تواجه الأمة الإسلامية تحدي الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، أي تواجه استعمارًا داخليًّا من قبل الطبقات الحاكمة، واستعمارًا خارجيًّا من قِبل القوى الغربية المهيمنة، وتتعدد أشكال الاستعمار الداخلي، ولكن كلها تحول بين المجتمعات وبين اختيار النظام السياسي المعبر عنها، كما تتعدد أشكال الاستعمار الخارجي، ما بين استعمار عسكري وآخر سياسي وثالث استعمار عسكري استيطاني؛ ولكن كلها تفرض هيمنة القوى الغربية على المنطقة.
وبين القوى الغربية والطبقات الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية علاقة تحالف واضح، تجعل الاستعمار السياسي المحلي في خدمة الاستعمار الغربي الخارجي؛ لذا فمصير الطبقات الحاكمة مرتبط بمصير السياسة الغربية في المنطقة العربية والإسلامية، وهذا الترابط في المصير، يجعل كلاًّ منهما يدافع عن الآخر، ويجعل كلاًّ منهما عائقًا أمام حركة الإصلاح، خاصة حركة الإصلاح الحضاري الشامل، والتي تمثلها الحركات الإسلامية.
ويمثل هذا الجانب أكبر العوائق والتحديات التي تواجه الحركات الوطنية عامة، والحركات الإسلامية خاصة، فكلما استطاعت الحركة السياسية المعارضة تحقيق قدر من الضغط على الطبقة الحاكمة، تدخلت السياسة الغربية لحماية حلفائها في المنطقة، وبنفس المعنى، سنجد أن كل انتصار يتحقق للمقاومة على الاحتلال العسكري، سواء في أفغانستان أو العراق، وخاصةً في فلسطين المحتلة؛ يؤدي إلى زعزعة سلطة الطبقة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية.
نتج عن ذلك ترابط معركة الداخل والخارج، فكل منهما يؤثر على الآخر بصورة كبيرة، وكل انتصار في ميدان، يؤثر في الميدان الآخر؛ ولكن هذا الترابط يخلق موقفًا معقدًا أمام قوى التغيير والإصلاح، لأنها لا تستطيع تحقيق التغيير والإصلاح الداخلي، دون أن تجد نفسها في مواجهة مع القوى الغربية، ولا تستطيع قوى المقاومة في المقابل تحقيق انتصارات في مواجهة قوات الاحتلال الأجنبي، دون أن تجد نفسها في مواجهة أغلب الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية.
وتمثل حركة حماس النموذج الأوضح لتلك الحالة الراهنة، ففوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية أهَّلها لتسلم مقاعد الحكومة الفلسطينية، ولكن هذا الحادث كان له تداعيات كبيرة على القوى الغربية وحلفائها في المنطقة؛ ما جعل الكل يتحالف ويتواطأ ضد حركة حماس، وهو ما انتهى بحصار قطاع غزة.
وعندما صمدت حركة حماس في وجه العدوان الصهيوني في حربه على قطاع غزة، أصبحت تمثل انتصارًا سياسيًّا انتخابيًّا، وانتصارًا جهاديًّا في ساحة المقاومة؛ لذا أصبحت مستهدفةً من كل القوى الحاكمة للمنطقة، أي القوى الغربية وحلفائها.
أين البداية؟
يخلق هذا الموقف حالة حيرة لدى المناضلين والمجاهدين من أجل الحرية والتحرر، فالقوى المعادية للإصلاح والتغيير، تتكالب عليهم؛ ما يفتح أمام حركات الإصلاح العديد من المعارك، ويصعب على أية قوى شعبية أن تخوض كل المعارك في وقتٍ واحد، وهنا يبرز سؤال حول أولوية تلك المعارك؛ هل معارك الداخل لها أولوية على معارك الخارج أم العكس؟
وبالطبع ليس من السهل تصور حدوث تغيير في الوضع الإقليمي والمحلي جملة واحدة، ولكن المفاضلة بين معركة الداخل ومعركة الخارج، ليست ممكنة أيضًا، فليس من الممكن تحقيق تقدم في معركة الداخل، أي معركة الاستقلال والنهوض، مع استمرار الهيمنة الشاملة للغرب على المنطقة، وتدخله في كل الأوضاع السياسية المحلية، كما يصعب تحقيق انتصار معتبر على القوى المحتلة، مع بقاء الأنظمة المحلية المتحالفة معها، وهنا يصبح التفضيل بين معركة الداخل ومعركة الخارج في غير محله، فقد أثبتت وقائع المواجهة، أن كل تحرك فاعل في مواجهة العدوان الخارجي، يسمح بمساحة أفضل للحركة أمام الاستبداد الداخلي، والعكس أيضًا صحيح؛ فمعركة الإصلاح في مواجهة الاستبداد المحلي، أي الاستعمار المحلي، لن تحقق النتيجة النهائية لها، في ظل الهيمنة الغربية الخارجية، والتي تحمي أنظمة الحكم المتحالفة معها.
بنفس هذا المعنى، سنجد أن مواجهة العدوان الصهيوني في فلسطين وحسم المعركة وإنهاء الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، ليس ممكنًا في ظل ما تتعرَّض له حركات المقاومة والإصلاح من حصار من غالب أنظمة الحكم في المنطقة؛ لذا لا يمكن ترتيب معارك الداخل والخارج، بحيث تسبق معركة المعركة الأخرى.
التحالف المزدوج
العقبة الأهم في معركة الأمة تكمن في التحالف الحادث بين غالب أنظمة الحكم وبين القوى الغربية، وهذا التحالف يجعل كل ما يتعرض له طرف من ضغوط يؤثر على الآخر، وهذا التحالف يمثل مركز القوة للأنظمة الحاكمة والقوى الغربية المساندة لها، كما يمثل في الوقت نفسه نقطة الضعف الرئيسة؛ لأن التحالف العميق بين طبقات حاكمة تميزت بالاستبداد وانتشر فيها الفساد، والدول الغربية المهيمنة على المنطقة، خاصةً الولايات المتحدة الأمريكية؛ جعل مصير كل طرف يتأثر بحالة الطرف الآخر، فكلما زاد الغضب ضد الطبقة الحاكمة في أي بلد عربي أو إسلامي؛ تأثرت الدول الغربية بتلك الحالة، وأصبحت حالة الغضب موجهة إلى الدول المساندة لطبقة الحكم، كما توجه لطبقة الحكم نفسها.
وبنفس المعنى، سنجد أن كل انتصار تحققه المقاومة في وجه الاستعمار العسكري، يضعف من مواقف الأنظمة المتحالفة مع الدول الغربية؛ ولعل ما حدث في حرب الاحتلال الصهيوني على لبنان، وحربه على قطاع غزة، خير شاهد على تلك الحالة؛ فقد مثل صمود المقاومة عامل ضغط على كل أطراف الحلف المزدوج، وبنفس القدر تقريبًا، فلم يكن صمود المقاومة وانتصارها الإستراتيجي يمثِّل عامل ضغط على دولة الاحتلال الصهيوني، ولكن كان يمثِّل عامل ضغط على الأنظمة المتحالفة مع القوى الغربية، والمتحالفة مع دولة الاحتلال الصهيوني بنفس القدر، وهنا برز متغير مهم، فقد ارتبط مصير أطراف التحالف، بصورة جعلت التأثير على طرف سلبًا، يؤدي إلى تأثير سلبي على بقية الأطراف، وبنفس الدرجة، وليس بدرجة أقل؛ فما أصاب جيش الاحتلال الصهيوني من هزيمة معنوية ونفسية، لم يقل عن ما أصاب الأنظمة الحاكمة في غالب الدول العربية والإسلامية من هزيمة معنوية ونفسية، ولم يقل أيضًا عن حجم المأزق السياسي والمعنوي الذي وقعت فيه الدول الغربية الحامية لأنظمة الحكم المتحالفة معها، والحامية لجيش الاحتلال الصهيوني.
الانتصار مزدوج أيضًا
رغم أن توسع الحلف المعادي لنهضة الأمة ووحدتها، والمعادي لحركة الإصلاح الحضاري الشامل، المتمثلة في الحركات الإسلامية؛ يمثل عائقًا تاريخيًّا أمام حركة الأمة وقدرتها على تحقيق التحرر والاستقلال الحضاري الشامل، لكن هذا التحالف أيضًا ربط عناصر المواجهة وبلور ساحة المعركة، وربط بين النتائج التي يحققها كل طرف، فكما أدَّى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى إضعاف وتفكيك الأمة، فإن كل انتصار على قوى الاحتلال الخارجي، والاستبداد الداخلي، يؤدي أيضًا إلى إضعاف كل أطراف التحالف، وهذا هو المأزق الذي تواجهه قوى الهيمنة؛ فالترابط بين أطراف الحلف الأمريكي الصهيوني، جعل كل ضغط يواجهه طرف يؤثر على الأطراف الأخرى؛ مما جعل لكل فعل جهادي سياسيًّا كان أم عسكريًّا، أثرًا بالغًا على أطراف الحلف؛ مما ضاعف من أثر كل انتصار تحقِّقه قوى التحرر الحضاري الشامل.
فانتصار تيار أو حركة في الانتخابات، يمثل تحديًا مضادًّا لحلف الهيمنة الغربي؛ مما يجعل هذا الانتصار يحقق تأثيرًا أكبر من حجمه، لهذا ترابطت عدة أحداث في مستهل القرن الحادي والعشرين، جعلت لقوى المقاومة الإسلامية دورًا بارزًا، جعلها إحدى القوى الإقليمية المشكلة لحالة الإقليم العربي والإسلامي، وجعلت من الحركة الإسلامية لاعبًا رئيسيًّا في السياسة الداخلية، إن لم يكن اللاعب الرئيسي، وبهذا أصبحت حركة قوى المقاومة والإصلاح تتحرك تحت حصار شامل، ولكن مجمل تأثير حركتها يؤدي إلى نتائج مهمة لها تأثير على الطرف المقابل.
تناقضات حلف الاستعمار
بسبب استمرار الضغوط التي تمثلها الحركة الإسلامية، تظهر تدريجيًّا التناقضات بين مصالح أطراف الحلف الأمريكي الصهيوني، فالطبقة الحاكمة تريد البقاء في السلطة بأي ثمن، والاحتلال الصهيوني يريد تأمين بقائه إلى الأبد، بشروط مستحيلة، والدول الغربية الفاعلة في المنطقة تريد تأمين مصالحها، ومن ضمنها تأمين بقاء دولة الاحتلال الصهيوني كوكيل لها في المنطقة، كما تريد أنظمة حكم تتحالف معها، وتتبنى قيمها السياسية والاجتماعية، وكل تلك الأهداف يصعب تحقيقها مجتمعة، وكل طرف يحاول تحقيق مصالحه أولاً، ويحاول ضمان استمرار تلك المصالح، وتلك هي الأزمة التي تواجه السياسة الغربية في المنطقة، فهي غير قادرة على تأمين مصالحها في المستقبل، كما أنها غير قادرة على تأمين بقاء الكيان الصهيوني في المستقبل، وترى أن الطبقة الحاكمة المتحالفة معها لا يهمها إلا بقاءها في السلطة واستمرارها في السيطرة على السلطة والثروة، كما أن دولة الاحتلال الصهيوني تريد التوصل إلى حل نهائي، أقل ما يُقال عنه إنه ينتزع كل الحقوق من الشعب الفلسطيني، ويحرمه من حقه في الحياة كاملاً.
وهنا يظهر مدى التعارض بين أطراف التحالف، وكلٌّ يبحث عن مصلحته، ولكن أطراف التحالف الأمريكي الصهيوني يعلمون أن تحالفهم بات أمرًا لا مفر منه.
هذا الموقف يحد من قدرة كل طرفٍ على تحسين وضعه، فالأنظمة الحاكمة غير قادرة على تحسين وضعها أمام الشعوب، أي إنها لن تستطيع تحويل نفسها إلى قوى لها مساندة شعبية، كما أن الدول الغربية لا تستطيع التبرؤ مما يحدث سواء من جهة أنظمة الحكم أو من جهة الاحتلال الصهيوني. أما دولة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تستطيع الهرب من وضعها القانوني كدولة احتلال عنصري استيطاني.
هذا هو أول إنجاز لحركة الإصلاح والمقاومة، فقد عرقلت تحقيق أطراف الحلف الأمريكي الصهيوني لأهدافهم النهائية، وأصبح من المستحيل على الولايات المتحدة الأمريكية تحقيق الشرق الأوسط الجديد الذي عملت من أجل تشكيله، ولم يعد من الممكن أن يتم تصنيع الدول والمجتمعات سواء بالضغط السياسي أو بالتدخل العسكري، ولم يعد في مقدور دولة الاحتلال الصهيوني تسويق السلام المزيف وتمريره على الشعوب العربية والإسلامية؛ لذا لم يعد أمامها أي فرصة للخروج من وضعها الحالي كدولة احتلال عنصري استيطاني.
أما الطبقة الحاكمة في غالب الدول العربية والإسلامية، فقد أدركت أنها تواجه رفضًا شعبيًّا جارفًا، وأن بقاءها أصبح رهنًا بقدرتها على السيطرة الأمنية، وأنها لن تستطيع حماية بقائها إلا بقوة سلاح الدولة.
فحركة الإصلاح والمقاومة لم تستطع بعد رد العدوان، بقدر ما استطاعت عرقلة وصول العدوان إلى أية نتائج نهائية يمكن أن تحقِّق له الاستمرار والبقاء، وجعلت مشروع الاستعمار الداخلي والخارجي في حالة معركة مستمرة وحرب مفتوحة مع كل شعوب الأمة الإسلامية.
المزاوجة بين الإصلاح والمقاومة
أظهرت التجربة أن التزاوج بين معركة الإصلاح وبين معركة المقاومة، هو الذي يحقِّق نتائج مهمة على أرض الواقع؛ لذا أصبح الانتقال بين معارك المقاومة إلى معارك الإصلاح، ثم العكس، يمثِّل القوة الأساسية لحركة الإصلاح الحضاري الشامل، والتي تمثلها الحركات الإسلامية، فتناوب المعارك بين قضايا الداخل والخارج، وترابط وتزامن تلك المعارك، هو الذي يجعل لها أثرًا أكبر، ويؤدي إلى تحريك الأوضاع على الأرض، وكلما تزاوجت الانتصارات السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية مع الانتصارات الجهادية المقاومة، أدَّى ذلك إلى تأثير مضاعف على قوى التحالف الغربي، مما يعوض الفارق بين الإمكانيات المادية لكل طرف.
كما اتضح من المواجهة بين قوى الاستسلام للهيمنة الغربية وقوى الممانعة والمقاومة، أن قوى الهيمنة الغربية تحقق انتصاراتها على الأرض في اللحظة الراهنة، أما قوى الممانعة فتحقق انتصارات مستقبلية؛ لأن قوى الموالاة للغرب تسيطر اليوم، أما قوى الممانعة فتمنعها من استمرار سيطرتها في المستقبل.