يمثِّل تأمين تدفق مياه النيل إلى الأراضي المصرية المحور الأول من نظرية الأمن القومي المصري المكونة من محورين، فنحن أمام دولة ينبع شريان الحياة فيها من خارج حدودها، إذًا فلا بد من تأمين مساره حتى يصل إليها بأمان مستمر، وهو الأمر الذي ترسَّخ في وجدان كل مَن حكم مصر منذ فجر التاريخ، وازداد رسوخًا في فترات ازدهار الدولة المصرية وتطلعها إلى الإمساك بدفة القيادة إقليميًّا، أو كونها مركزًا لإمبراطورية دولية.
وهو محور لا يمكن القتال عليه؛ نظرًا لامتداده مساحات شاسعة، تحتاج إلى أعداد هائلة من القوات كي تستطيع التمركز فيها، ومن ثم السيطرة عليها.
وقد بدا للمراقبين أن الدبلوماسية المصرية قد استيقظت من غفلتها على وقع الدوي الهائل الذي أحدثه توقيع 5 دول من دول حوض النيل على اتفاقية "عنتيبي" في 14 من مايو الماضي، تتضمن إعادة تقسيم مياه النيل، غير عابئة أو مكترثة بالاعتراض المصري الشديد عليها، وهو ما توقعه المتابعون لحركة الدبلوماسية المصرية ولهذا لم يصبهم توقيع دول الحوض عليها بالدهشة التي أصابت السياسة المصرية، التي ما زالت تقتات على الدور الريادي والرصيد التاريخي الذي بُنِيَ في الماضي، واستنامت إليه وسحبت منه بغير حساب خلال العقدين الماضيين، حتى فوجئت بنفاده.
فقد تعاطت السياسة المصرية مع إفريقيا بطريقة تخلو من رؤية واضحة ولا تقوم على إستراتيجية محددة، تحورت بين عدة أوجه من الاستعلاء حينًا بالتعامل مع دول القارة على أنها عبء يجب التخلص منه، إلى اللامبالاة والتجاهل الذي وصل إلى حدِّ الإهمال حينًا آخر، وحتى عندما ضربت دورة الجفاف السباعي دول حوض النيل في ثمانينيات القرن الماضي، والتي ذهبت بأربعة ملايين مواطن من مواطنيها، تخلت مصر عنهم ولم تمد لهم يد العون والمساعدة، في حين تدفقت عليهم المساعدات من دول أخرى تفصلها عنهم بحار ومحيطات، وهو ما منحهم الشعور بأن مصر أدارت ظهرها لهم.
وفي العام 1995م، وقعت محاولة اغتيال الرئيس مبارك في العاصمة الإثيوبية "أديس أبابا"، وهو في طريقه لحضور القمة الإفريقية، وهي الحادثة التي أثرت سلبًا وبشدة على علاقة مصر بإثيوبيا والسودان معًا؛ لأن الأولى هي الدولة التي شهدت أراضيها الحادثة، والثانية هي التي أشارت الحكومة المصرية بأصابع الاتهام إلى عناصر في نظامها الحاكم بالوقوف وراء التخطيط للجريمة، وهو الأمر الذي هبط بمستوى العلاقة مع السودان إلى القطيعة التامة، ولعدة سنوات غابت فيها مصر عن السودان، في حين قفزت قوى أخرى عليه لتعبث بأمنه، وتصدع وحدته، وتزيد من اشتعال أوار الحرب بين شماله وجنوبه، والتي مهدت لفصلهما إلى دولتين وفقًا لما هو متوقع في استفتاء يناير 2011م؛ لتفاجأ الدولة المصرية بوجود دولة جديدة في جنوب السودان.
وامتدت نفس السياسة من السودان التي هي بوابة مصر نحو القارة الإفريقية إلى الصومال، ذلك البلد العربي الإفريقي الذي يجمعه بجارته إثيوبيا عداوة تاريخية، تُرجمت إلى عدة حروب بينهما، وكما غابت مصر عن السودان غابت أيضًا عن الصومال وتركته يواجه مصيره الذي أودى به إلى مصاف الدول الفاشلة، بالرغم من أن مصلحة مصر الجيوسياسية تقتضي وجود صومال آمن مستقر، وحتى عندما اجتاحته القوات الإثيوبية في مطلع العام 2007م أعلنت مصر "تفهمها" لدواعي هذا الاجتياح، وبالغياب عن الصومال وإهماله فرَّطت مصر في ورقة ضغط قوية كان يمكن إشهارها على طاولة التفاوض تجاه إثيوبيا، التي تتزعم التمرد الزاعق لدول حوض النيل.
ولم يقتصر الأمر على الغياب السياسي لمصر في دول حوض النيل، بل امتد إلى الغياب الاقتصادي بتخلي الدولة عن شركات التجارة الخارجية والتي كان نشاطها منتشرًا في غالبية بلدان القارة الإفريقية، كما شمل بالطبع الغياب الثقافي؛ حيث تقلَّص وجود الأزهر من خلال دعاته في البلاد الإفريقية، وانخفض عدد الطلاب الأفارقة الوافدين للدراسة بالجامعات المصرية، بالإضافة إلى انفصال الكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، إذ كان بطريرك الأولى يُنصَّب من قبل بطريرك الثانية نظرًا لتبعية الكنيسة الإثيوبية للكنيسة المصرية، وذلك فيما مضى.
وبالرغم من دقة الموقف يُلاحظ أنه طوال جولات التفاوض- التي امتدت من جولة "كينشاسا" في مايو 2009م ومرورًا بجولات الإسكندرية وكمبالا ودار السلام وانتهاءً بجولة شرم الشيخ في أبريل الماضي- اصطبغت تصريحات الجانب المصري بقدر كبير من التفاؤل، وصل إلى حد تبسيط المشكلة التي كان حجمها واضحًا منذ البداية، وهو الأمر الذي يعكس مدى الخلل الواقع في إدراك خطورة الأمر الذي يندرج تحت بند الأمن القومي، وعمق آثاره المستقبلية الخطيرة على مصر.
وقد سارع البعض إلى اتهام الكيان الصهيوني بالوقوف وراء اللهجة المتمردة الزاعقة لدول حوض النيل تجاه مصر، وهؤلاء يتحدثون كما لو أن السياسة والعلاقات الدولية هي عالم قائم على المثاليات، ويتحرك الفاعلون فيه بدوافع أخلاقية بحتة، أو أنه محكوم بقواعد أدب التعامل بين الأفراد، عندما يحجم أحدهم عن الدخول إلى مكان مقدمًا الآخر على نفسه من باب الاحترام.
وننسى دائمًا أن الانسحاب والتراجع يحدث فراغًا يسارع الآخرون إلى ملئه والتمدد فيه، وأن تخلي مصر عن أدوارها الرئيسية بالمنطقة والتفريط فيها جعل الآخرين يتقاسمون تركتها فيما بينهم، فكل القوى الدولية- كالولايات المتحدة وفرنسا والصين- والإقليمية مثل إيران وتركيا والكيان، تتواجد وتتنافس في إفريقيا، وترغب في إعادة رسم خريطتها وفقًا لمصالحها، إلا مصر التي غابت عن الحضور، وانكمشت على ذاتها، وتآكل نفوذها، وجاءت الأزمة الأخيرة كاشفةً عن المدى الذي آل إليه الغياب المصري.
ففي منتصف القرن العشرين، كانت مصر الكبيرة ذات التاريخ العريق تخوض نضالاً تحرريًّا ضد الوجود البريطاني بالقنال، كما رفضت مصر الإذعان لرغبة الولايات المتحدة بالتورط في الحرب الكورية، وفي الخمسينيات والستينيات كانت السياسة المصرية مناوئة للسياسة الأمريكية بالمنطقة، وفي السبعينيات خاضت مصر معركة لتحرير أرضها من الاحتلال الصهيوني.
وفي الآونة الأخيرة انزلقت السياسة المصرية إلى خوض معارك عبر آلتها الإعلامية الحكومية ضد أطراف متوسطة وصغيرة، مثل حزب بدولة صغيرة وقناة إخبارية تُبث من دولة أخرى أصغر من الأولى حجمًا ولا يبلغ عدد سكانها عدد أعضاء نقابة المحامين المصرية، وانتهجت منهجًا محددًا وهو توجيه أكبر قدر ممكن من الاتهامات إلى الطرف الآخر وإمطاره بسيلٍ من الشتائم التي وصلت إلى حدِّ البذاءات أحيانًا في حين غابت القضايا المهمة والتهديدات الملحة، التي تحيق بالمصالح المصرية، أو تراجعت في أحسن الأحوال كما هو حال قضية مياه النيل.
ولتدارك الموقف ينبغي علينا أن نسارع بالتحرك عبر عدة مسارات، يأتي في مقدمتها المسار التفاوضي بالحوار مع دول النيل بالإطار الثنائي أولاً، ثم الجماعي ثانيًا، بهدف إلى كسر حاجز التشدد الذي يلف موقفها، وتقديم حزمة من الاقتراحات تزاوج بين الحوافز وأوراق الضغط.
يتزامن هذا مع المسار الثاني، وهو الأهم بالتحرك النشط بتفعيل أدوات القوة الناعمة المصرية سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، إلا أن المحدد الأهم في نجوع هذا المسار وتحقيقه لأهدافه وفاعلية القوة الناعمة، هو أن تقدم الدولة نفسها لمحيطها الإقليمي كنموذج يُحتذى به في وضعها الداخلي وفقًا لمعايير الحكم الرشيد بتحقيق الديمقراطية وتداول السلطة، ومدى مراعاة الحريات وحقوق الإنسان سياسيًّا، وإحداث التنمية المستدامة وعدالة توزيع الدخل بين مواطنيها، ومدى الالتزام بقواعد الشفافية اقتصاديًّا، وإقامة نظام تعليمي عصري ومتميز ثقافيًّا، وهذا هو بيت القصيدة في الحالة المصرية.
إن الأزمة الأخيرة هي الحلقة الأخطر في مسلسل انكماش الدور المصري وتراجعه وتآكل نفوذه، فيكفي أن نلقي نظرة على محوري الأمن القومي المصري للوقوف على حقيقة هذا الأمر، فمن وضع غزة المضطرب إلى الإخفاق المصري في تحقيق المصالحة الفلسطينية المتعثرة ووضع حد للانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومرورًا بالوضع الخطير في السودان، والذي يقف على شفير التقسيم، وأخيرًا مياه النيل التي باتت مهددةً بفعل موقف دول الحوض تجاه مصر.
ولكن يبدو أن السياسة المصرية ارتكنت إلى الهيبة التاريخية، دون بذل أي جهد للحفاظ على قيمتها وقدرها، واكتفت بوضع كل البيض في سلة السياسة الأمريكية، والدوران في فلكها بغير أي هامش استقلالي للحركة يحفظ لها مصالحها الوطنية، ويعزز من ريادتها الإقليمية.