- قرارات إزالة للمنازل.. والسكان يرفضون خوفًا من التشريد

- المعلومات تؤكد: كثير من البيوت آيلة للسقوط والحي يعلم

- رئيس الحي: محاسبة مالك العقار ضرورة ولا علاقة لنا بالقضية

- الأجهزة التنفيذية بالمنطقة تواطأت مع المالك رغم مخالفة البناء

- أحد الضحايا كان يحتفل بتفوقه في الثانوية ويستعد لكلية الإعلام

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

تسيطر حالة من السخط والغضب على أهالي شارع الدرب الأحمر منذ فجر أمس؛ إثر انهيار المنزل رقم (1) "بحارة عطفة المعاونة" بشارع عبد الله الجويني، بجوار مسجد "أصلان" بالدرب الأحمر بوسط القاهرة؛ حيث لقي 7 أشخاص مصرعهم، وأصيب 8 آخرون، وهم ألآن في حالة خطيرة، واستطاع 3 أشخاص آخرون أن يفروا هاربين.

 

وتمَّ نقل 3 من جثث الضحايا إلى مشرحة مستشفى ماهر أحمد التعليمي، والـ5 الآخرين إلى مستشفى المنيرة، والناجي الوحيد في العناية المركزة بمستشفى أحمد ماهر، وتمَّ إخطار النيابة العامة؛ لمباشرة التحقيقات وإلقاء القبض على نجل مالك العقار مساء أمس بعدما ثبت تورطه في الكارثة، بينما ما زال مالك العقار هاربًا.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية في المنطقة للوقوف على حقيقة الأمر:

كانت البداية مع رئيس الحي اللواء صلاح عبد المعز الذي جاء لتفقد الأوضاع في تمام الساعة 11.30 صباح أمس، ورحل بعدها بـ10 دقائق في تمام الساعة 11.40؛ حيث ألقى نظرة خاطفة على الأوضاع، ثم عاد مسرعًا، هروبًا من وسائل الإعلام وهجوم الأهالي العنيف ضده.. وردًّا على سؤال لـ(إخوان أون لاين) قبل انصرافه حول ما يتردد على لسان أهالي المنطقة من وجود تواطؤ بين مسئولي الحي ومالك العقار، قال: "مالك العقار سيحاسب بعد القبض عليه، والحي ليس له دخل في ذلك فقد أصدر له قرار إزالة منذ 17/5/1997م، وتم تأييده بحكم محكمة بإخلاء 8 أُسر كانوا يسكنون فيه"، ورفض رئيس الحي الإجابة على سؤال حول حجم التعويضات، وخطة الحي لتلافي مثل تلك الانهيارات.

 

غرقى في دمائهم

الأهالي وشهود العيان قالوا إن جميع من كانوا في العقار هم عمال في فرن "عصفور" الآلي بشارع عبد الله درغام بمنطقة الدرب الأحمر، وأغلبهم كانوا من محافظة الفيوم، والكثير منهم طلبة يأتون في الصيف فقط للاسترزاق من العمل في ذلك الفرن.

 

يقول فاروق "قهوجي شاهد عيان على الحادث": إن عمال الفرن أنهوا عملهم، وذهبوا للنوم في ذلك المبنى المكون من دور واحد فقط، والذي يحتوي على عددٍ من الغرف بداخله، وفي تمام الساعة 3.30 فجرًا سمعوا صوت ارتطام شديد، فخرجوا فزعين من منازلهم، ففوجئوا بمنظر مرعب؛ حيث إن إحدى حوائط المنزل انهارت بالإضافة إلى سقف المنزل على الأهالي وهم نائمون، ووجدوهم غارقين في دمائهم".

 

ويضيف محمد فرج "أحد زملاء العمال المتوفين بالفرن" والحزن يخيم عليه وعيناه تمتلئا بالدموع، قائلاً: "المشهد كان مفزعًا للغاية حيث وجدنا أصدقاءنا الذين كنا معهم قبل ساعات قليلة يحكون لنا عن همومهم وأحلامهم الكثيرة في الزواج والاستقرار، ثم فجأةً نجد أحلامهم تحطَّمت وتلاشت، ونجدهم غرقى في دمائهم وأعضاؤهم مقطعة، ومنهم مَن كان عظم ظهره بارزًا من تحت الأنقاض دون وجود لباقي أجزاء جسده".

 

فرق "جيبسي"

وكعادة فرق الإنقاذ لم تأت إلا بعد انتهاء كل شيء، يقول فتحي رزق "أحد قاطني المنطقة" إن فرق الإنقاذ لم تأتِ إلا في الـ7 صباحًا، على الرغم من تبليغهم بالكارثة منذ الساعة 4 فجرًا، وكان كل شيء قد انتهى؛ حيث كان الأهالي قد استخرجوا كافة الجثث من تحت الأنقاض، وقاموا بعمل الإسعافات الأولية لمن خرج منهم حيًّا".

 

ويضيف سيد عبد الله: "فرق الإنقاذ التي جاءت إلينا أقل ما يقال عليها إنها فرق "جيبسي"- أي عابرة أو رحالة-؛ حيث لم يقوموا بعمل أي شيء، وعددهم لم يتجاوز الـ5 أفراد، ولم يكن معهم سوى فأس واحدة ومعول، ووجدوا بالطبع أن كل شيء قد انتهى، فجلسوا على الأرض يتسامرون إلى أن يأتي المسئولون".

 

ويقول عوض فتح الله "حياة البني آدم هي آخر حاجه بتفكر فيها الحكومة"، موضحًا أن العقار أصدر له قرار إزالة منذ سنوات؛ إلا أن مالك العقار رشى مهندسي الحي ومسئوليه، وقام بإعطائهم أموالاً طائلةً حتى يضمنوا له مرور الطوب والإسمنت اللازم؛ لأن يجهِّز الغرفة لتأجيرها لهؤلاء العمال الذين يصل عددهم في بعض الأحيان إلى 40 فردًا في الغرفة الواحدة".

 

مقابر لا مساكن

ويقول الشيخ صبري "كبير حارة المعاونة": إن الغرفة الواحدة في ذلك المنزل كانت تؤجَّر بـ300 جنيه في الشهر، وكان عمال الفرن المتوفون يقبضون نصف ذلك المرتب؛ مما يؤكد جشع مالك العقار على الرغم من عدم قانونية مسكنه، والذي فرَّ هاربًا منذ علمه بما حدث.

 

ويضيف أن المشروع الحكومي لتنمية مجتمع الدرب الأحمر هو سبب دمار الدرب الأحمر؛ حيث لا توجد أية خطط لذلك المشروع تُنفذ سوى إجراءات هدم وإزالة وقطع ماء وكهرباء عن الأهالي، بالإضافة إلى الماكينات الضخمة التي يتم استخدامها في ذلك المشروع التي تهزُّ جدران كافة المنازل، ما جعلها تتصدع واحدة تلو الأخرى، وأصبح جميعها معرَّضًا للهدم في أية لحظة".

 

وتقول أم تهاني "إحدى قاطني المنطقة": "عندما أخبرت الحي في صباح يوم الكارثة بسقوط المنزل مستغيثة بما حدث، قال لي مسئول في الحي: تعالي اعملي شكوى في الحي واكتبيها في ورقة علشان نقدر نتحرك"!!، وتساءلت هل سينتظر من زال حيًّا تحت الأنقاض حتى نتقدم بشكوى للحي؟ وهل سينتظر الميت إلى أن يتحرك مسئولو الحي؟ وهل ستنتظر البيوت المجاورة المهددة بالإزالة شكوانا المكتوبة في الحي؟!

 

 الصورة غير متاحة

عم محمد مريض بالقلب ويعلن عدم خروجه من منزله إلا وهو جثه هامدة

وتضيف: "حتى عندما جاءت قوات الإنقاذ من الحي لم يكونوا مهتمين بأي شيء سوى إثبات حضورهم لدى المسئولين، فلم يقوموا بأية خدمة تُذكر، وقد شاهدنا من كان ذراعه ظاهرًا تحت الأنقاض، ولا نرى باقي جسده، وكنا نسمع فقط أنينه حتى وصل له رجال من أهلنا بعد فترة طويلة؛ لأن أدواتهم بدائية، وعندما وصلوا إليه كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة".

 

وتقول أم تهاني: إن أشدَّ ما آلمها أنها كانت تسمع استغاثات الأطفال تحت الأنقاض، ولا يستطيع أحد الوصول إليهم أو فعل شيء لهم؛ لأن الأهالي لم تكن لديهم الأدوات التي يستطيعون بها إنقاذ هؤلاء الأطفال، وسط تأخُّر قدوم فرق الإنقاذ.

 

حلم الضحايا

إحدى أقارب الضحية عمار رشاد (20 سنة) قالت وهي في حالة انهيار تام: إنه كان سعيدًا بالنتيجة التي حصل عليها في الثانوية العامة، وهي 94%، وكان ينوي دخول كلية الإعلام، وجاء للعمل بذلك الفرن حتى يوفر مصاريف استكمال تعليمه.

 

أمَّا خالة "الضحية عبد الرحمن سعد" والتي كانت في حالة انهيار تام، فظلت تصرخ وتقول: "نطالب بتعويض لذوينا الذين فقدناهم، والذين كانوا مصدر رزقنا الوحيد الذي نصرف منه، وحسبنا الله ونعم الوكيل في الحكومة، وفي كل مسئول لا يهتم بأي شيء سوى إشباع بطنه وتوفير راحته".

 

وتقول سوسن عبد الفتاح المقيمة بالعقار رقم "36" من نفس شارع العقار المنهار: إنهم يستغيثون بالحي منذ 8 أيام عندما انهار منزلهم أيضًا، إلا أن مسئولي الحي كتَّموا على الموضوع، قائلين لهم: إنهم سيُسكَّنونهم في مساكن بديلة على الفور، ولكن بشرط عدم إحداث أية شوشرة، وبشرط عدم تحدث أحد من الأهالي لوسائل الإعلام، وتضيف قائلةً: "التزمنا بالشرط وهذا هو حالنا من يومها ونحن في الشارع".

 

الموت تحت الأنقاض

 الصورة غير متاحة

سيدات أصبح الشارع ملاذًا لهن بعد انهيار مسكنهن

الأمر نفسه يتخوَّف منه أصحاب العقار رقم "4" الملاصق للعقار المنهار، والذي أصدر رئيس الحي منذ ساعات أثناء جولته العابرة قرارًا بإزالته وسرعة إخلائه!!، وقابل أهالي ذلك العقار قرار الإزالة بالرفض والاستنكار الشديدين، معلنين بقاءهم بمنزلهم حتى لو كتبت عليهم الوفاة بداخله، والذي اعتبروه أهون من المبيت بالشارع".

 

وتصرخ أم فايزة "إحدى سكان العقار قائلةً: "حسبي الله ونعم الوكيل، الحكومة عايزة مننا إيه"، موضحةً أن عدد الأسر في ذلك العقار تتجاوز الـ8 أسر، أي ما يعادل 48 فردًا سيتم تشريدهم بالشارع، مستبعدةً تمامًا أن تصدق الحكومة في وعودها بصرف الجوابات.

 

وقالت: "ولو صرفت الجوابات هتسيبنا في الشارع سنين ومش هنشوف بعد الجوابات أية شقق بديلة زي غيرها كتير من وعود الحكومة".

 

ويقول محمد حسن إسماعيل "أحد سكان العقار رقم "4": "مش طالعين من بيوتنا نبات في الشارع ومعانا أطفال وحريم نموت في بيتنا أكرم لنا"، مضيفًا أن الجوابات التي وعد رئيس الحي بها أنه سيتم تسلُّمها اليوم لن تضيف جديدًا، فالكثير من العقارات انهارت، وتسلَّم أهلها جوابات ومنذ أعوام وهم الآن بالشارع، مؤكدًا أن وعود الحكومة مجرد مسكنات لإخلاء مسئوليتها أمام الجميع".

 

وتستغيث فتحية حسنين "إحدى سكان العقار رقم "4" قائلةً: "أبويا مسن ومريض بالقلب والسكر ولا يتحرك من فراشه كيف يطلبوا منَّا إخلاء المنزل والجلوس في الشارع؟ هل يريدون، موتنا؟ أم تعذيبنا؟ أم ماذا يريدون منَّا بالظبط؟"، فكيف سيجلس في الشارع وهو لا بد أن يكون في راحة تامة ويحتاج دخول الحمام كل 10 دقائق"!!.

 

تنفيذ القرار

وأثناء جولتنا بالمنطقة وبعد رحيل رئيس الحي بثوانٍ جاء عمال من الحي لتنفيذ قرار الإزالة للعقار رقم 4 وقاموا بقطع ماسورة المياه وفصل الكهرباء عن العقار حتى يقوموا بإجبارهم على إخلاء المنزل على الفور.

 

ويعترف أحد مسئولي المرافق بالحي الذي فضَّل عدم ذكر اسمه "أن ما يقوم به الحي من فصل كافة المرافق عن هؤلاء السكان ما هو إلا إخلاء لمسئولية الحي بالكامل إذا ما انهار العقار، أو حدثت أية كارثة أخرى، موضحًا أن فصل الكهرباء والمياه من المفترض ألا يتم إلا بعد إعطاء الأهالي فرصةً؛ لتجهيز أنفسهم وأخذ احتياطاتهم، وليس بعد إصدار القرار بدقائق، فضلاً عن ضرورة توفير بدائل لهم من مساكن ومال لازم قبل أي قرار إزالة".

 

ويقول محمد السيسي "أحد مهندسي الحي بوسط القاهرة": إن هناك العديد من العقارات بالدرب الأحمر من الممكن سقوطها في أية لحظة، وقد تمَّ إبلاغ الحي بذلك".

 

ويضيف: "العقار المنهار أُصدر له قرار إزالة منذ عام 1997م، ومسئولية ما حدث تقع على المالك الذي قام بتأجير ذلك المكان على الرغم من علمه بخطورته واحتمالية انهياره في أية لحظة، مشيرًا إلى أن إجراء المالك بتأجير المنزل غير قانوني وغير شرعي ولا بد من ردعه.

 

وردًّا على اتهام الأهالي لهم بأن مهندسي الحي متواطئون مع مالك العقار؛ لأنهم سمحوا له بدخول الإسمنت والطوب وغيرها من الأدوات اللازمة للبناء، والتي مرَّت تحت مرأى ومسمع مهندسي الحي، أجاب قائلاً: "لا تعليق عندي في تلك الجزئية منعًا لأي حرج".