في عهود الظلام؛ حيث لا مكانَ لقانون ولا وجود لعدالة.. حين يوسَّد الأمر إلى فاقدي الحكمة، وناقصي الأهلية، ويستشري القهر والفساد واستغلال النفوذ والتزوير والتدليس.. الكل مجنَّد لخدمة السلطات، والجميع يعمل لحماية النظام، هكذا حتى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فلا مكانَ لدعاة الحق ولا سبيل للمصلحين.. أبواب السجون مفتوحة.. أساليب التعذيب المستوردة والمحلية هي الحامي، بدلاً من القانون والدستور، والجلاد هو صاحب الكلمة والحظوة والمكانة.

 

ولماذا يلجأ القائم على الأمور لهذا الأسلوب الإجرامي الهمجي الذي يفقده كل المقومات ويصمه بأسوأ السمات.. إنه العجز ثم العجز، العجز عن إعمال العقل.. العجز عن الاعتراف بحقوق العباد والبلاد.. فلا إعمال لحكمة ولا استخدام لفكر ولا رجوع إلى قيم ومعتقدات، ولكن البطش هو السلاح الأمثل والأقرب، وهو الوسيلة الفعالة لإخراس الألسنة وكبت الحريات، ونسيَ هؤلاء أن رواد هذا المنهج من أمثال كي جي بي (بريا) الروسي و"الجستابو" الألماني و"السافاك" الإيراني، راحوا في أسفل دركات مزبلة التاريخ، ونالوا المهانة والازدراء على مر العصور.

 

لقد كتب هؤلاء تاريخهم بدماء الشهداء وأنات المعذبين؛ لتصبح شاهدًا عليهم يوم يقف الجميع بين يدي الله.. فلا حاكم ولا محكوم.. ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾ (النور).

 

لقد فجَّر مقتل الشاب خالد ابن الإسكندرية- في واحدةٍ من مآثر هذا العهد الظالم- الكوامن.. وأتساءل ما مبررات هذا الأسلوب الهمجي المستنكَر من الجميع.. أيًّا كانت المبررات؟ وهل هناك في شرعتنا وثوابتنا ما يسمح لرجل الشرطة أن يتجاوز إلى هذا الحد.. فيقتل، وتحميه الدولة بالتزوير والتدليس؟!!

 

تعود بي الذكريات.. وما أقساها!.. ولعل المجلدات لا تفي لتسجِّل تلك الممارسات الإجرامية، التي عايشتها مع هذا العهد المتشح بلون الدم، والمتسربل بكل الزيف والتزوير، وأبدأها بأحداث "عام 54"، عندما تم اعتقال عشرات الألوف في يوم واحد وأُودعوا في السجون الحربية.

 

لم يكن مسموحًا للفرد بأدنى ضرورات الحياة الإنسانية، فيتم الاستقبال بالسياط والضرب المبرح، ثم نزع شعر الرأس واللحية قسرًا، ثم السجن الانفرادي الذي تُمارس فيه كل عوامل التخويف والإزعاج.. وتبدأ مراحل التحقيق الذي تمارسه شرذمة من رجال المباحث من أمثال أحمد صالح داود.. وصلاح حلمي، وإسماعيل نصر الدين، ومحمود مراد وآخرين، وتستعمل فيه كل وسائل التعذيب.. من صلب على العروسة إلى الغمر في مياه آسنة، كلها طحالب إلى إشعال النار بعد سكب الكحول على الأجساد العارية.. ثم إطلاق الكلاب المدربة على النهش وطوابير التعذيب والنفخ.

 

لقد فاضت أرواح طاهرة بريئة تشكو إلى الله ظلم الطغاة وعسف المتجبرين، ودُفنت هذه الأجساد الطاهرة في أرض مدينة نصر.. وقد كُشف عن هذا الإجرام يوم تم التجهيز لإقامة إستاد القاهرة؛ حيث فوجئ الجميع بتلك الهياكل العظمية التي دُفنت تحت أنقاض السجن الحربي.

 

وأذكر حادثًا لا يزال في مخيلتي، يعيش معي وأذكر تفاصيله.. فقد عدنا أنا وبعض الأخوة من ساحة التحقيقات محمولين في بطاطين، وكان معنا الشهيد محمود الصوابي، وفي سجن "4" أمرنا الجاويش عبد المقصود بالوقوف، وحاول البعض ولكن الشهيد محمود لم يستطع، وأسند رأسه على رصيف دورة المياه، وطالبه الجاويش فلمَّا لم يستجب هجم عليه ووضع الحذاء على رقبته، ثم ضغط عليها حتى تكسَّرت عظام رقبته على مرأى ومسمع منا جميعًا، ودون محاسب أو رقيب إلا الله.

 

كم من الشهداء أُزهقت أرواحهم، وإمعانًا في التدليس والتزييف كتبوا في سجلاتهم أنهم قد هربوا من السجن الحربي.. بل ذهبوا إلى منازلهم يتظاهرون بالبحث عنهم.. وظلت أم حسين شعبان من بين السرايات، وأم محمد يونس من العرب في انتظار أبنائهن حتى ماتوا كمدًا.

 

يا لهؤلاء!!.. كيف سيفرون من عذاب الله؟!.

 

وجاءت "محنة 65" ليتم القبض فيها على 18 ألف من الإخوان في ليلة واحدة، وأودعوا بالسجون الحربية وسجن "أبو زعبل"، وقاد حملات التعذيب رياض أحمد إبراهيم في السجن الحربي، وأحمد رشدي، وفؤاد علام، وزكريا عمار في سجن "أبو زعبل".

 

ولحقت مجموعةٌ من الشهداء بسابقيهم، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر الشهيد محمد عواد (الشرقية) وإمعانًا في التزوير قُدِّم للمحاكمة على أنه هارب وحُكِمَ عليه، ومات الشهيد حامد شريت إثر أكلة سمك فاسدة من السجن.

 

كذلك استشهد الأخ زكريا المشتولي، وأحمد شعلان (المرج) على يد مباحث أمن الدولة.
وانتهت تلك الحقبة.. لنبدأ عهدًا جديدًا تلطخت فيه الصفحات بهذه الدماء الشريفة الطاهرة:

- المهندس الزراعي سعد اللبان (دمياط) الذي عُذب في مقر أمن الدولة بمدينة نصر، ثم توفي بعدها بشهرين؛ نتيجة اكتشاف ورم سرطاني في المخ برأسه أثناء التعذيب، وتم إلقاؤه بعد تعذيبه بجوار سكك حديد دمياط.

 

- مسعد قطب، اغتاله زبانية التعذيب بمقر مباحث أمن الدولة بمحافظة الجيزة في 4/11/2003م بعد اعتقاله مساء الجمعة 31 أكتوبر 2003م، وأكدت زوجته وأهله خلال استلام جثته أن آثار التعذيب الشديدة بدت على الشهيد قطب؛ حيث وجد أهله رأسه مهشمةً تمامًا ومعوجة، وعينيه تقريبًا غير موجودتين، وأذنه مقطوعة، ورأسه مفتوحة من قمتها مرورًا بالعنق إلى الصدر.

 

ورفض جهاز المباحث استلام الجثة من مباحث أمن الدولة، إلا أن ضغوطًا من قيادات أمن الدولة على المباحث اضطرته إلى قبول الجثة، وتسليمها إلى مستشفى "أم المصريين" العام في 5/11/2003م؛ حيث أمرت النيابة بدفن الجثة.

 

وحاولت الداخلية التعتيم على الجريمة، فصدر تقرير الطبيب الشرعي بأن الوفاة كانت نتاجًا لسكتة قلبية، فهدد المحامي ضابط أمن الدولة بأنه سيأتي بطبيب من الخارج؛ فتم تغيير سبب الوفاة في لحظتها بهبوط حاد في الدورة الدموية!!.

 

- المهندس أكرم عبد العزيز الزهيري كان أحد رموز العمل الإسلامي بالإسكندرية، وواحد من قيادات العمل العام في مصر، اعتقل الشهيد ضمن عدد من أعضاء وقيادات الإخوان المسلمين في 15 مايو 2004م على ذمة القضية (462 لسنة 2004م- حصر أمن دولة عليا).

 

وعند عودة الشهيد من عرض النيابة إلى سجن طرة يوم 27 مايو؛ قام سائق سيارة الترحيلات بالتوقف فجأةً؛ ما أدى إلى اصطدام الشهيد أكرم بجدار السيارة بقوة؛ الأمر الذي أفقده وعيه، وتم عرضه على طبيب السجن؛ الذي قرر أنها "إصابة بسيطة" وأن "المسجون بيدلع" على الرغم من أن الفقيد كان يعاني من مرض السكر.

 

وظل زهيري في محبسه حتى يوم 8 يونيو، وهو يعاني من آلام مبرحة، وأصبح يذهب لدورة المياه محمولاً على الأيادي، وساءت حالته أكثر وأكثر؛ ما استدعى نقله إلى المستشفى وحضرت سيارة الإسعاف يوم 9/ 6، وذهبت بالشهيد إلى المستشفى، الذي ما لبثت أن صعدت روحه إلى بارئها تلعن الظلم والظالمين، وتتوعد بانتقام من رب العباد.

 

- طارق غنام.. استشهد طارق مهدي غنام ظهر الجمعة 6 مايو 2005م، بعد اختناقه بالقنابل المسيلة للدموع، التي ألقتها قوات الأمن بقيادة رجال المباحث على المصلين بمسجد الغنام بمدينة طلخا بمحافظة الدقهلية؛ لمنعهم من القيام بوقفة رمزية أمام المسجد؛ للمطالبة بإصلاح سياسي حقيقي بمصر.

 

وأرجع تقرير الطبيب الشرعي الوفاة إلى الاختناق بسبب القنابل المسيلة للدموع التي ألقتها قوات الأمن؛ حيث رفضت قوات الأمن خروج الشهيد الغنام لإجراء الإسعافات الأولوية قبل وفاته!!.

 

ولم تكتف قوات الأمن بذلك، بل منعت خروج الجثمان حتى بعد ثبوت الوفاة؛ حيث ظل الجثمان في المسجد لمدة ساعتين حتى جاءت النيابة العامة، وأمرت بإرسال الجثمان إلى المستشفى العام لإجراء الكشف الطبي اللازم له.

 

- أما الشهيد كمال السنانيري فقد تم تعذيبه على يد فؤاد علام.. ولقد شاهده الأخ علي نويتو قبل استشهاده بيوم، وقد حُلقت نصف لحيته وشاربه، وقال له أدعو لي فأنا في كرب شديد.. وفي اليوم التالي أُعلن عن انتحار كمال السنانيري (ذلك التقي الورع الذي قضى 20 عامًا في السجن، وهو يصوم يومًا ويفطر يومًا).. وإتمامًا للمهزلة فقد أُعلن عن انتحاره في كوع حوض دورة المياه.. كيف هذا؟ لستُ أدري.

 

- أما الشهيد شهدي عطية المفكر اليساري فقد اغتالته يد التعذيب في معتقل الفيوم، بعد أن اغتاله العسكري (المتربس) لا لشيء جناه إلا أنه وقف في وجه هذا النظام المتجبر.

 

يلي هذا أن السلطة تهدد الأهالي، وتلقي في روعهم أنهم لو تقدموا بالشكوى فسوف ينالون نفس القدر من التعذيب.. إلى هذه الكوكبة من الشهداء، الذين تم إعدامهم من أمثال الشهيد عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، وإخوانهم، والشهيد سيد قطب وإخوانه.

 

ثقوا يا زبانية التعذيب أن التاريخ لن ينسى أفعالكم، وأن المجتمع لن يتهاون عن المطالبة بحقه لديكم، وأن الله سوف يقتص منكم.

 

وبعد هذا أسأل هل مات خالد سعيد من التعذيب أم من الاختناق بلفافة مخدرات؟ السؤال في حاجة إلى إجابة..

 

إجابة حقيقية غير مدلسة أو مزورة..

 

وهناك ملف كامل عن حالات أخرى من التعذيب ضاق المقام عن ذكرها..

------------------

* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين