تابع العالم الأسبوع الماضي انعقاد قمة الثمانية الكبار وقمة العشرين (26- 28 يونيو 2010م)؛ حيث ناقشت في مدينة "تورنتو" الكندية كل قضايا العالم تقريبًا.. من بحث سبل إنعاش الاقتصاد العالمي، وزيادة إنتاج الغذاء في الدول النامية.. إلى مناقشة اقتراحات لإصلاح مجلس الأمن الدولي، والملف النووي الإيراني، وسبل خفض انبعاثات الغاز لحماية البيئة.. إلى مناقشة قضايا المرأة والطفل.

 

وصدرت عن تلك القمة قرارات كبرى، وتمَّ الإعلان- كعادة مثل هذه القمم كل عام- عن رصد مبالغ ضخمة لحل مشاكل العالم؛ ولكن تلك القرارات والأرقام ظلت حبيسة الاستهلاك الإعلامي دون جدوى على أرض الواقع، فما أعلنه رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني بأن الخمسة عشر مليار دولار التي تمَّ رصدها في القمة السابقة لزيادة إنتاج الغذاء في الدول النامية، وخاصة الدول الإفريقية؛ تمت زيادتها إلى 20 مليار دولار، لم نعرف منها دولارًا تمَّ توجيهه لأية دولة نامية بهذا الخصوص، اللهم إلا ملايين الدولارات التي تُدفع كمعونات مشروطة، وتدفع الدول الفقيرة مقابلها قسطًا من استقلال قرارها وحرية أراضيها.

 

وتذكرت القمة المرأة والطفل؛ فتعهدت بتقديم 7.3 مليارات دولار لصحة الأمهات والأطفال في الدول النامية، ونسي الثمانية الكبار في تلك القمة أن المحنة التي يعيشها ملايين النساء والأطفال في عالم الشتات والحروب والكوارث هي من صنعهم هم، بسبب حروب الإبادة المدمرة التي يشنونها على الدول الأضعف، والتي ألقت 43 مليون لاجئ معظمهم من الأطفال والنساء (90% منهم مسلمون) في عالم الشتات وبين أنياب الفقر والجريمة، ولو أنصفت تلك الدول الكبرى لكفت عن أكاذيبها بتقديم المساعدات، ولأوقفت آلتها الحربية الفتاكة عن حصد المزيد من الأرواح، وإلقاء المزيد من اللاجئين في عالم الشتات وتدمير المزيد من مقدرات وثروات الشعوب واحتلال أراضيها.

 

لقد تحوَّلت قمم الثمانية الكبار طوال السنوات الماضية إلى ما يشبه الاحتفالات الدعائية التي تحاول اجتذاب أنظار شعوب العالم بأن الكبار ما زالوا مسيطرين على العالم، وفي نفس الوقت تتحول تلك القمم كل عام إلى منصات لإطلاق التصريحات والبيانات الدعائية حول كل قضايا العالم تقريبًا، وإيهام الشعوب بأنها على وشك حل تلك القضايا، كما تبلغ العنترية مداها في القرارات عندما تنهال مليارات الدولارات لمساعدة العالم البائس ولكنها مليارات لا تتجاوز حناجر من يعلنها.

 

فقبل 7 أشهر تابع العالم قمة منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" (16- 18/ 11/ 2009م)، وتابع البيانات المفزعة التي ألقاها المتحدثون في تلك القمة؛ حيث كرر الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" ما طالب به في قمم سابقة بإجراء "تغييرات جذرية لنؤمّن غذاءنا، وخصوصًا حماية الطبقات الأكثر فقرًا".

 

وزاد على ذلك بلفت انتباه الحاضرين قائلاً: "اليوم سيموت أكثر من 17 ألف طفل من الجوع.. طفل كل خمس ثوانٍ.. ستة ملايين في السنة.. هذا غير مقبول.. علينا أن نتحرك"!.

 

أما منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" فقد استبقت القمة بأرقام مخيفة عن عدد الجوعى في العالم، إذ أفادت بأن العدد ارتفع إلى مليار وعشرين مليون نسمة، وهو ما يمثل سدس سكان الأرض، واعتبر ذلك رقمًا قياسيًّا جديدًا في أعداد الجوعى.

 

وغني عن البيان فقد سَجّلت أعداد الجوعى زياداتٍ متسارعة خلال الفترة من الأعوام 1995- 2006م؛ فقد ارتفع عدد الجوعى من 825 مليون شخص إلى 873 مليونًا، ثم قفزت تلك الأرقام إلى مليار وعشرين مليون جائع حول العالم.

 

وأستطيع الجزم هنا، أن دول العالم الغنية لن تحرك ساكنًا للإسهام في التخفيف من تلك الكارثة، فكيف تُقدِم على ذلك وهي صانعة الجوع والفقر في العالم، وصانعة القتل والمذابح عبر التاريخ في العالم؟! وإلا فمَن الذي حوّل دولة غنية مثل العراق إلى بؤرة مخيفة من الفقر والجوع غير الاحتلال الأمريكي؟.. بل إن الولايات المتحدة ما زالت تنفق شهريًّا على الحرب في العراق- أي صناعة الجوع والتخلف في هذا البلد- نحو 5.4 مليارات دولار (معهد دراسات السياسة ومركز السياسة الخارجية الأمريكي)، كما تنفق 9.6 مليارات دولار شهريًّا على الحرب في أفغانستان، أي صناعة الجوع والفقر هناك أيضًا، وأسهم الغرب المتقدم بنصيب وافر في صناعة الجوع والفقر في غزة وربوع فلسطين المحتلة، بل إن أي بؤرة يفترس فيها الفقر والجوع الناس هي من صناعة الدول الغنية، أي الدول الاستعمارية الكبرى، ويمكن إدراك ذلك بأي استقصاء بسيط!

 

ثم مَن الذي يدعم الديكتاتوريات الكبرى اليوم في العالم غير الدول الغنية؟.. تلك الديكتاتوريات التي أفقرت شعوبها ونهبت ثرواتها وأسقطتها في أتون التخلف بعد أن ألقت بها في جحيم الفقر والجوع، وما زالت تلقي بمزيد من البشر يوميًّا تحت خط الجوع والفقر، ولو أن لتلك الدول الغنية قلبًا أو مشاعر إنسانية لوقفت على الأقل إلى جانب تلك الشعوب المسحوقة وخلّصتها من طبقات الفساد الحاكمة؛ بالكف عن دعمها ودعم قواتها البوليسية الغاشمة.. لكن المصالح فوق كل شيء!!

 

في السياق ذاته، فإن نفقات الحروب الدائرة في العالم وسباق التسلح يكفي لإطعام البشرية جمعاء، ووضعها في مربع الترف؛ لكن للأسف فقد نزحت تلك الخزائن من جانب وصنعت الكوارث والمآسي في بلاد عديدة من جانب آخر، وأسهمت بذلك في صناعة جانب كبير من محنة الجوع والفقر حول العالم.

 

فكيف يُرتجى من الدول الكبرى الإسهام في حل تلك الكارثة وهي من صنّاعها، ولذلك فإن البيانات الختامية التي تصدر عن تلك القمم غالبًا ما تكون باهتة، ولا تحمل التزامات حقيقية من قبل الدول الكبرى للإسهام في حل مشاكل العالم التي صنعتها بأيديها!

 

لقد صرت كغيري من الفاقدين لأي أمل في مثل تلك القمم، وأكاد أجزم أن هدفها تجويع الجائع وإفقار الفقير وتأزيم الأزمات، ولذا أتمنى أن تسبق مثل تلك القمم بيانات استغاثة عاجلة من الدول المنكوبة بالفقر والحروب للدول الكبرى لا تطلب فيها مساعدات، بل تطالبها بالكف عن زيادة رقعة المأساة، والكف عن تصنيع مزيد من بؤر الفقر والجوع في العالم!

--------------

* كاتب مصري- ومدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية

Shaban1212@gmail.com