ذكر هيكل في أحد كتبه أن هنري كيسنجر بعد أن انتهى من حل مشكلة فيتنام، سلَّمته الإدارة الأمريكية ملف الشرق الأوسط.
ونظرًا لأنه كان حديث العهد بهذا الموضوع؛ فقد كلَّف عددًا من مساعديه بإعداد دراسات مركزة عن هذه المنطقة.
فأعدوها له، وقام بالاطلاع عليها، واختار منها واحدة بعينها أعدها شاب حديث التخرج، وطلب تلخيصها، ففعلوا، ولكنه عاد فطلب ملخصًا أكثر تركيزًا فلخصوها له في ورقتين.
أخذها وقرأها بعناية ثم وضعها في جيبه، وذهب إلى الشرق الأوسط.
وهناك استطاع أن يقلب الأوضاع رأسًا على عقب، ويغيِّرها من النقيض إلى النقيض.
ماذا يا تُرى كان محتوى هذه الورقة الفذة التي استعان بها كبير الثعالب الأمريكان ليحدث هذا الانقلاب الكبير؟!
*****
لخَصَت الورقة بقدر من الإخراج والتصرف الوضعَ في الشرق الأوسط في كلمتين هما:
"الشيخ والخيمة".
الشيخ: هو الرئيس أو الملك.
والخيمة: هي كل ما عداه.
والشيخ هناك هو كل شيء، ولا شيء سواه.
فمؤسسات الدول الحديثة من وزراء وسلطة تنفيذية، وبرلمان وسلطة تشريعية، وقضاة وسلطة قضائية، وأحزاب ورأي عام.. إلخ، ليس لها دور في بلاد العرب.
وبالتالي لا يجب أن ننشغل بها كثيرًا، ونضيِّع الوقت معها، فوجودها داخل الخيمة هو وجود شكلي لزوم المظهر العام.
ولكن علينا التركيز فقط على الشيخ؛ فكل السلطة في يده وحده.
فإن نجحنا في كسبه واستقطابه، ستسير الخيمة كلها في ركابه بدون مناقشة، ولا تعقيب وستلتزم بما اختاره وارتآه.
وستذيَّل من أجل ذلك كل الصعاب، وتفتح كل الأبواب، ولن يجرؤ كائن من كان أن يقول لا بعد أن قال الشيخ قولته.
وبذلك نستطيع أن نحقِّق المعجزات.
*****
وبالفعل حضر كيسنجر إلى المنطقة وفعلها.
وما زالوا يفعلونها كل يوم.
-------------