تواجه الأمة مشاكل كثيرة.. ومنعطفات حادة على طريق نهضتها.. وأخذ مكانها اللائق بها.. وبدلاً أن تتوحد جهود المخلصين.. وتتوثق قواهم.. وتلتقي وجهتهم.. لاستنقاذها من براثن التخلف.. الذي شدها إلى الوراء؛ لتكون في ذيل الأمم في كل مجالات الحياة.. وبدلاً أن يعمل الجميع على المضي قدمًا نحو زيادة مساحة الحريات الفردية والعامة.. ومحاربة الفساد والاستبداد والحكم الشمولي.. ومقاومة الطغيان والتعذيب.. والاعتقال العشوائي المتستر بقانون الطوارئ الظالم الباطش.

 

بدلاً من ذلك وغيره كثيرًا.. رأينا الساحة السياسية والثقافية.. تموج بتوجهات وقيم وأفكار تصدر من هنا وهناك وفق أجندة معينة.. ومعايير خاصة.. لا تخدم- بالضرورة- مصلحة هذه الأمة.. ولا تحقق طموحها نحو الرقي والاستقرار، وتحقيق روح الأخوة والمواطنة الحقة بين الأطياف المختلفة، وتحقق التوازن والطمأنينة بين الجميع.

 

وإذا ذهبنا نحصُر هذه الكتابات والمقالات والمداخلات.. التي تحاول النيل من "الدين"، وهو الإسلام بالطبع.. وتحاول إبعاده- قسرًا- عن مجالات الحياة.. وإصلاح حال الأمة باعتبار أن "الإسلام هو الحل".. وتتجه إلى قصره على المساجد ودور العبادة.. وترك "ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وتمجد ذلك الشعار الذي تمَّ رفعه في ظروف معينة في ثورة 1919م.. حيث نُودِي "الدين لله والوطن للجميع"!! مع العلم أن هذه الشعارات لا أساس لها في صحيح الإسلام.

 

أقول.. إذا ذهبنا نحصُر الكتابات التي تحاول النيل من قيم الإسلام.. وأعرافه.. وعمله في واقع حياة الناس.. وصبغهم بصبغته الخاصة، فإننا لا نستطيع ذلك الآن.. وإنما يكفينا في هذه العجالة أن نشير إلى مقالين في جريدة (الأهرام)، ونحلِّل الأفكار التي يطرحها كل مقال، سواء من الجانب الفكري الثقافي أو الانتماء الطائفي الذي ينتمي إليه كل كاتب.

 

المقال الأول:

وكاتب هذا المقال هو الدكتور جابر عصفور بتاريخ 5/ 7/ 2010م تحت عنوان (حوار عائلي عن الحجاب) يكرر فيه الكاتب أفكاره وآراءه الخاصة عن الحجاب.. وعن الحكم الإسلامي وقيم الإسلام وأخلاقه وآدابه التي ينشئها في واقع حياة الناس.. وهو يتبنى في منهجه الشخصي منهج العَلمانية المتطرفة.. التي تسلب من الإسلام أخص خصائصه.. بحيث لا يكون له دور في تغيير حياة الأمة إلى الأحسن والأفضل.

 

يدَّعى الكاتب "أن الإسلام لم يفرض زيًَّا محددًا للمرأة".. وهذا قد يكون صحيحًا- إلى حد ما- إن كان يقصد به لون الزي ونوعه.. والذوق الذي يحكم تصميمه وتفصيله إلخ.. أما إن كان يقصد أن زي المرأة المسلمة يمكن أن يخالف المواصفات العامة الدقيقة التي وضعها الشارع لزي المرأة.. من حيث إنه سابغ يغطي الجسم كله.. لا يشف ولا يكشف ما لا يجب كشفه.. كما لا يظهر المفاتن ويحدد الجسم (كأن يكون ضيقًا) فإذا جرى مراعاة هذه المواصفات.. فإن شكل الزي ولونه ونوعية قماشه وقيمته من حيث هو غالٍ أو رخيص.. ما لا يهتم به الإسلام تفصيلاً.

 

ويكفينا هنا الشكل العام الذي يراعى ويحافظ على المجتمع.. ويشيع فيه العفة والحشمة وعدم فتنة الناس وبالأخص الشباب.

 

وهذا الوقار والحشمة.. الذي يحدثه حجاب المرأة المسلمة.. هو أمر تعبدي وفيه أمان وسلامة المجتمع.. واستقرار للعلاقات الاجتماعية بين فئاته المختلفة، ولا يصح أن يدَّعي الكاتب (أن الأصل في ملبس المرأة هو العفة والحشمة.. وهذا الأصل- كما يقول- لا يختصر ذلك في قطعة قماش صغيرة نسبيًّا هي "الحجاب" أو كبيرة سابغة اسمها "النقاب") ولا نحب للكاتب أن يستهين بهذا الحجاب أو النقاب.. أو ينظر إليهما باستخفاف وازدراء.

 

ويردُّ الكاتب على من يتهمه بعدم التخصص في الأمور الشرعية.. أو أن يخوض فيما لا يعلم أو يهرف بما لا يعرف.. شأن كثير من الكتاب في هذه الأيام الذين يحْلو لهم أن يفتوا في قضايا الإسلام.. والفقه الإسلامي.. والحياة الاجتماعية في الإسلام.. دون علم أو دراسة أو تخصص.. حيث يدَّعي بعضهم أنه (لا كهنوت في الإسلام، ولا سلطة دينية لحكامهم ولا لعلمائهم، ما ظل الأصل هو أن الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه!!) ويذهب إلى أكثر من ذلك (أن لكل مسلم أن يفهم عن كتاب الله وعن رسول الله دون توسيط أحد من خلف أو سلف.. إلخ) وهذا حق قد يراد به باطل.. إذ في الإسلام تخصص وعلم ودراية يلزم لمن يتصدى للقضايا الفقهية والشرعية أن يلم بها ويتعلمها ويفقهها.. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (النحل).

 

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ (النساء).

 

والكاتب كما نعلم عنده علم بالنقد الأدبي، ومتبحر في مجالات الأدب: شعره ونثره.. ولا يجوز لغير المتخصص أن يخوض في هذه القضايا دون علم.. وإذا كان ذلك كذلك.. فكيف يسمح لنفسه أن يخوض فيما ليس له فيه علم أو تخصص؟.. حتى ولو كان عنده معلومات عامة في مجال العلوم الشرعية.. فلنحترم التخصص يا سادة.

 

ولا يحق للكاتب أن يدَّعي أن الحجاب تقليد وافد على مصر، وليس من نبت تربتها.. وأن الناس قبل عام 1967م لم تكن تعرف حجابًا ولا نقابًا في الجامعة أو في الشارع العام، ويقول على لسان زوجته (لقد نشأنا سافرات ولكن ملتزمات بتعاليم الإسلام في بيوت تعمرها التقوى ويتردد فيها صوت المقرئ مع رائحة البخور كل يوم جمعة).. وأنا أُثْني على هذا السلوك.. وأحترم مظاهر التدين، ولكن لا يغني ذلك عن الأخذ بكل فضائل الدين، ومن بينها الحجاب بالطبع.. ثم مَنْ قال إن الأصل في مصر هو التبرج والسفور؟ لا يا سيدي.. فالأصل في مصر هو الحجاب والتستر، وأن ذلك متجذر في عمق التاريخ منذ دخول الإسلام مصر.. وتشرّفها به.. وما كان هذا السفور لينتشر إلا بمباركة السلطة الحاكمة، وتحت رعاية الاحتلال.. وبقيادة سياسية لزعيم الأمة!! عندما عاد من المنفى في عام 1923م، وكان أول عمل يتقدَّم به لأمته.. أن ينزع حجاب "هدى شعراوي" في ميدان عام سُمي بعد ذلك ميدان التحرير.. إيذانًا بتحرير المرأة من حجابها؟!! إذًا فالأصل هو الحجاب.. والسفور هو الاستثناء (والوافد).

 

المقال الثاني:

والكاتبة هي الدكتورة ليلى تكلا تحت عنوان (ماذا يقول المفكر المستنير؟!) المنشور في جريدة (الأهرام) بتاريخ 6/7/2010م، وقد تعودنا أن نقرأ للكاتبة في كل أسبوع في هذه الجريدة المهمة موضوعات تتصل بقضية التعليم.. حيث ترى فيه بوضعه الحالي خطرًا يهدد مصر.. ويؤدي إلى تفكهها، ولا خلاص من ذلك إلا أن يمنَع القائمون على أمر مناهج التربية والتعليم أية إشارة إلى المرجعية الإسلامية، ويشطبوا كل آية من القرآن، أو حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

كما يلغون أغلب المواقف النبيلة.. والقيم الفاضلة والأخلاق الكريمة التي حفل بها تاريخ أسلافنا الكرام من الصحابة والتابعين.. بحيث لا يكون هناك أي أثر للثقافة الإسلامية في عقلية ووجدان النشء من أبناء المسلمين، وهم الأغلبية الساحقة من شعب مصر.. بحجة أن في ذلك ظلمًا لأبناء إخواننا الأقباط.. وفيه تمييز وطائفية، وتكاد هذه الفكرة أن تكون هي المستولية على كتاباتها بمناسبة وغير مناسبة.. ولا أدري هل تعلم أن في ذلك استفزازًا للشعور وإيذاءً للمشاعر؟.. يجب أن تتحرز منه.. ولا تنساق وراء العلمانيين المتطرفين في مهاجمتهم لقيم الإسلام وثوابته.. ولا يجب أن تستغل المساحة الممنوحة لها في الجريدة العريقة؛ لتبث أفكارها هي.. والتي بالضرورة لا تمثل المصلحة العليا لهذا البلد.

 

ولا مانع هنا أن نشير بإيجاز إلى بعض الأفكار التي تنقلها عن الآخرين.. وأغلبهم من العلمانيين والشيوعيين، وخاصة ما يتعلق بتنحية الإسلام عن مركز التوجيه في العملية التربوية.

 

تنقل عن جمال الغيطاني (أن الجماعات المتطرفة التي تستهدف إقامة الدولة الدينية اخترقت التعليم خاصة الابتدائي، فانتشرت ثقافة التطرف، وشبت أجيال كاملة تعتبر الأقباط كفارًا)، وهذا كذب وافتراء وتدليس وتزييف للحقائق.. فالمسلم يعترف بالآخر (القبطي) ولا يكمل إيمانه إلا إذا آمن بجميع الرسل، ومنهم سيدنا عيسى عليه السلام.. فابحثي يا دكتورة عمن يكفِّر الآخر ولا يعترف به!!.

 

وتنقل كذلك رأيًا تنسبه إلى المستشارة تهاني الجبالي.. في بحث لها حول التدين في مجتمع متعدد الأديان.. فتقول إن المضامين المتعلقة بالتربية وسيلة أساسية تؤدي إلى تعايش ديني حقيقي، أو إلى رفض التعايش وتزكية النزوع للتعصب والطائفية.. ولا بد من مواجهة صريحة لإزالة مظالم بالية.

 

ودعونا نفكر بحكمة وروية بعيدًا عن التعصب، فنقول لا أحد يرغب في أن تُفرض النصوص الإسلامية فرضًا على أبنائنا الأقباط.. وإذا ما وجدت مثل هذه الاستشهادات ففي مجال اللغة والنصوص الأدبية.. ونرى أنه لا مانع من الإشارة إلى بعض النصوص المسيحية إن كان فيها ما يَرقى بالذوق الأدبي.. ويرفع المستوى الثقافي للأبناء.

 

وتنقل عن د. نور فرحات.. أنه ينبه إلى انهيار التجانس الاجتماعي وإعلاء التشرذم الديني، ولا يجمع بين أفراد المجتمع إلا الرابطة المتعصبة!.

 

وإذا ذهبنا نجمع ما استشهدت به في هذا المقال لطال بنا الوقت.. ونكتفي بهذا القدر.. وإذا كنا قد لاحظنا أنها قد نذرت نفسها محامية كبيرة للوصول إلى قناعة كاملة لدى الرأي العام أن التعليم الديني هو أساس التشرذم والتعصب والطائفية.. فإن هذا المسعى يحسب عليها لا لها.. وكان الأَوْلى أن تقدِّم حلولاً لهذه المشكلة، وتعمل مع الآخرين وبالأخص المخلصين منهم.. للحماية والوقاية من كل الأخطار.. والوصول بمصر.. كل مصر.. إلى بر الأمان.

ومن هنا كان لنا أن نرفع صوتنا... (ماذا يُراد بهذه الأمة؟!).