صفقة فساد في الإنشاءات ظهرت في مصر عام 1987 حينما تم تسريب شحنة من الإسمنت من رومانيا أكتُشف أنها منتهية الصلاحية، وكان قد تم بناء مئات العقارات في مصر بها، والتي هي الآن معرضة للانهيار في أي وقت، كما يحدث حاليًا.

 

ويرجع تلك الانهيارات المتعاقبة إلى تأثير العوامل الإنسانية في أساسات العمارات، والتي نتج جزء كبير منها عن فساد منظومتي الصرف الصحي والإنشاء الهندسي، بالإضافة إلى فساد المعاينات التي تجرى للعقارات وفساد تنفيذ قرارات الإزالة، وطغيان الواسطة والمحسوبية على الاهتمام بحياة البشر.

 

ويلفت النظر إلى أن الكثير من العقارات خاصة التي تنشأ في مصر حديثًا مخالفة للمواصفات الهندسية المطلوبة مما يجعل مستقبل مصر العقاري في كارثة محققة، ويضع رؤيته لحل تلك الأزمة فيقول: "لا بد من جهاز رقابي قوي يقوم بمراجعة كل الأعمال الهندسية، بالإضافة إلى ضرورة عدم إجراء تعديلات في خرسانات العمارات إلا بعد الحصول على إخطار مسبق من الحي، يقوم بعده بفحص شامل لمدى تأثير ذلك العمل على قوام المنزل من عدمه.

 

ويشير إلى أن مراجعة الأحياء ووزارة الإسكان لكل الإنشاءات الموجودة في مصر يعتبر أمرًا مستحيلاً لذلك لا بد من محاولة تدارك تلك الكارثة بأكبر شكل ممكن من خلال تكثيف الرقابة، واتباع الخطوات السلمية في الإنشاءات الهندسية.