- نقابة الأطباء: ضيوف البرامج غير مؤهلين لعلاج المرضى
- د. أشرف رياض: يستغلون حاجة المريض للتخلُّص من الألم
- د. حسن عبد العظيم: الأدوية تُصنَّع من مواد مجهولة المصدر
- د. محمود عمرو: طب الشعوذة يصيب الإنسان بأمراض عديدة
د. صفوت العالم: القنوات أصبحت ساحة للنصب واستنزاف الأموال
تحقيق- الزهراء عامر:
تقدَّمت نقابة الأطباء بدعوى قضائية ضد شركة البراهين العالمية التي تقوم ببثِّ قنوات "الخليجية"، و"الصحة والجمال"، و"الناس"، و"الحافظ"، اتهمت فيها تلك القنوات بأنها تدغدغ مشاعر المرضى الذين أضناهم المرض، من خلال بيع الوهم لهم، مؤكدةً أن ما يحدث في هذه القنوات انتهاكٌ صريحٌ لأخلاقيات الممارسة الإعلامية، وللدور الاجتماعي المنوط بالإعلام.
وأكدت النقابة سعي هذه البرامج إلى "الاسترزاق" من المواطنين واستغلالهم، وبيع هذه المنتجات بأسعار عالية، والتي يتمُّ تصنيعها دون رقابة، وقيامها بجميع الأدوار من تشخيص وعلاج وتقديم حلول دون الرجوع إلى المعامل والمتخصصين.
ووصفت ما يُجرى على ساحة عددٍ من القنوات الفضائية بالفوضى الشديدة، واستخدام أساليب التحايل والخداع تحت مسمَّى الطب.
وقال د. سعيد سيد مدير لجنة الإعلام والنشر بالنقابة: إن البرامج الصحية التي تُبثُّ على هذه القنوات تناست كل آداب المهنة، وتجاهلت القوانين التي تنظِّم البثَّّ، وتنظم ممارسة مهنة الطبِّ، والتي تستضيف في برنامجها صيدليًّا يدَّعي قدرته على علاج كل الأمراض بالحجامة، وأيضًا برنامج يقدِّمه حاصل على بكالوريوس تربية رياضية يدَّعي أنه يعالج كافة الأمراض بالأعشاب، وآخر تقوم فيه خريجة سياسة واقتصاد بعلاج كل الأمراض الجلدية بالأعشاب أيضًا.
وأكد أن ضيوف هذه البرامج ليسوا أطباء، ولا متخصصين، وغير مؤهلين لعلاج المرضى، ولا يحملون مؤهلات علمية متخصصة، بالإضافة إلى أن العلاج بالأعشاب والحجامة لم يتم التصريح بها من وزارة الصحة حتى الآن.
وأفاد تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن هناك زيادةً كبيرةً في نسب الغش في المستحضرات الصيدلية عالميًّا، وأرجع التقرير السبب المباشر في انتشار الأدوية المغشوشة للشراء المباشر عبر الفضائيات والإنترنت.
وحذَّر مركز "اليقظة الدوائية" المصري من خطورة التعامل مع هذه الأدوية أو شرائها, مشيرًا إلى أن هناك من يريدون الالتفاف حول القنوات الشرعية لبيع أدوية مجهولة المصدر؛ بهدف تحقيق الربح السريع على حساب المرضى مستغلين ثقافة ما لا ينفع لا يضر.
وأكد مدير المركز أن بعض الأدوية التي تمَّ بيعها بهذه الطريقة تحت زعم فائدتها في علاج السمنة أدَّت إلى ضمور في الغدة الدرقية لكلِّ مَن استعملها؛ لاحتوائها على مواد محرَّمة دوليًّا, وأشار إلى أكثر الأدوية التي يتم الإعلان عنها حاليًّا عبر الفضائيات؛ مثل "نوفاليكو" الشفاء العاجل من الدوالي، "ونوبين" قاهر الألم، "وإيزي كويت" الإرادة السحرية للإقلاع عن التدخين، وشاي "د. بنج" طريق التخسيس والرشاقة، و"شايني لوك" كلمة الوداع الأخيرة لتساقط الشعر.
ونصح مدير المركز بمقاومة الظاهرة الخطيرة؛ بشراء الأدوية من مصادرها المعتمدة من وزارة الصحة، والتأكد من وجود رقم التسجيل على كل عبوة، أو علبة تحتوي على مستحضر صيدلي, كما نصح بالحد من التعامل مع مندوبي الدواء المحروق.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو مَن الذي يمكنه التصدي لهذه العشوائية التي تمارسها وسائل الإعلام؟ وما خطورة هذه الأدوية على صحة الإنسان..؟
(إخوان أون لاين) يجيب على هذه التساؤلات في التحقيق التالي:
العلاج الوهمي
يقول الدكتور أشرف رياض استشاري القلب والأمراض الباطنية وعضو الجمعية الأوروبية لأمراض ضغط الدم والسكر: إن انتشار الأدوية التي تدَّعي أنها تُعالج أمراض ارتفاع ضغط الدم أو السكر في الدم، وكذلك أدوية "الرجيم" التي تُعطي الجسم الرشاقة المطلوبة، كل هذه الأنواع ليست خاضعةً للإشراف الطبي، ولا يوجد عليها التصريح المصرَّح به من وزارة الصحة التي تُعطي الجودة بعد إجراء العديد من البحوث والتجارب، ومن ثم إعطاؤها للإنسان.
ويوضح أشرف رياض أن هذه الأنواع من الأدوية تسببت في وجود العديد من المشكلات للمرضى؛ لأنها أوهمتهم بالشفاء وبالتالي ترك هؤلاء العلاج، الذي نصحهم به الطبيب المعالج للحالة؛ لشراء هذه الأنواع بأسعار باهظة التكاليف، وفي النهاية تكون خاليةً من المميزات ولا تُعطي الشفاء.
ويضيف: هذا هو الحال أيضًا بالنسبة لمرضى السكر، الذين يوهمون بعد تناول هذه الأنواع بانخفاض نسبة السكر في الدم، فيتوقف المريض عن أخذ عقار الأنسولين المخصص لعلاج بعض حالات السكر، فتظهر مضاعفات بأعراض جديدة للمرض في وقت قصير، وهذا هو الحال بالنسبة لأدوية التخسيس التي لا بد أن تُعطى بمعايير معينة من الطبيب، حسب حالة المريض والظروف المحيطة به.
ويرى أن الإنسان بطبيعته يميل لتجربة كل ما هو مبهم أو مجهول دون الأخذ بالاعتبارات العلمية، فضلاً عن اهتمامه بالأمور الغيبية، مثل ميل بعض المواطنين لأمور الشعوذة والدجل، ويعتقد المريض أن الأعشاب أشبه "بالوصفة السحرية" التي ستمحي كل آلامه بمجرد تناولها، موضحًا أن المريض يعلم جيدًا أنه لا توجد فائدة من هذه الأنواع، ولكنه يجري وراء سراب، خاصةً أن هذه الأنواع تترك بريقًا عند المواطنين؛ لأنها تلمس الجوانب الحساسة في حياة المواطن، مثل الأدوية الخاصة بعلاج العقم.
ويستنكر استغلال التاجر سذاجة المرضى، وأملهم في العلاج وانبهارهم عند سماع كلمة الأعشاب الطبيعية؛ لتحقيق أغراض مادية، الأمر الذي أضرَّ بالكثير، وظهرت عليهم مضاعفات في وقت قليل، مؤكدًا أنه مع ارتفاع نسبة الأمراض المزمنة في المجتمع المصري، فقد لجأ كثير من البسطاء إلى هذا الوهم آملين في شفاء عاجل.
وينصح رياض المرضى بعدم أخذ علاج طبي دون استشارة الطبيب المختص؛ لأن العلاج الذي يعالج مريضًا ليس بشرط أن يعالج آخرَ يعاني من نفس المرض، فالإنسان واحد ولكن لكلِّ بصمة مختلفة، مؤكدًا أن توعية المواطن تمثل الركن الأساسي في حل المشكلة، والتخلُّص من الأزمة لا يقتصر على مجرد محاربة وسائل الإعلام؛ لأن هناك طرقًا أخرى قد يلجأ إليها التجار؛ لترويج منتجاتهم حتى وإن كان على الرصيف أو عن طريق مراكز طبية.
تدليس وغش
![]() |
|
د. جمال قرني |
ويصف النائب الدكتور جمال قرني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن تلك الإعلانات الفضائية التي تدَّعي وجود أدوية تعالج المواطن نهائيًّا من الأمراض المزمنة في أقل وقت ممكن؛ بأنها عملية تدليس وغش، وعملية استنزاف للمريض المصري الذي يحتاج لبصيص من الأمل للتخلص من آلامه، مستنكرًا ترويج وسائل الإعلام لدواء مجهول المصدر لعلاج أمراض الكبد، ويصل تكلفته إلى ما يقرب من 1200 جنيه، وثبت بعد ذلك أنه يسبب سرطانًا للكبد.
ويبين أنه قد يكون هناك أنواع من الأعشاب غير الضارة بالإنسان، ولكنها لا تحقق النفع له ولا تساهم في محاربة المرض، وبالتالي يتفشَّى المرض في جسد المريض وتزداد حالته سوءًا.
ويتهم وزارة الصحة بتقاعسها عن أداء دورها المنوط بها، من الرقابة والتفتيش المستمر على المراكز والصيدليات، مؤكدًا أن ما يهم الإعلام هو الدعاية للوصول على أكبر قدرٍ من الأموال، أما صحة المواطن فآخر ما تفكِّر فيها هذه الحكومة، وكأن المواطن المصري ينتظر العسل من الذباب.
ويوضح أن وزارة الصحة في حوزتها العديد من التشريعات والقوانين التي تستطيع بواسطتها أن تحاسب مرتكبي هذه الجريمة سجنًا أو بتوقيع الغرامة ومصادرة المنتج فورًا من السوق، ولكنها ومع الأسف لا تفعل هذه القوانين، موضحًا أنه لو أرادت وزارة الصحة أن تمنع هذه الأدوية لمنعتها، ولو أرادت وزارة الإعلام أن تمنع الإعلانات المروِّجة لهذه الأصناف لاستطاعت، ولكنهم لا يدركون أهمية المواطن وصحته.
ويرجع تزايد الإقبال الجماهيري لشراء هذه الأنواع من الأدوية إلى انتشار الجهل وعدم معرفة المواطن بالأضرار التي ستلحق به من تناول مثل هذه العقاقير، أو أن المواطن وصل لدرجة كبيرة من اليأس، ولم يجد الدواء المناسب لحل مشكلته.
النصب الفضائي
ويقول حسن عبد العظيم رئيس مجلس إدارة شركة فارماكيور للأدوية: لا بد أن يدرك المواطن أن عملية صرف الدواء يجب أن تقتصر على شخصين، وهما إما الطبيب المعالج للحالة المرضية والذي يعطي الدواء بناءً عن إدراكه الكامل بطبيعة المرض والظروف المحيطة بالمريض، أو الطبيب الصيدلي الذي يصرف الدواء بناءً عن التشخيص الظاهري للحالة المرضية، أمَّا ما دون ذلك لا يصب في مصلحة المريض.
ويؤكد أن جميع الأدوية في مصر لا بد أن تكون مسجلةً لصالح وزارة الصحة، سواء كانت الأدوية الكيمائية أو الأدوية المكملة غذائيًّا، مثل عسل النحل أو الطبيعية مثل الأعشاب أو الأدوية الخاصة بالتجميل، ولا بد أن يتم التأكُّد من الإخطارات الصحيِّة الخاصة بهذه الأدوية، والتسجيل ومعرفة الغرض من تسجيل هذه الأنواع.
ويُلقي المسئولية الكاملة على الحكومة والقنوات الفضائية والجهات الرقابية للتصدي لهذه المشكلة، التي تتلاعب بمشاعر المواطنين، والتي تنال بعض النقاط الحساسة تخص المواطن الفقير، موضحًا أن المواطن قد يلجأ إلى بيع ما يملك في سبيل التخلص من مرض مثل مرض "البهاق" وشراء دواء يصل سعره إلى 400 جنيه، يتم الإعلان عنه في الفضائيات.
ويشير إلى أن استخدام الأعشاب الطبيعية بشكل مبالغ فيه قد يصيب الإنسان بأمراض، مثل نبات "الشبت" الذي يعمل على إجهاض المرأة في حالة استخدامه بطريقة مبالغ فيها، أو حبة البركة التي لا يمكن لجميع المرضى أن يستخدموها.
ويرفض عملية الربح السريع الذي يلجأ إليه البعض؛ لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب حتى وإن كان على حساب المريض، مطالبًا وزارة الصحة بضرورة التحرك لإلغاء تسجيل الدواء الذي يتم الإعلان عنه في وسائل الإعلام دون تصريح ومصادرة الكميات المنتجة، وإلغاء التوكيل وما يترتب على ذلك من إجراءات لحماية المرضى من النصب الدوائي الفضائي.
ويؤكد أن أدوية الفضائيات تدخل مصر مهربة، أو يتم تصنيعها من مواد خام مجهولة المصدر، وتكون بعيدةً عن الرقابة، أو آليات مطابقتها لمواصفات الحفاظ على الصحة، مثل التخسيس التي ثبت بعد تحليلها أنها عبارة عن كبسولات نشا.
طب الشعوذة
ويوضح محمود محمد عمرو مدير المركز القومي للسموم الإكلينيكية أن تناول الإنسان أدوية مجهولة المصدر قد تصيب الإنسان بالعديد من الأمراض منها دمور الغدة الدرقية، والغدد الصماء والبنكرياس واللمفاوية؛ لأنه ثبت بعد القيام بعملية تحليل جزئي لبعض هذه الأنواع أنها تُخلط عليها مواد أخرى، وأنها غير صالحة للاستخدام الآدمي، فضلاً عن تصنِيعها بطرق عشوائية، ولا يتم دراستها دراسةً جيدةً.
ويشير إلى أن هذه الأنواع من الأدوية تُطرح في الأسواق على أنها أدوية "مكمل غذائي" تحت إشراف وزارة الصحة، وهذا يعني أن وزارة الصحة تساهم بشكل كبير في انتشار هذا النوع من الطب الذي يطلق عليه طب الشعوذة، ولهذا لا بد أن تقوم بحملة إعلانية مضادة للتوعية.
الفوضى العارمة
د. صفوت العالم

وعلى الصعيد الإعلامي يؤكد الدكتور صفوت العالم أستاذ العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة القاهرة أنه كان من باب أولى أن تعلن الحكومة وتُحذِّر من هذه الأنواع التي تقتل الإنسان، مشددًا على ضرورة إصدار قرار يقنن ويحجم الإعلان عن هذه الأدوية، حتى لا يترك الأمر بالصورة الفوضوية التي يشاهدها الجميع، فضلاً عن إرسال التحذيرات لمسئولي الأقمار الصناعية التي تتبع لها هذه القنوات التي تعلن عن أدوية محظورة أو غير مرخص لها.
ويدين الفوضى الإعلانية التي تحاول أن تمحي دور الطبيب في المجتمع، بمحاولتها إيجاد حلول سريعة لعلاج الأمراض المزمنة التي احتار فيها العالم.
ويوضح أن جهاز حماية المستهلك مسئول مسئوليةً مباشرةً عن البحث عن تقنين دقيق لمنع انتشار هذه الظاهرة، وإرسال قائمة بمساعدة وزارة الصحة لهذه القنوات بالأدوية المحظور الإعلان عنها.
ويتهم وزارة الصحة بالتقاعس عن أداء دورها؛ لأنها تركت معدومي الضمير يتجاوزون كل الخطوط المسموح بها، وفتحت الباب أمام المواطن ليتناول أدويةً غير رسمية لعلاج أمراض مستعصية، وبالتالي لا يمكن توجيه اللوم إلى القنوات الفضائية التي تركتها الحكومة بلا ضابط أو رابط، فمن حقها أن تعمل ما تشاء لتحقيق أكبر ربح ممكن.
ويشير إلى أن القنوات الفضائية أصبحت من خلال الإعلانات ساحةً للنصب واستنزاف أموال الناس، فهي تعمل عكس الاتجاه المنطقي للإضرار بصحة الناس.
