لقد أصبح النفاق مرضًا ضارب الأطناب في العهد المباركي- بل العهود المباركية- حتى يشعر من لا ينافق أنه غريب في هذا الوطن المطحون، وقد رأينا السيد الدكتور نبيل لوقا بباوي يملأ شوارع القاهرة وميادينها بلافتات ضخمة جدًّا، تتكلف مئات الألوف من الجنيهات، وكلها نفاق ساقط يبارك الرئيس مبارك، ويعلن أن الشعب- بملايينه الثمانين- تؤيد مبارك.
*****
ومن قبل خرج علينا أمير من أمراء النفاق (مرجان) في أغلب مقالاته الأهرامية- فنراه مغرمًا بتشبيه "المعارضين بالصراصير"، ومما كتبه في "أهرام 6/7/2005": "... ولكن هذا هو قدر مبارك الذي لم يكن غيره بقادر أن يتحمل هذا الثمن الباهظ، ويطيق هذا الإسفاف الصفيق, افتتح (مبارك) المزاد (!!!!), وتسابق المهرجون والبهلوانات, واندس العملاء واللصوص، وتحولت "الصراصير" إلى عقارب, والفئران أسودًا... وللأسف بلا خلاق تعاقب الـمُحْسن, وتكافئ المسيء، وتقتات من كل الموائد، إنهم فئة من الفاشلين والحاقدين والعملاء...".
ونسي "مرجان الفلتة" أن في هؤلاء أساتذة درّسوا له القانون، وفيهم من المثقفين "المتعففين" حائزون على أرقى الشهادات العالمية. ولكني لا أملك إلا أن أقول: لعن اللّه النفاق, وأقول: إذا لم تستح فاصنع, وقل ما شئت".
*****
وإلى الامتحانات تسرب النفاق..
وشعرت بخزي فادح وجزع أليم، وأنا أرى "هيمنة النفاق" على بعض امتحانات التربية والتعليم. وبين يديّ ورقة امتحان في مادة التربية الفنية للصف الأول الثانوي بمدرسة العريش الثانوية للبنين (محافظة شمال سيناء), ونص الورقة:
أولاً: التعبير الفني: تشهد الأيام القليلة القادمة منعطف (كذا) خطيرًا في مصر للرؤية المستقبلية للشعب المصري لتحديد الأهداف والأولويات لتحسين حياة الفرد. والرئيس حسني مبارك قائد له تاريخ مستمر (كذا), واستطاع أن ينقل مصر نقلات حضارية في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والزراعة والاستقرار والأمان, وحرص على عدم المساس بأصحاب الدخل المحدود, وسعى لتحسين أحوال المعيشة, ووضع خططًا خمسيةً متتاليةً لازدهار التنمية, وحرص على إقامة مدن جديدة, ومشروعات ضخمة مثل (توشكى, شرق العوينات, ترعة السلام)، لرفع معيشة أبناء الوطن. ولا يحتاج الرئيس لدعاية انتخابية, والكل سيقول كلمته (نعم) يوم الانتخابات للرئيس مبارك.
المطلوب: عبّر بقلمك وألوانك عن إحدى (كذا) المشاهد التالية:
1 - مشهد من مشاهد التأييد الانتخابي للرئيس مبارك في الشوارع أو داخل اللجنة الانتخابية.
2- مشهد من مشاهد الإصلاح والخدمات في مصر على يد الرئيس مبارك.
ثانيًا: التصميم الابتكاري: داخل مستطيل مساحته 20 سم × 15 سم:
* صمم شعار تأييد للرئيس مبارك في الانتخابات القادمة, مستخدمًا الرموز المناسبة.
* على أن تكتب عبارة (نعم لمبارك) داخل التصميم.
* (استخدم الألوان التي تناسب الشعار) (انتهى).
ولا أملك إلا أن أقول: لعن اللّه النفاق. وإذا لم تستحْ, فاصنع من الأسئلة ما شئت.
*****
وممتاز القط رئيس تحرير (أخبار اليوم)، ومقالاته الأسبوعية لا تخرج في اتجاهها العام عن المحاور الآتية:
1- الثناء المطلق على رئيس الجمهورية، وعلى قادة الحزب الوطني، وهو يتغالى ويسرف في هذا الاتجاه بتطرف مرفوض، ومن مظاهر هذا التطرف مخاطبة الرئيس حسني مبارك بقوله "إلى من نشكو يا سيادة الرئيس إلا إليك؟"..... "ومن نلجأ إليه غيرك؟".
وبلغ به الإسراف والسقوط والشطط أن نشر في الصفحة الأولى من أخبار. اليوم: أن الرئيس مبارك- حرصًا على أموال الشعب- أصر على تسديد الرسوم الجمركية لـ(5) كيلو من التمر أرسلها إليه أحد الأمراء العرب، وذلك من جيبه الخاص، وعجل الناطق بلسان القصر الجمهوري بنفي هذه الوقعة، فبهت الذي كذب. ولم يرد.
2- الهجوم الضاري على كل من يهاجم السياسة المباركية، أو الجمالية، أو يبدي رأيًّا يخالف النظام القائم؛ فهو يهاجم القضاة الشرفاء، وفي ضراوة وسخرية يهاجم المستشارة النزيهة الدكتورة نهى الزيني لأنها فضحت تزوير الانتخابات.
ويقول بالحرف الواحد "الدعوة إلى التغيير أصبحت شعارًا يلوكه بعض أنصاف الساسة...." وهو يعني شخصيات مثل الدكتور البرادعي والدكتور نافعة وقادة كفاية والإخوان. فهل هؤلاء أنصاف ساسة؟... يا قط؟؟!!!
ويقول القط كذلك:
"وفي تاريخ مصر الحديث، يرتبط التغيير بتولي الرئيس مبارك مقاليد الحكم في فترة عصيبة، أعقبت اغتيال الرئيس السادات، حيث بدأ الرئيس مبارك أكبر عملية تغيير وتحول في المجتمع، سواء في الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي....." (أخبار اليوم 10/7/2010م).
3- تبرير أخطاء القادة الذين يمسكون بخناق الشعب من الرؤساء والقادة، فما يرونه هو الصواب، وما يتعارض مع اتجاههم هو الخطأ، بل الخطيئة. وهو حاليًا ومعه مدرسة "أخبار اليوم" يحاولون تبرئة شخصية مشهورة من جريمة هزت مصر ودبي، بل العالم كله.
وقد قلت في مقالات سابقة عن السيد ممتاز القط "ِإن مقالاته من جانب آخر تسليني؛ لأنها تذكرني بأوائل شبابي أيام أن كنت في آخر المرحلة الابتدائية، أو أولى المرحلة الثانوية، بأسلوبها الانتفاشي، الذي لا يخلو من حلاوة كحلاوة غزل البنات.
**********
وممتاز القط أصبح واحدًا من أهم الصحفيين الذين يرافقون الرئيس إلى أوربا. وكم كنا نتمنى أن يدلي بتصريحات للصحفيين الأجانب يحسِّن فيها وجه مصر، ولكنه باعترافه- أخذ ومعه أحد زملائه- يستعرضان محلات الأحذية، ليشتريا أرقاها وأمتنها.
ومن أيام استضافته قناة فضائية ومعه الأستاذان مجدي الجلاد، وآخر مندوبًا من (دار الحياة).
دار الحوار عن مصر وأحوالها الحاضرة، وكنت أعتقد أنه سيكون حوارًا هادئًا مفيدًا، وخصوصًا أن ممتاز القط لا يملك لا أرضية، ولا خلفية سياسية أو ثقافية، ولكني رأيت سيادته كأنما رُكب على زمبلك (زمبرك)، فأخذ يهتز صعودًا وهبوطًا، لا يمنة ولا يسرة، وهو يلقي كل ثقله- بصوته الدميم الصاخب- محاولاً "أكل الجو"، بجعل النظام المباركي أرقى، وأعدل، وأنقى نظام عرفته مصر في كل عهودها، نظام يتمتع فيه الشعب بالحرية، والديمقراطية، والرفاهية، كل ذلك بنبر عالٍ متلاحق، لا يترك لواحد من زميليه فرصة لأن يسمع منه كلمة، ولو حسبنا ما قال بحساب الكم لوجدناه قد خرج بما لا يقل عن سبعة أعشار الزمن الممنوح للحلقة.
*****
هذا هو ممتاز القط رئيس تحرير (أخبار اليوم) أي الذي يتربع على رياسة تحرير (أخبار اليوم) الذي كان يتربع عليها الشقيقان العظيمان علي أمين ومصطفى أمين من عشرات السنين، وحتى يبدو الفرق الشاسع بين "ممتاز القط الزمبركي"، والرجل العظيم علي أمين ننقل واحدة مما كان يأتي تحت عنوان "فكرة"، وفي 30/7/1976م أي من قرابة أربعة وثلاثين عامًا كتب علي أمين تحت عنوان "فكرة":
"إذا كنت وحدك ومعك الحق، فلا تحزن، ولا تكتئب. فأنت أغلبية: رجل مع الحق يساوي أمة، وملايين مع الباطل لا تساوي شيئًا!...
إذا كنت مؤمنًا برأي، وكل قوى الأرض ضدك، فلا تهتز: لا تخف! لا تتخل عن رأيك!
أصمد في موقفك. تمسك به. تحمل الضربات في سبيله. قاوم من أجل عقيدتك.
إن التاريخ لا يكتب أسماء الذين هربوا، وإنما يكتب أسماء الذين صمدوا!
لا يسجل أسماء الذين عاشوا جبناء، بل يسجل أسماء الذين ماتوا شجعانًا.
الذين ركعوا وسجدوا لغير الله تدوسهم أقدام الزمن، والذين وقفوا وقاوموا تحدوا الزمن!
الذين يغيرون أفكارهم كما يغيرون جواربهم يعاملهم التاريخ كالجوارب تمامًا.. حتى ولو كان في حذاء إمبراطور؟
وشجاعة الرأي لا تحتاج إلى قلعة تقف فيها. ولا إلى دبابات تحميها، وإلى سلطات تستند إليها. إنما كل ما نحتاج إليه هو الإيمان.
لقد صادفت في حياتي رجالاً ضعفاء بأشخاصهم. ولكنهم أقوياء بإيمانهم. يستطيع طفل أن يلقيهم على الأرض، ولكن جيشًا كاملاً لا يستطيع أن يدفعهم إلى الوراء!
ثم رأيت رجالاً كالعمالقة وفي داخلهم أقزام! كبارًا من الخارج، وصغارًا من الداخل، يتشدقون بالكلمات الضخمة ثم يسرعون خلف السائر، يقبلون أيدي أصحاب النفوذ وأقدامهم، ويعتذرون ويطلبون الرحمة والغفران.
هؤلاء رجال بلا عقيدة، وبلا إيمان، وبلا عمود فقري. قليل من الهواء يهزهم، والعاصفة تقتلعهم من أماكنهم، وتحولهم إلى هباء.
أسود أمام الفئران، وفئران في مواجهة الأسود، يرتدون ثياب الأبطال في النهار، ويرتدون ثياب العبيد في الليل، يعلنون الحرب في أيام السلم، ويدعون لوقف الحروب في أيام القتال، يزأرون عندما يحرم على غيرهم الكلام، ويهمسون عندما تباح للناس حرية الكلام، يبطشون بالمساكين، ويتهادون ذلاًّ ومسكنةً أمام الأقوياء!.
قيمة الرجل مثل قيمة المعدن، لا تمتحن إلا إذا وضعت في النار.
بعض الناس كالزجاج يلمعون في الليل ويفقدون لمعانهم عندما تشرق الشمس ويجيء النهار!".
*****
وواضح أن الفرق بين كلمات القط الزمبركي، وكلمات علي أمين كالفرق بين الشخصيتين:
فاق غامر هناك، وصراحة متدفقة هنا، تزوير وكذب ومهاترات هناك، وعزيمة وإيمان وإصرار هنا.
وأقول للقط: والله لو استعنت بألف "زمبلك" فلن تتغير طبيعتك، ولن تزيد على حجمك المعروف. وتذكر يا قط قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)﴾ (آل عمران).
-------------