م. فتحي شهاب الدين

إذا عرفنا أن الهضبة الإثيوبية يأتينا منها 85% من حصيلة نهر النيل أي ما يزيد عن 48 مليار م3 من المياه تتضح لنا أهمية إثيوبيا كمنبع رئيسي لشريان الحياة.

 

وتبلغ مساحة هذه الهضبة 000¸295¸1 كم2 وهي 4 مرات مساحة بريطانيا وشمال إيرلندا وضعف مساحة ولاية تكساس ومرة وربع مساحة مصر، ويخرج من هذه الهضبة حوالي 100 نهر أهمها- النيل الأزرق-، والذي يمثل الشريان الرئيسي لمياه النيل، إذا عرفنا ذلك يتضح لنا أهمية إثيوبيا كلاعبٍ رئيسي في دول حوض النيل لا يمكن تغافله على أي حالٍ من الأحوال.

 

في عام 1974م استولى "منجستو هايلاميريام" على السلطة في إثيوبيا بانقلابٍ عسكري، وقام بخلع الإمبراطور "هيلايلاسي" الذي كان صديقًا حميمًا لرئيس مصر الأسبق "جمال عبد الناصر".

 

تغيرت سياسة مصر تجاه إثيوبيا من النقيض إلى النقيض فقد رفعت في عهد عبد الناصر يدها عن التأييد المباشر لقضية الصومال في نزاعها مع إثيوبيا حول صحراء أوجادين، كما اتخذت نفس الموقف إزاء جبهة تحرير أريتريا وصراعها المسلح مع إثيوبيا، وبينما كان "منجستو" يسلخ إثيوبيا من النفوذ الأمريكي ويتجه بها إلى التحالف مع السوفييت ويصنع من "أديس أبابا" عاصمة إثيوبيا نقطة ارتكازٍ لمحور (عدن- أديس أبابا- طرابلس ليبيا) كان السادات ينسلخ بمصر عن النفوذ السوفييتي ويتجه غربًا إلى واشنطن، كل منهما كان يتحرك في نفس الوقت في اتجاهٍ معاكسٍ، وبدأ "السادات" خصومةً غير معلنة مع إثيوبيا ومحاولة احتوائها، وعادت مصر مرةً أخرى تؤيد الصومال وتسانده في صراعه مع إثيوبيا حول صحراء أوجادين تشد أزر "النميري" في السودان في حربه ضد منظمة "أنيانيا" المدعومة بالسلاح الإثيوبي.

 

ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا عندما أعلن الرئيس "السادات" وهو في حيفا 6 سبتمبر 1979م (أثناء مبادرة السلام التي قام بها للكيان الصهيوني) أنه يعتزم توصيل مياه النيل التي ستروي سيناء إلى صحراء النقب في إطار التعاون مع الكيان الصهيوني، وقال: إن ذلك سيكون دليلاً على حسن الجوار.. وإنه سوف يتم بالفعل عام 1980م من خلال "ترعة السلام" التي ستحمل مياه النيل تحت قناة السويس.

 

هاج "منجستو" وهاجم "السادات" وقال إنه لن يسمح بتوصيل مياه النيل لتل أبيب، وإنه سوف ينفذ عددًا من المشروعات والخزانات على بحيرة تانا والنيل الأزرق تحرم مصر من مياه المنابع الإثيوبية، ورد السادات بأن مصر سوف تحارب من أجل حقوقها المكتسبة والموثقة في مياه النيل!

 

وفي أول خطاب لـ"منجستو" في أديس أبابا وقف وأمامه على المائدة زجاجة دم.. حتى إذا جاءت سيرة السادات وتهديده بالحرب أمسك "منجستو" بالزجاجة وطرحها بعنف على الأرض فانكسرت وتناثرت قطرات الدماء في كل اتجاه ثم هتف " فليأتِ السادات.. ولسوف يجدنا في انتظاره"!!

 

لكن السادات واصل تنفيذ مشروعه، ففي يوم الثلاثاء 27 نوفمبر 1980م أصدر إشارةً بالبدء في حفر "ترعة السلام"، وطلب من وزير الري المصري أن يجري دراسة علمية لتوصيل مياه النيل إلى القدس مارة بصحراء النقب لتكون بمثابة آبار "زمزم" لكل المؤمنين بالأديان (على حدِّ قوله)!!!

 

وفي أغسطس 1980م وجه "بيجن" رئيس وزراء العدو الصهيوني خطابًا للسادات شكره فيه على عرضه توصيل مياه النيل للقدس، لكنه أضاف أنه لا يبيع القدس التي هي أماني الكيان الصهيوني الدينية بأي شيء حتى ولو كان "مياه النيل"، وكان بيجن قد قام في 30 يوليو 1980م بإصدار قرار يضم من خلاله القدس العربية (الشرقية) إلى القدس الغربية لتصبح القدس عاصمةً موحدة للكيان الصهيوني إلى الأبد (كما يزعم)!!.

 

على أثر اغتيال "السادات"- وفي أول عهد الرئيس مبارك أعاد النظر في سياسة مصر تجاه إثيوبيا؛ حيث انتهج معها سياسة التقارب وتطبيع العلاقات ووثَّق علاقاته بالرئيس الإثيوبي "منجستو"، وحاول حل النزاعات بين إثيوبيا والصومال وإثيوبيا واريتريا، ولم يكتمل مشوار ترعة السلام لتصل إلى الكيان الصهيوني؛ حيث احترقت الفكرة في لهيب الحس الوطني المصري قبل أن تموت بموت السادات.

 

جاءت محاولة اغتيال الرئيس "مبارك" في إثيوبيا- بتخطيط صهيوني شبه مؤكد- لتضع إسفينًا في العلاقات المصرية الإثيوبية، وأيضًا السودانية، وليدير الرئيس "مبارك" ظهره لكلٍّ من إثيوبيا والسودان، فكانت الفرصة الذهبية للصهاينة لملء الفراغ الإثيوبي، وكي يرتعوا في منطقة البحر الأحمر، ويتمركزون في الجنوب السوداني، وولَّت مصر وجهها شطر أمريكا وتركت الساحة الإثيوبية خاليةً تمامًا لتستيقظ مؤخرًا على مفاجآت غير سارة كان أولها بناء سد "بكيزي" الذي أقامته الصين لإثيوبيا، ويعتبر أعلى سد في إفريقيا ثم قيام إثيوبيا بتزعم دول المنابع وتحريضهم ضد مصر وبمساعدة صهيونية لنقض الاتفاقيات السابقة مع مصر بحجة أنها أُبرمت في عهد الاستعمار، وتوقيع اتفاقية جديدة لحوض النيل في 14/5/2010م في "عنتيبي" بأوغندا دون مصر والسودان، والتي تطلق يدها في بناء السدود والمنشآت دون إخطار سابق لدولتي المصب- مصر والسودان- ولم يكن مداد الاتفاقية قد جفَّ بعد حتى جاءت المفاجأة الثالثة- أو ثالثة الأثافي- بالإعلان عن بناء سد "تانابليز" على بحيرة تانا عند مخرج النيل الأزرق، والذي بنته إيطاليا- صديقة مصر- وكانت قمة الاستفزاز أن يُعلن عن السد في نفس اليوم الذي وُقِّعت فيه الاتفاقية (14/5)، في إشارةٍ واضحةٍ لإعلان التحدي والصراع.

 

وفي آخر اجتماع لدول مبادرة حوض النيل في أديس أبابا يومي (24-25/6/2010) تسلمت إثيوبيا رئاسة مجلس وزراء المياه بدول حوض النيل من مصر، وأبلغت دول المبادرة الوفد المصري بأنها لن تتراجع عن الاتفاقية، كما أنها لن تعود إلى المفاوضات مرةً أخرى.. فماذا يعني ذلك؟ هل يعني الصراع بين الدولتين؟.. أم أن مصر تستطيع نزع فتيل الأزمة والوصول إلى اتفاقٍ جديد!!

 

هذا ما سوف نُوضحه في المقال القادم عندما نحاول استجلاء وجهة النظر الإثيوبية في الأزمة.