- مناهج الكليات الشرعية تحتاج إلى إعادة نظر
- الأمن يفرِّغ الخطاب الديني من قضايا المجتمع
- السياسة جزء من الدين.. ووجود الإخوان ضرورة
- شيخ الأزهر مُطَالَب بإعادة النظر في بعض الفتاوى
حوار- علاء عياد:
تعيش الدعوة الإسلامية حالةً غير عادية في عصرنا؛ بسبب تضافر عدد من الظروف، أولها ظاهرة التربُّص الأمني بالدعاة من جانب السلطات المحلية، والأعداء عابري القارات، واستمرار المطالبة بما يسمونه تجديد الخطاب الديني، رغم أن ذلك يتم دون إعلانات ومطالبات؛ الأمر الذي يدفع أصابع الاتهام إلى هذا الجانب، وعلى الصعيد الآخر انفتحت آفاق جديدة أمام الدعوة من خلال ثورة الإعلام والفضائيات والإنترنت، فتلاشت الحدود وتكسَّرت القيود.. إلى غير ذلك من التطورات.
(إخوان أون لاين) وضع هذه القضايا على مائدة الحوار مع الداعية الإسلامي الشيخ عبد الخالق الشريف مدير مركز "منارات" للدراسات الإسلامية وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* بدايةً هناك حالة فراغ من علماء الإسلام؛ بسبب غياب رموز لها وزنها، كما كان الغزالي والشعراوي وكشك وجاد الحق والسيد سابق، وغيرهم، فما تعليقكم؟
** الذي أراه أن الرموز العلمية التي لها وزنها لم تنقطع، فكما أن الذين ذكرت قلة من حيث العدد إلى جوار جمهرة كبيرة من علماء المسلمين الذين هم في بلاد شتَّى, ولكن الذين ذكروا في السؤال هم مَن أظهرهم الإعلام أو أظهرتهم مكانتهم الوظيفية, فقد كان في حياتهم علماء كثيرة لا يقلون عنهم، مثل الشيخ مناع القطان، ود. السيد نوح، والشيخ الألباني، وابن باز، وابن عثيمين، ومن قبل أبو الأعلى المودودي، والشيخ أحمد الكومي، والشيخ أحمد الكردي, والشيخ خيري ركوة, ود. عبد الغني عبد الخالق، وآلاف.
كذلك في عصرنا وما زالوا على قيد الحياة- نسأل الله أن يمد في أعمارهم على طاعته- علماء أجلاء، مثل د. يوسف القرضاوي, ود. عبد الستار فتح الله سعيد, ود. عبد الحميد النجار, ود. أحمد الريسوني, والشيخ محمد عبد الله الخطيب، ود. توفيق الواعي، ود. عبد الله بن بية، ود. عصام البشير، ود. محمد الحسن الددو، ود. محمد سعيد البوطي, د. وهبة الزحيلي, د. عجيل النشمي, ود. عبد الرحمن البر, ود. صلاح سلطان, ود. عطية فياض, ود. علي السالوس, وغيرهم من العلماء الأجلاء في الشام والهند وبلاد الجزيرة العربية ومصر والسودان والمغرب العربي وتركيا وفي أوروبا, إذ أن مساحة الإعلام قد تتسع وتضيق، في اختلاف تحكمه ظروف كثيرة, ولو أردت ذكر العلماء لعددت الآلاف منهم رجال كرام.
* عندما يقيِّم المراقبون الواقع يرصدون تراجعًا في دور الأئمة والخطباء، والوعاظ الرسميين، ما أسباب هذا التقييم؟
** ربما يكون لي اعتراض على وصف الأئمة والخطباء والوعاظ بـ"الرسميين"، فإن أحدًا من هؤلاء لا حكم عليه إلا من الشريعة التي درسها؛ حيث يجب عليه أن يتذكر دائمًا يوم الحساب الذي يقف فيه بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهذه الكلمة "الرسميين" تجرِّح الكثير من الكرام، من إخواننا العلماء والأئمة، أما إذا كان هناك تراجع فهو عامٌّ بين الجميع، ربما بسبب انشغالات الحياة؛ نتيجة لضعف الراتب ومسئوليته تجاه أسرته, وبالتالي لا يجد الوقت للاستزادة، مع ارتفاع ثمن الكتب، وعدم توافر أجهزة الكمبيوتر عند الكثير منهم، مع حاجة من يملكه إلى التدريب على التعامل مع "الإنترنت", وربما أيضًا يضاف ضعف المستوى التعليمي بين جميع الطلاب في المدارس والجامعات المختلفة، فمثل هذه الأسباب ليست لفئة معينة بذاتها، بل هي لعموم المجتمع.
* ولكن دور أئمة المساجد أصبح ينحصر في أداء الصلاة بالمسجد وخطبة الجمعة، هل ترى أن هذا هو الدور المطلوب منهم؟
** إمامة المسجد مهمة كبيرة, ولو قام بما يُطلب منه لكان مصدر خير كبير لهذا الدين القيم.
إن مهمة إمام المسجد كوظيفة رسمية في مصر هي أداء صلاة العصر والمغرب والعشاء, وإعطاء درس بين المغرب والعشاء كل يوم عدا يوم الخميس مع إلقاء خطبة الجمعة, وهذا في الحقيقة جزء مهم، ولكنه قليلٌ إلى جوار ما يُرجى منه.. إننا نتمنى أن يكون حاملاً لهمِّ الإسلام وواقع الأمة المسلمة كلها.. نريد منه أولاً المحافظة على الصلوات الخمس في المسجد، وإتقان حفظ القرآن، والفهم الصحيح للإسلام، والاستمرار في الاطِّلاع على كتب العلم, وأن يحرص على تكامل الجانب العلمي.. كذلك أن يعيش أحداث الأمة كلها ولا ينفصل عنها, ملتحمًا بالمجتمع، يشارك في إرشاده وحل مشكلاته.. إنني لا أريد إمامًا يتحدث عن أهمية الصلاة للمصلين, بل أريده أن يذهب إلى غير المصلين يدعوهم إلى الصلاة, وهكذا في أمر الزكاة, أتمنَّى أن يحبه المجتمع ويثق فيه، فيرجع إليه في كل ما يواجهه من مشكلات في المعاملات أو في الأسرة, وأن يكون له من العلم والتجارب والشخصية ما يمكنه من أداء ذلك.
![]() |
* الأزهر الشريف أقدم وأكبر المؤسسات الدينية في العالم، يتمتع علماؤه في ربوع الدنيا بمكانة عالية واحترام لائق، هل يملك الإخوان رؤيةً لتستعيد أكبر مؤسسة إسلامية في العالم ريادتها؟
** الإخوان يحملون للأزهر كل الاحترام والتقدير, ولعلماء الأزهر مكانتهم في قلوب الإخوان والمجتمع عامة، ولا يقلل الخلاف في بعض المسائل الفقهية مع مؤسسة الأزهر من هذا الاحترام، وعلماء الأزهر هم أول مَن يعلمون باب الخلاف الفقهي وآدابه التي يلتزم بها الجميع.
وأنا لا أظن أن الأزهر فقد مكانته الإسلامية والعالمية المتميزة، ولكن ما حدث أنه منذ خمسين عامًا أو أكثر لم يكن هناك مؤسسة علمية دينية كبيرة في الساحة الإسلامية سوى الأزهر، أما اليوم فإن الأمر اتسع في الدول الإسلامية، وصار فيها مجامع فقيهة, وجامعات, ومؤسسات دعوية, وهذا أمر يدعو إلى السرور لانتشار مؤسسات علمية في بلدان مختلفة، تبيِّن حقائق الإسلام وتدعو إليه, علاوةً على أن هذه المؤسسات قد توفِّر لها بلدانها إمكانيات مادية أو بحثية غير متوفِّرة لدى الأزهر الشريف؛ بسبب ذهاب أوقاف الأزهر التي كانت تنفق عليه.
* ولكن هل الأزهر لا يزال يحتفظ بريادته وسط هذه المؤسسات؟
** مما لا شك فيه أن الأزهر له مكانته, ومما يدلُّ على ذلك أن الكثير من أساتذة جامعة الأزهر هم الذين يقومون بالتدريس في جامعات كثيرة من بلدان العالم الإسلامي, وما زال الكثير من أبناء الدول الإسلامية المختلفة يلتحقون بالأزهر الشريف؛ وذلك لإتمام درجاتهم العلمية المختلفة, وكما ذكرت أن العالم الإسلامي الآن يحتوي على جامعات ومجامع فقهية كثيرة, ويتم عقد مؤتمرات علمية، تقوم بدراسة المسائل الفقهية الحديثة، ويجتهد المجتمعون لإصدار الفتاوى المناسبة، أو لمناقشة بعض ما يمر بالعالم الإسلامي من أحداث أو قضايا علمية، وقد كان الأزهر من قبل هو الرائد في ذلك وحده، أما الآن فقد أصبحت الساحة تشتغل بالكثير, كما أن للسياسة ظلالها، فمثلاً كان الأزهر من قبل يصدر بيانات أو فتاوى بتحريم الصلح مع اليهود, وأحاديث وأحكامًا كثيرة حول هذا الأمر، وكانت هذه الفتاوى بردًا للمؤمنين يسعدون بها, أما هذه الأيام فقد سكت عما هو أشد، سواء من الجانب الصهيوني المغتصب أو من جانب الدول، وهذا أمر يجعل المسلم في حيرة من أمره وحزن شديد بالمقارنة لما سبق.
كما أن هناك بعض الفتاوى التي تثير الجدل، مثل الحديث عن تحريم ختان الإناث والنقاب، وأهمها قضية الربا وفوائد البنوك، وبناء الجدار العازل، وعمومًا نتمنَّى من فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إعادة فتح مثل هذه الفتاوى ومناقشتها في تجرُّد تامٍّ، بعد الاستماع إلى العلماء من أبناء العالم الإسلامي والنظر في الأدلة بتمعُّن.
* ولماذا القضايا المرتبطة بالأمة ومشكلات الناس غائبة عن أغلب الدعاة؟
** هذا الأمر له أسباب عدة, ولكن الدعاة ما هم إلا شريحة من المجتمع تتأثر به, أما الأسباب في تقديري فهي كالآتي:
- غياب مناخ الحرية عن واقع المجتمع.
- إحالة الكثير من الدعاة إلى العمل الإداري؛ نتيجة جأرهم بكلمة الحق.
- تدخل الجهات الأمنية في الموافقة على تعيين الدعاة.
- ما يحدث من تدخل أمني لمن يدعو إلى الحرية أو غيرها من قضايا الأمة.
- كيف يمكن استعادة قاعدة الدعوة بالفعل لا بالقول؟
الأصل أن الدعوة بالفعل لا بالقول.. حقيقة يعيشها كل الدعاة, فإن فِعل رجل في ألف خير من مقولة ألف في رجل, وسبق للإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات" أن حذَّر العلماء وبيَّن لهم أن العوامَّ يأخذون من أعمالهم دليلاً, ويحذِّر الداعية الذي يخالف فعله عن قوله لما ورد في الأحاديث أن فاعل ذلك من أول من تسعر بهم نار جهنم.
أما طريقة استعادة الدعوة بالفعل، فيتم من خلال أمور؛ لعل أهمها: إعادة النظر في المناهج التي تدرس في الكليات الشرعية، وإعطاء الجانب العملي بين الأساتذة والطلاب من المعايشة والتربية قدرًا ينمِّي هذا الجانب لدى طالب العلوم الشرعية، وأن يكون للسلوك الفردي أثر في اختيار الدعاة.
* وكيف يكون دور المناهج التي تُدرَّس في الكليات الشرعية؟
** مناهج الكليات تحتاج إلى أن يكون لهذه المناهج أثر كبير في رابط الحاضر والمستقبل بالماضي, وكي تزداد علاقة الطالب بكتب التراث مع القدرة على الاستفادة منها، واستخراج ما فيها من خير, هذا بالإضافة إلى التأصيل العلمي في جميع مجالات العلم الشرعي، وعدم الجمود عند النصوص غير المعصومة، بل لا بد من أن يكون لديه أيضًا فكر إسلامي ناضج، وقدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة منها، ودراسة كل ما يُثار حول الإسلام، وكيفية الرد على ذلك في حوار هادئ، ولباقة عالية.
* وهل هناك فرص يمكن أن يخلقها الدعاة للوصول إلى شرائح أكبر من الجماهير بقطاعاتهم المختلفة؟
** يمكن للدعاة أن يجدوا فرصًا جديدةً من خلال تحرُّكهم في المجتمع, فهم جيران وأقارب وأصهار وزملاء ومعارف, وهم يتعاملون مع أفراد المجتمع بالشراء، ويركبون معهم السيارات والقطارات, وعلى الداعية إلى الله أن يحمل الفكرة إلى كل هذه الفئات وكذا إلى أسرهم وأهليهم، دون تشدد, "يسروا ولا تعسروا", في وسطية قائمة على الحجة والدليل والبرهان, وأن يبذلوا الوقت في لقاء الناس والذهاب إليهم, وأن يكونوا قبل كل شيء دعاةً بالقدوة، حتى إذا رآهم الناس أشاروا إليهم، وتأثروا بهم.
ثقافة الدعاة
* ما الثقافة التي يجب أن يلمَّ بها الداعية؟

هذا السؤال أُفردت في الإجابة عليه مؤلفات، ولكن المهم أن الداعي إلى الله لا يتكلم إلا بعلم، وأن يبذل جهده قبل التعلُّم, ولا يحرج من أن يقول لا أعلم, كما عليه أن لا يُحرج من سؤال من هو أعلم منه, وأن يتخذ الكتاب صديقًا له ويداوم على الاطلاع, ويزاحم مناكب العلماء, ويحضر الندوات أو يستمع إليها, وأن يعطي للعلم وقتًا في حياته, وأن يعلم أن الداعية يجب أن تكون ثقافته مستعرضة في المجالات المختلفة، حتى يمكنه التفاعل الصحيح والمؤثر مع كل قضايا المجتمع ومع كل فئات الأمة.
* ما "روشتة" نجاح الداعية في خطبة جمعة متميزة؟
** هذا أيضًا من الأسئلة التي كتب فيها العلماء مؤلفات معتبرة، ولكن ننبه إلى أهم ما يجب أن يكون عليه، بخلاف الأمور المتخصصة؛ من حيث الصوت والإشارة وكيفية التحضير؛ لذا فإن أهم ما أراه لخطبة متميزة هو:
- أن تعايش المجتمع في واقعه وتلمس ما يعانيه.
- عدم الإطالة المملَّة.
- مراعاة المجتمع الذي يؤدي فيه الخطبة، فيتكلم معهم بما تسعه العقول.
- إيقاظ الجانب الإيماني في بداية الخطبة.
- عدم الدخول في أحكام فقهية تفصيلية في الخطبة.
- تلخيص المراد قبل نهاية الخطبة.
- تنوع أسلوب الخطبة، حتى يشتمل المثال والقصة والشعر.
- سلامة الأسلوب وسهولته.
* كيف يمكن أن يستثمر الدعاة أيام الإجازة الصيفية؟
** الوسائل كثيرة يمكن للدعاة استثمارها في الإجازة الصيفية، ومن هذه الوسائل:
- جلسات قرآنية بعد صلاة الفجر.
- حلقات تعليم التجويد بالمساجد في وقتين، وقت للصغار وآخر للكبار.
- عمل المسابقات الدينية بالمساجد.
- التنافس في حفظ القرآن، وإجراء المسابقات حوله.
- فتح مكتبات المساجد لرواد المسجد، وأن يتحول الإمام إلى مجيب على أسئلة السائلين.
- تحويل أوقات الدرس إلى مدارسة منهجية لكتب علمية.
- عمل قوافل لجيران المسجد وزيارتهم.
وغير ذلك كثير.
* الفضاء المفتوح جعل الخطاب السلفي أكثر شيوعًا على شاشاته، وبيَّن جمهوره، كيف يقيِّم الإخوان ذلك؟
** كلمة "سلفية" ليست حكرًا على أحد، ولا نستطيع القول بأن هذا سلفي وذاك غير سلفي, وليس هناك أسس أو ضوابط علمية أو تنظيمية تمكننا من ذلك، والإخوان أنفسهم سلفيون, فيقول الإمام البنا: "نحن دعوة سلفية".
إن السلفية تعني اتباع السلف الصالح, فهل يمكن القول بأن الجمعية الشرعية لا تتبع منهج السلف الصالح, أو أن الإخوان لا يتبعون منهج السلف الصالح؟! هذا كلام لا أوافق عليه جملة وتفصيلاً.
الفضاء المفتوح فتح الآفاق للكثير, وأجبني: هل تعد د. طارق السويدان و د. البوطي، د. النابلسي، وأ. نوارة هاشم، ود. جمال عبد الهادي, ود. عمرو خالد، والشيخ حازم صلاح، ود. صفوت حجازي، وأمثالهم من السلف أم ليسوا من السلف؟! أم تريد مثلاً أن تشير إلى أن السلفيين هم الشيخ: أبو إسحاق الحويني (شفاه الله)، والشيخ محمد حسين يعقوب، والشيخ محمد حسان، والشيخ محمود المصري، والشيخ مصطفى العدوي وغيرهم كثير؟!.. الحقيقة أنهم علماء أفاضل ودعاة على ثغر كبير، يؤدون واجبهم، ونسأل الله لهم التوفيق والقبول, وإنني أتقابل معهم في الفضائيات، وكل ما بيننا احترام كامل.
أما مسألة الخلاف في بعض الآراء الفقهية، فهذا أمر لم تنفك عنه الأمة يومًا ولن تنفك، وله أسبابه وأدلته، والحمد لله الجميع يحترم الجميع؛ حيث لا خروج عن أصول الدين وكلياته، أما الفروع فلكل دليله وفهمه.
* ما تقييمكم للأداء الدعوي للإخوان في ظل التضييق المستمر عليهم من النظام؟
** مما لا شك فيه أن هناك تضييقًا، وأن الكثير من المساجد أُغلقت أمام الإخوان، والكثير من الأئمة الذين يُعرف عنهم انتسابهم للإخوان، يُحالون إلى أعمال إدارية، هذا أمر لا شك فيه, ولكن سبق أن سألتم عن الدعوة بالفعل, أي القدوة وأنا أحسب- ولا أزكي على الله أحدًا- أن الإخوان بأفعالهم هم قدوة للمجتمع، ومن خلال احتكاكهم ومشاركاتهم في حل مشكلات المجتمع ومعايشتهم للمجتمع يكتسبون خيرًا كثيرًا.
إن الإخوان في نهاية الأمر ما هم إلا أفراد لهم أهل وأقارب وجيران وزملاء, كما عليك أن تعلم أن الظلم الذي يقع عليهم يحببهم إلى الناس, فربما خرج أحدهم بعد الاعتقال ليجد احتفالاً كبيرًا بين أهله وجيرانه وزملائه، وجميعهم يحتسبون على الظالم ويتساءلون ماذا فعل هذا؟!!
الدعوة والسياسة
* لماذا يُقال إن الإخوان يستخدمون الدعوة لخدمة أهدافهم السياسية؟

** هذا عند من يُخرج السياسة من الدين, إن السياسة تُعني النظام الذي يقود الأمة والمنهج الذي تسير عليه الدولة, وليس للإخوان ولكل مسلم إلا الإسلام المأخوذ من الكتاب والسنة منهجًا، فإذا قلنا: تزوير الانتخابات حرام، قالوا: هذه سياسة، وإذا قلنا: الإسلام هو الحل، قالوا: هذه سياسة، والقضاء حكم بحقنا في ذلك، إذا تكلمنا عن تحريم الربا, وتحريم ظهور عورات النساء وتحريم الخمور, وطالبنا بالحرية للمواطنين، وحقهم في التعبير عن معتقدهم، قالوا: هذه سياسة, وهم يتدخلون بالنهي عن ختان الإناث, وتحديد سن الزواج أو رفعه, ومنع المحجبات من الظهور على شاشات التليفزيون, ومنع المنتقبات في الجامعات, إن الإسلام دين يشمل كل مظاهر الحياة, وإذا قلنا قولاً مرجعه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يجب أن يقال إن هذه سياسة، لهم أن يتصرفوا فيها بمعرفتهم, هل جعلوا لأنفسهم سياسة الأمة, بالله عليك فماذا بقي لله؟ إن في الإسلام علمًا يسمَّى السياسة الشرعية, أي التي تستند إلى أدلة شرعية.
فليحددوا ما هو الدين أولاً, وما السياسة, فإذا كانت الثانية ليس لها دليل في القرآن والسنة، ولا تتعارض معها فهذه لهم, أما إذا اختلفت مع القرآن والسنة وتعارضت معهما فنحن نتكلم عن دين وإن أسموا ذلك سياسة.
يقول الإمام البنا: "يقول بعض الناس: وما للإخوان والبرلمان والإخوان جماعة دينية، وهذه سبيل الهيئات السياسية..؟
وأقول لهذا القائل في صراحة ووضوح: أيها الأخ.. أما أننا سياسيِّون حزبيِّون نناصر حزبًا ونناهض آخر، فلسنا كذلك ولن نكونَه, ولا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل. وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا, ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام وتدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه, وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه, وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك, ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد, فهذا هو المعروف عند كل مسلم، درس الإسلام دراسة صحيحة, ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معنى وجودنا إلا بتحقيق هذه الأهداف، ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام, والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد, ولكنه يحدوه دائمًا الكفاح والجهاد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).
* كيف يعد الإخوان دعاتهم في ظل التضييق على أئمة المساجد من الإخوان، وهل مجرد الثقافة الإسلامية العامة تؤهل لخلق داعية؟
** إن القلب الذي يحمل القرآن ويعيش به, ويطَّلع على السيرة الصحيحة، ويدرك أمر السنة النبوية, ويقرأ للعلماء ويستمع إليهم, وينبض قلبه بأحوال الأمة، سيصل إلى معرفة الحقائق العلمية والثقافية, وفي زمن الفضاء المفتوح هناك ندوات ومحاضرات وخطب وبرامج ودروس تُلقى, والشبكة العنكبوتية تحمل من الفتاوى الكثير، وتحمل من العلم الكثير, هذا علاوةً على انتساب الكثير إلى الكليات والمعاهد الشرعية التابعة للأزهر، وغيره من المؤسسات العلمية, كما أن الإخوان بينهم علماء أجلاء، يتناقشون ويدرسون، ولهم محاضرات وبرامج تليفزيونية وغيرها، يوضحون من خلالها حقائق الإسلام ويبيِّنون الرأي في القضايا المختلفة, لقد أصبح للإخوان وجود لا يحتمل التشكيك فيه إلا من عين لا ترى الشمس.
* هناك من يقول: إن ثمة تراجعًا في حالة البحث الديني والفقهي لدى الإخوان؛ لانشغالهم بما هو سياسي عما هو دعوي؟
** الإخوان جماعة كبيرة, فهم شريحة عريضة في المجتمع، فإن كنت ترى فيهم العشرات بل المئات من أساتذة الجامعة والمتخصصين في الطب بفروعه المختلفة, والهندسة والصيدلة والاقتصاد وغير وذلك من التخصصات المختلفة، فهل يُعقل ألا يكون بينهم علماء الشريعة، أو يكون بينهم تراجع في البحث الديني والفقهي؟ هذا كلام مرسل لا دليل له، وهل المطلوب من كل أستاذ متخصص في علوم الشريعة أو باحث فيها ينتسب إلى فكر هذه الجماعة أن يضع علامة على ملابسه بذلك؟!!
إنك حين ذكرت السابقين كان منهم الشيخ محمد الغزالي والسيد سابق إلى جوار د. يوسف القرضاوي، والشيخ الخطيب، والدكتور توفيق الواعي، والشيخ مناع القطان وغيرهم كثير جدًّا من أبناء هذه الدعوة المباركة، وكما سبق أن ذكرت أن السياسة جزء من الدين، بل هي أصل في قيادة الأمة، ولا يقوم بها إلا من جمع الله له العلم الشرعي بأطرافه, فإذا كان ثمة مجموعة من علماء الإخوان يقومون بدراسة السياسة الشرعية، فقد جمع الله لهم الكثير من علوم الشريعة, جزاهم الله خيرًا وبارك فيهم وفي جميع علماء المسلمين في الأزهر وكل المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي.
