عندما زار أبو الطيب المتنبي مصر منذ أكثر من عشرة قرون في زمن الإخشيد، وضع معادلةً اقتصاديةً ظلت ساريةً حتى وقتٍ قريبٍ في مصر، فإذا كان علم الاقتصاد هو علم الندرة، وأن وظيفة هذا العلم هي التوفيق بين الموارد المحدودة والحاجات المتجددة، فإن دولاً وشعوبًا حيةً بإدارتها الرشيدة- وليس بما تظهره من إيمان أو انتماء إلى دينٍ معين سوى الإيمان بالوطن- قد خلقت الموارد التي فاقت هذه الحاجات وأصبحت مشكلتها هي خلق الحاجات حتى تدور عجلة الموارد ودورتها الاقتصادية.
على الجانب الآخر، فقد ظنَّ المتبني أن تاريخ مصر الاقتصادي، هو صراعٌ بين الثعالب التي تُغافل الحراس، والعناقيد والثمر الذي تفيض به أرض مصر، وأنه رغم أن الثعالب قد أكلت حتى بَشِمت، إلا أن الخير والثمر لا يزال الأوفر، يتحدَّى بوفرته جشع الثعالب وحاجتها البيولوجية المستمرة لنهب الثروات في غيبة رقابة الحراس.
والحق أن مصر الآن قد انقلبت فيها كل القوانين، ولو عاد المتنبي لأدرك أن نظريته كانت تقوم على أربعة فرضيات: الفرض الأول أن الثعالب هم فئة اللئام، وأنها قليلة، وطنية أو أجنبية، ولكن صفة اللؤم والخسة والاندفاع للسرقة هي طباعهم؛ لأن الثعلب يقفز فوق الأسوار ويتسلل إلى الحدائق والزروع.
الفرضية الثانية، هي أن الثعالب كانت تسرق لترد غائلة الجوع، وكان الخير الوفير في مصر يفيض عن هذه الحاجة البيولوجية.
الفرضية الثالثة، هي أن الثعالب كانت تغافل الحراس وتحصل على منيتها في غفلةٍ منهم، وهي مرات نادرة.
أما الفريضة الرابعة، فهي أن الشجر ورأس المال كان يتزايد فيتزايد معه الثمر والخير؛ مما كان يكفي السرقات ويغطي على غيرها، فلا تظهر السرقة بالمقارنة بهذا الخير الوفير.
الذي حدث في مصر هو تجفيف منابع الزرع والضرع عمدًا، وتشكيل عصابات محترفة وُلدت بجيناتٍ هدفها تخريب مصر والقضاء عليها، فقامت بشكلٍ منظمٍ ومبرمج تنفيذ خطتها، بدأت بالزراعة فقضت على مقوماتها، فأصبحت مصر تستورد معظم حاجاتها من الخارج، ودمَّرت الصناعة، وباعت مصانعها للثعالب الجديدة في عملية تصفية لرأس المال تحت عنوان الخصخصة لم تعرف لها مصر مثيلاً في قسوتها ووضوحها وفجورها، والثعالب تردد أنها تحسن صنيعًا وتتحايل لإنقاذ جرائمها كلما تنبَّه بعض الحراس لها، وصار الحراس مرتشين يساهمون في إنقاذ الجرائم مقابل الفتات.
أما في القيم والتعليم والثقافة فقد انحدرت إلى الحضيض، وأصبحت قيم السرقة والإثراء بلا سبب ونهب الثروات بالتواطؤ والهروب إلى الخارج قاعدة ثابتة في مصر، وأصبح الأعمى خيرًا من المبصر، وأصبح المبصرون والمثقفون ينخرطون في الدفاع عن دمار مصر وخرابها، كما يتصدون لكل مَن يُنبِّه إلى ما انزلقت إليه مصر من حالٍ ودمار، وأصبح هؤلاء يتصدرون المجالس والشاشات وأجهزة الإعلام.. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)﴾ (البقرة)، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)﴾ (البقرة).
ولكن أصحابنا يعلمون أنهم يفسدون وأنهم يُلبسون الحق بالباطل، بل إن رجال الدين منهم صاروا يستدعون قواعد الحلال والحرام وتكفير المصلحين الذين ينبهون إلى الفساد، وهي حال سوف تدفع المتبني إلى تجنب الظهور إذا قُدِّر له ذلك، فلم يعد النيل والشمس والهواء والشعب والسكن والزرع يُثير في النفس ما كان، وكأنهم جميعًا في حداد، أو كأنهم ينتظرون رحمة ربك.
لقد ذكرني هذا الموقف قصيدةً جميلةً لأحد الشعراء المحدثين عنوانها "عودة صلاح الدين بمناسبة اغتصاب الأقصى"، ونحن عليه شهود وحكامنا عنه قعود، وكأنه ليس الأقصى الذي كرَّمه الله في قرآنه.
قال صاحبنا إن الناس في دعواتهم يتلهفون لكي يعود صلاح الدين، ثم عاد صلاح الدين فلم يلتفت إليه أحد، ولم يستمع لدعوته أحد، فاكتشف أن الشعب ليس بحاجةٍ إلى صلاح الدين، إنه بحاجةٍ إلى أن يكون من جنس الشعب الذي انتصر به صلاح الدين.. فكيف نُصلح شعبًا أفسده عملٌ منظمٌ من قياداته؟ وكيف يُخرِج مثل هذا الشعب قائدًا همامًا كصلاح الدين؟.. إنها إشكالية مصر في هذا العصر!!