![]() |
|
د. جمال نصار |
وروى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن البرَّاء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلَّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلَّى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن يتحوَّل قِبَل البيت رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (البقرة: من الآية 143).
وأول التحويل عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أم بشر بن معرور بعد موت بشر، فلمَّا حان وقت صلاة الظهر صلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر بتحويل القبلة، فتحول في ركوع الركعة الثالثة، وسمي هذا المسجد مسجد القبلتين؛ لأن التحويل نزل فيه أولاً، وكان في بني سلمة، وهي أول صلاة صلاها، وهو الأثبت كما قال الواقدي، وكانت هذه الصلاة هي الظهر على ما رواه النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى، وكذا عند الطبراني والبزار من حديث أنس، فهذا الحديث يدل على أن مكان التحويل هو مسجد بني سلمة "مسجد القبلتين".
وهذا الحدث من الحوادث المهمة في تاريخ الإسلام والمسلمين لما له من أثر بالغ في تشكيل وصياغة خير أمة أخرجت للناس، وتربيتها على ما يلزمها من معانٍ؛ لتقوم بأداء دورها- أستاذية العالم والشهادة على الأمم- خير قيام دون إفراط أو تفريط.
والقبلة لها مكانة عظيمة في الإسلام، فهي من نعم الله التي يحسدنا على الهداية لها غيرنا، فقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن السيدة عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اليهود لا يَحْسُدُونَنا على شيء كما يَحْسُدُونَنا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها وضلُّوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله إليها وضلُّوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين".
وهناك بعض المعاني والوقفات التي يجب علينا أن نستشعرها في هذا الحدث العظيم:
1- أن الأمة التي شاء الله تعالى لها أن تكون الأمة الوارثة المستخلفة في الأرض التي تحمل الأمانة وتشهد على العالَمين: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143)، هذه الأمة أراد لها الله تعالى أن تنفرد بحسٍّ إسلاميٍّ ربانيٍّ مميزٍ، فاتجاه المسلمين إلى بيت الله الأول هو تميزٌ للمسلمين، وهو وراثة الفضل من الله تعالى، فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعوا له بالأمن والرزق والبركة والحفظ لهو السياق الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده عليه السلام مع ربه سبحانه، وهو المنهج الذي يميز أمة الشهادة، فيربطها بأصولها وتاريخها وعقيدتها ومنهجها، ويمنحها القيادة التي خُلقت لها وأُخرجت للناس من أجلها، فلها تميزٌّ في الجذور والأصول، وفي الأهداف والغايات، وفي الراية والوجهة.
2- أن الأمة الرائدة تحتاج إلى التجرد التام لله عز وجل، تجرد من الأهواء والشهوات، ومطالب النفس وحب الدنيا، ومن كل فكرة تخالف فكرة الإسلام، فالمتجرد لله يدور مع أمر الله حيث دار، وليس له رأي مع حكم الله، ولا قدسية عنده لمكان أو شخص أو جهة ما لم يقدسه الله عز وجل، ولهذا كانت مراحل تحويل القبلة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام؛ ليخلص الصحابة من رواسب الجاهلية، ومن تعظيم البيت على أنه أثر أبيهم إسماعيل، ورمز لمجدهم القومي، وفخرهم القبلي؛ لتخلص القلوب لله، ولتتجرد لفكرة واحدة هي الإسلام وحده لا شريك له في النفوس والقلوب، وليكون التقديس منبعه من الله لا من الموروث.
3- كانت حادثة تغيير القبلة اختبارًا لمدى قدرة الأمة المسلمة على "التسليم" لكل ما يجيء به دينها، ولمدى إمكانية أن تغيِّر ما في نفسها كي تؤمن وتطيع وتلتزم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ (البقرة: من الآية 143).
هذه الطاعة، وذلك التسليم، الذي أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).
وقد نجحت الأمة المسلمة في هذا الاختبار، وفي قدرتها على التسليم وعلى تغيير النفس حين استسلم الصحابة لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فما جادلوا، ولا تلجلج الإيمان في قلوبهم، بل إنهم من كمال استسلامهم أن تحولوا إلى القبلة وهم يصلون، ولم ينتظروا الصلاة التالية.
4- تحتاج الأمة الرائدة إلى التدريب على الابتلاء ومواجهته بصبر جميل، فالأمة التي تحمل رسالة عظيمة كالإسلام، ومهمة ثقيلة كالتبليغ، معرضة للابتلاء لا محالة، وقد ابتلي المؤمنون في هذا الحادث أشد البلاء، فقد شنَّ اليهود والمنافقون والمشركون عليهم حملةً إعلاميةً بشعةً، استخدموا فيها كل أساليب الخداع والتمويه وقلب الحقائق؛ لتشويه معالم الإسلام في نفوس الصحابة، والتشكيك في المنهج والقيادة على السواء.
هكذا تعاملت الأمة المسلمة مع حادثة تحويل القبلة، وتعامُلنا اليوم مع هذه الحادثة يجب أن يكون بمنطق "التحويل" الذي حدث بسببه تحويل القبلة: أن ينفرد الإسلامُ في حِسِّنا، وأن لا ينازعه في ذلك أحد أو جهةٌ أو كيان، وأن نخلع عن أنفسنا كل ما يعوق التزامنا بتعاليم ديننا، وألاّ تمنعنا أية وشائج من أن نكون كما أراد الله تعالى، وأن نملك اليقين والطاعة والتسليم أمام كل ما يأمرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن نغلِّب ذلك كله على جنسنا وأرضنا وأهلنا ونسبنا والناس أجمعين.
وعندما نفعل ذلك نعود لأمة التميز والخصوصية، والريادة والقيادة، والشهادة على العالَمين.
لقد كانت لحادثة تحويل القبلة آثارٌ كبيرةٌ في حياة الأمة المسلمة في داخلها، وفي علاقاتها مع الآخرين، وهكذا يجب أن يكون لهذه الحادثة اليوم آثارها في نفوسنا وفي علاقاتنا بالآخرين: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ (البقرة: من الآية 143).
إنها لم تكن حادثة تحويل قبلة قدر ما كانت حادثة تحويل النفس البشرية من التيه والضلال إلى الهداية والرشاد.
وفي هذه الأيام تشهد القبلة الأولى للمسلمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتداءات صارخة من الصهاينة المجرمين، ومحاولة تهويد القدس الشريف، ويستخدمون كل الوسائل الدنيئة لإبعاد الفلسطينيين عن أرضهم ومقدساتهم، وللأسف نجد أن الكثير من بني جلدتنا وحكامنا لا يبالون ولا يتحركون لإنقاذ مقدساتنا، بل في بعض الأحيان يكونون عونًا للصهاينة على إخواننا في فلسطين الأبية، بتشديد الحصار ومنع المعونات من أن تصل إليه، والسير في طريق السراب والاستسلام دون رؤية مستقبلية أو دراسة للواقع الأليم.
متى نتحرك لإنقاذ أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
أسأل الله الذي بيده كل شيء أن يعيننا على تحرير المسجد الأقصى الأسير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كلام مفيد:
مَن يعِش في خوف دائم من الخلق فلن يكون حرًّا أبد الدهر.
---------
